بعد تونس، ليبيا تلوح بتطهير القضاء: قضاة الثورة وقضاة النظام، و”حق الدفاع” المفقود..


2012-10-30    |   

بعد تونس، ليبيا تلوح بتطهير القضاء: قضاة الثورة وقضاة النظام، و”حق الدفاع” المفقود..

في 9-10-2012 ، أقر المجلس الأعلى للقضاء، مشروع قانون بإعادة تشكيل القضاء في ليبيا[1]"استجابة لتطلعات المجتمع، ومؤسساته المدنية وفي طور الإصلاحات المؤسساتية والنهوض بها، بما يحقق ضمان نزاهة واستقلال الجهاز القضائي الليبي" حسبما جاء في بيانه[2]وأحاله بصفة استعجالية الى المؤتمر الوطني العام، وهو المشروع الأول لاصلاح القضاء من حيث شموليته منذ سقوط نظام القذافي.
ويأتي مشروع هذا القانون من جهة أولى عقب تحركات شعبية احتجاجية[3]مطالبة بتطهير القضاء من المؤيدين لنظام القذافي الذين أصدروا الأحكام الجائرة بحق المعارضين الليبيين طيلة العهد السابق، وقد أيّده بشكل كامل البيان الصادر عن مؤسسات المجتمع المدني وروابط الشهداء والجرحى والكيانات السياسية والناشطين المستقلين وممثلين عن الثوار، ومن جهة أخرى في أعقاب ثلاثةقرارات متتالية للمجلس الأعلى للقضاء مطلع يناير/ كانون الثاني 2012 بشأن الحركات القضائية[4]– كان أولها قرار تعيين الهيئات القضائية، وثانيها قرار نقلها، وثالثها قرار ندبها، فضلا عن قيام الجمعية العمومية للمحكمة العليا بإحالة عدد من قضاتها الذين عرفوا بأنهم من قيادات نظام القذافي إلى التقاعد الإجباري قبل بلوغهم سن التقاعد القانونية في 3-10-2012[5].
والواقع أن هذا المشروع بالغ الأهمية لما يحمله من أبعاد وتغييرات ونتائج عملية وحتى مصيرية. فهو يشكل عمليا المشروع الأول من نوعه في المنطقة العربية في اتجاه تطهير القضاء. فبخلاف تونس التي حصل فيها تطهير محدود ومصر التي لم يحصل فيها اي تطهير، ها مجلس القضاء الليبي يتقدم بمشروع قانون يؤول عمليا الى رفع الحصانة عن القضاة، تمكينا ل"اعادة تشكيل القضاء"، عبر عملية واسعة تشمل كامل أعضاء الهيئات القضائية. فوفق أحكام مشروع القانون، يخضع جميع القضاة للتقويم فلا يُعاد تعيين الاّ من "ثبت صلاحيته للعمل القضائي بذات درجته وأقدميته السابقة"، ووفق آلية تعيين تم تحديدها فيه. في المقابل، من لم يشمله قرار اعادة التعيين، يُعد محالاً الى التقاعد"دون الحاجة إلى إجراء آخر ويسوى معاشه، على أن يكون له أن يطلب "إعادة تعيينه في وظيفة مدنية تعادل درجتها درجة الوظيفة القضائية التي كان يشغلها عند إحالته على التقاعد" دون اي حق مكتسب بقبول الطلب.
وفيما يصرح مجلس القضاء الأعلى أن «مشروع هذا القانون تضمّن ضوابط لإعادة تشكيل القضاء، وتعتبر جميعها معايير موضوعية تضمن سلامة إجراءات، ونتائج إعادة التشكيل، بما يضمن تشكيل قضاء فاعل ونزيه، ويكون حصنا حصينا للعدالة وتأكيدا لسيادة القانون واستقلاله»، فان الغوص في التفاصيل يطرح علامات استفهام كبيرة وفق ما سنحاول تبيانه في سياق عرض ماهية هذه المعايير والجهة المشرفة على تطبيقها أو أيضا الأصول المتبعة لذلك.
فمن بين المعايير، نلقى الاعتماد على معدل الأداء المعتمد لدى لائحة التفتيش على الهيئات القضائية، وبالتالي إبعاد كل من قلّ معدله عن ربع الحد الأدنى ومن كانت تقاريره بدرجة وسط أو أقل من الوسط. والمعضلة هنا أن القضاة الليبيين لم يقوموا يوما في ظروف عادلة أو مؤاتية لذلك: فكما لا يصح التقويم الحاصل في ظل النظام السابق لوجود شبهة قوية للتعسف، لا يصح التقويم الحاصل بعد سقوطه طالما أن العمل القضائي تم خلال هذه الفترة في ظروف يشوبها كثير من الخلل وأن القيادات القضائية بقيت خلالها الى حد ما من دون تغيير. والأمر نفسه بخصوص الاعتماد على سجل الشكاوى المقدمة بحق القضاة أمام التفتيش القضائي، في حال ثبوت صحتها.
كما من المعايير التي تمنع اعادة تشكيل القاضي، نلقى استغلال النفوذ في الوظيفة القضائية أو سوء الأخلاق، أو الاثراء غير المشروع على حساب الوظيفة أو أي تصرف بعكس ما يحتّم السلوك القضائي مناحترام وتقدير، أو أيضا الانحياز للنظام السابق عبر الأحكام الجائرة ضد الشعب الليبي والمعارضين أو بأي شكل من الأشكالالتعاون مع قيادات النظام السابق، أو أيضا التعرّض لحرية انسان أو تهديده بأي شكل من الأشكال، أو شهر السلاح في وجه الليبيين أو المشاركة في قتلهم أو التحريض على ذلك بأي شكل من الأشكال، أو أيضا أن يكون عضواً بهيئة الشرطة وغيرها من الجهات الأمنية أو تعاون معها، أو عضواً او رئيساً في لجنة شعبية أو في أمانة مؤتمر شعبي أساسي، أو في اللجان الثورية أو تعاون معها، أو في لجان التطهير في النظام السابق. وعدا قلة من الحالات الفاضحة، تبقى عموما الاتهامات في هذا الصدد في ظل تغلغل النظام السابق في مفاصل الحياة العامة الليبية نسبية ومبهمة الى حد كبير. وهذا ما كانت المفكرة القانونية قد اوضحته في تقريرها عن القضاء التونسي والمصري في فترة الديكتاتورية[6].
وما يزيد القلق في هذا الشأن هو ماهية الجهة التي ستباشر مراجعة ملفات أعضاء الهيئات القضائية فهي تشكل "بقرار من المجلس الأعلى للقضاء وتتألف من رئيس إدارة التفتيش على الهيئات القضائية وعدد من مستشاري المحكمة العليا ومحاكم الاستئناف ومن أعضاء الهيئات القضائية الذين ساهموا مساهمة فعلية في ثورة السابع عشر من فبراير لسنة 2011 ميلادية..".ومن هذا المنطلق، يظهر أنه على نقيض هؤلاء القضاة الذين تفترض عمالتهم للنظام السابق، ثمة قضاة يبقون معصومين عن التقويم ليس لخدمات قضائية معينة، انما لمساهمتهم الفعلية في الثورة. فهم ليسوا فقط يفترض اعادة تشكيلهم افتراضا، انما هم الذين سيشرفون على تقويم سائر زملائهم. 
وأخطر من ذلك هي الأصول التي تتم فيها عملية التقويم (التطهير). فللجنة مهلة شهرين (بدءا من من تاريخ صدور القرار بتشكيلها) لاحالة نتائج عملها الى المجلس الأعلى للقضاء الذي  بدوره عليه احالتها إلى المؤتمر الوطني العام خلال خمسة عشر يوماً  من صدورها عن اللجنة. واذ ينص المشروع على ضرورة مراعاة السرية التامة، فانه بالمقابل لا يترك مجالا للدفاع عن النفس، أو لأي طريق من طرق الطعن في قرار اللجنة.
فألا يخشى في ظل ذلك أن تتحول عملية التطهير الى عملية تصفية حسابات، يستفيد منها ويشرف عليها من يرضى عليه الحاكم الحاضر ويتضرر منها كل من ليس كذلك، في تدبير قد يشكل سابقة لاستباحة كرامة القاضي وحقوقه الأساسية ويحول حكما دون اعتماد أدنى معايير الاستقلالية، كل ذلك في ظل التجاذبات السياسية والشخصية بين قضاة الثورة وقضاة النظام ؟
ولعلّ كل هذه التساؤلات تفسر محاولات عدد من مستشارين وقضاة[7]في بنغازي لاجهاض هذا المشروع عبر السعي لدى المؤتمر الوطني العام من أجل عدم اعتماده. وهذا ما عبّر عنه أيضاً بصراحة المستشار لدى المحكمة العليا د. خليفة الجهمي: "ان هذا المشروع أثار استهجان الكثير "لعدم توازن أحكامه وضبابية نصوصه مما قد يتم إستغلالها في أغراض لا تمت للصالح العام بصلة، بل إنه يمكن أن يطال الشرفاء من أعضاء الهيئات القضائية دون الفاسدين المتسترين تحت رداء الثورة والثورة منهم براء لتاريخهم الحافل بالمخازي، وينتهي مشروع القانون بذلك إلى الإنحراف عن الغاية التي تقرر من أجلها لعيب ذاتي لصيق به في الأصل يترجح معه أن ينحدر به إلى درجة عدم الدستورية ، فضلا عما يتوجسه البعض من أن تشوب تطبيقاته مجانبة قاعدة تخصيص الأهداف". ووفق قراءة د. الجهمي فان أغلبية الحالات المنصوص عنها في المادة الخامسة من مشروع القانون المذكورة أعلاه والتي بمقتضاها يُعتبر القاضي غير أهل للعمل القضائي يُمكن أن تُعالج بحسب طبيعتها وفق الأصول التأديبية أو الادارية أو الجزائية، مشددا بالنهاية على ضرورة محاسبة القضاة من جانب القضاة أنفسهم وضمن "اجراءات تراعى فيها قواعد الشرعية والمشروعية" وتضمن استقلال القضاء.
وفي الاتجاه نفسه، نقرأ المذكرة الصادرة عن ادارة التفتيش على الهيئات القضائية بشأن مشروع القانون، والموجهة الى رئيس وأعضاء المجلس الأعلى للقضاء. فلقد أكدت المذكرة بأن تطهير هذا الجهاز سيف ذو حدين، وذلك للخطورة التي تتربص خلفه، من اجراءات قد تكون ظالمة أو خاطئة فتنال وتحطّ من كرامة القاضي المعني "اذ أن أي قرارات متسرعة أو انقياد وراء بعض الأصوات (المنادية بتطهير القضاء) – وان كانت صادقة – سيؤدي الى عواقب قد لا تكون محمودة على القضاة والجهاز القضائي بوجه عام باعتباره مساس بثوابت وباحدى سلطات الدولة وقد يكون إلحاق الجور والأذى بقضاة ظلوا لعقود طويلة يفصلون في قضايا بين الناس وينالون من مجتمعهم التقدير والاحترام"… وفي المذكرة ايضا، دعوة الى التعلّم من تجارب دولتين عربيتين هما مصر وتونس اللتين لجأتا سابقاً الى "أسلوب التطهير والعزل القضائي خارج نطاق القانون"، وما لبثتا أن تراجعتا عنه "بعد ان وصف تصرفهما بالرعونة وأصبح سبة ولعنة لكل من قام به أو أقره".
وختاما، لربما يفيد التذكير بأن حقوق القضاة التي تمت استباحتها بموجب مشروع القانون قد وجدت تكريسا قويا في قرارالمحكمة العليا[8]والصادر في 11-11-1377 (2009) أي في ظل النظام السابق والذي قبل طعنا دستوريا قدّمه أحد القضاة ضد قانون نظام القضاء (مادة 93) الذي لا يجيز له الطعن بالقرار الصادر عن المجلس التأديبي بنقله بأي طريق من طرق الطعن. وقد تضمن القرار آنذاك تكريسا لحق القاضي بالتقاضي والمساواة أمام القانون وهما حقان أساسيان تصونهما الوثائق الدستورية ولا توجد أي مبررات لاستبعادهما ولا سيما أن صفة القاضي لا تبرّر تجاوز أية حقوق. لا بل إن أي مس بحق من حقوق القاضي انما سينعكس مساّ بحقوق المتقاضين، فعلى القاضي "أن يقضي بين الناس بالحق والعدل وهو يعلم أنه محروم من هذا الحق اذا حدث مساس بحقوقه". في ظل حكم كهذا، يكون مشروع القانون المقترح، أو أي مشروع مماثل، غير دستوري.
 
 العودة إلى خبر "تقرير من منظمة هيومان راتيس واتش يعيد الجدل حول قرارات إعفاء القضاة"


[1]www.aladel.gov.ly/main/modules/news/article.php?storyid=476
[2]http://shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=09102012&id=755504e8-1762-4a74-9bf9-9ae2c637c630
[4]http://www.aladel.gov.ly/main/modules/sections/item.php?itemid=350
[8]والمنشور في العدد الخامس من المفكرة القاونية: https://legal-agenda.com/images/publications/1343722776-Legal%20Agenda%205.pdf
انشر المقال

متوفر من خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية