بعد إيقاف مئات الشبّان في احتجاجات جانفي: مسيرة غاضبة في تونس العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين


2021-01-26    |   

بعد إيقاف مئات الشبّان في احتجاجات جانفي: مسيرة غاضبة في تونس العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين
تصوير أحمد زرّوقي – مصوّر صحفي

شهد شارع الحبيب بورقيبة يوم 23 جانفي 2021، مسيرة حاشدة للمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين خلال موجة الاحتجاجات التي شهدتها تونس منذ 14 جانفي 2021، والتي طالت معظم الولايات والأحياء الشعبية في العاصمة. ويأتي هذا التحرّك بدعوة من عدد من منظّمات المجتمع المدني وناشطين سياسيين وحقوقيّين بعد أن تمّ إيقاف مئات المحتجّين من ضمنهم عشرات القصّر، وبعد رصد العديد من الانتهاكات والعنف الأمني تجاه المحتجين سواء أثناء التصدي للاحتجاجات أو بعد الإيقاف. 

رغم الطوق الأمني حول شارع الحبيب بورقيبة، المسيرة تقتحم شارع الثورة

استباقا للمسيرة التي تمّ الإعلان عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، عمدّت وزارة الداخلية صباح السبت 23 جانفي 2021، إلى إغلاق كافة المنافذ والطرق الفرعية المؤدية إلى شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، إضافة إلى تركيز عدد كبير من قوات الأمن والعربات والمدرّعات على امتداد الشارع. طوق نجح في صدّ الموجة الأولى من المسيرة التي انطلقت الساعة الواحدة بعد الظهر. حيث توجّه المحتجّون للتجمهر أمام مقرّ البنك المركزي التونسي رافعين شعارات تنادي بإسقاط النظام وضرورة التصدي “لدولة البوليس” وحكومة المشيشي وحلفائها من الأحزاب. لتتوجّه لاحقا نحو مقر الهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية حيث يعتصم جرحى الثورة وعائلات الشهداء منذ أسابيع للمطالبة بنشر القائمة الرسمية لجرحى وشهداء الثورة في الرائد الرسمي وإنهاء حالة الإهمال الحكومي لهذا الملّف المفتوح منذ سنوات.

المسيرة التي أعلنت مساندتها للجرحى ولمطالبهم، عادت مرّة أخرى إلى شارع الحبيب بورقيبة، حيث تمكنّت من كسر الطوق الأمني والدخول إلى الشارع بعد مناوشات مع قوات الأمن، أفضت إلى إصابة شاب تمّ نقله في حالة حرجة إلى المستشفى وإيقاف عدد من المحتجّين ومن ثمّ إطلاق سراحهم في وقت لاحق من نفس اليوم.

تصوير أحمد زرّوقي – مصوّر صحفي

أكثر من 1000 موقوف في أقلّ من 10 أيام

في الذكرى العاشرة ل14 جانفي 2011، انطلقت شرارة الاحتجاجات من مدينة سليانة في الشمال الغربي لتونس، بعد أن تداول متصفحو المواقع الاجتماعية مقطعا مصوّرا يوثّق اعتداء رجل أمن على راعي أغنام بسبب شرود عدد من رؤوس القطيع واقترابها من مقرّ الولاية. حادثة أطلقت العنان لموجة هائلة من الاحتجاجات النهارية والليلية في معظم المدن التونسية وفي الأحياء الشعبية في العاصمة. هذه التحرّكات، وخصوصا الليلية منها، شهدت مواجهات عنيفة بين قوات الأمن وشباب الأحياء الفقيرة في العاصمة ومختلف المدن الكبرى، وتخلّلتها عمليات سطو على عدد من الفضاءات التجارية. حدث التقطته الحكومة لتصوّر الاحتجاجات في الليل على أنها عمليات تخريب منظمة واعتداءات على الأملاك العمومية والخاصة، في سردية اجترّتها مختلف الحكومات المتعاقبة، مع تجدّد احتجاجات الشتاء في تونس، ليتمّ اختزال غضب الشارع وإدانته في آن واحد ضمن صور التخريب والإجرام، في حين تمّ الاعتداء بنفس العنف على وقفة احتجاجية “نهارية” لمجموعة من النشطاء ونواب شعب سابقين في شارع الحبيب بورقيبة يوم 19 جانفي 2021 والذين طالبوا بإطلاق سراح الموقوفين. الانزلاقات التي شابت بعض الاحتجاجات، وفرّت بدورها ذريعة لتغطية العنف البوليسي الهائل الذي تعرّض له المحتجون. فلم تقتصر الإيقافات على المشاركين في التحرّكات، بل اقتيد بعض الشباب من منازلهم لمجرّد تدوينة تساند الشارع على غرار ما حدث للشاب أحمد غرام الذي تمّ إيقافه في 17 جانفي وستتم محاكمته في 28 من نفس الشهر. لتبلغ الحصيلة أكثر من 1000 شاب، 30% منهم دون سن ال18 وفق ما أعلنت عنه الندوة الصحفية لعدد من منظمات المجتمع المدني في مقر نقابة الصحفيين يوم 21 جانفي الجاري.

تصوير أحمد زرّوقي – مصوّر صحفي

العنف الذي واجهت به قوات الأمن الغضب الشعبي، استنفر المجتمع المدني على غرار المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، الجمعية التونسية للمحامين الشبان، الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، صوليدار تونس، البوصلة، جمعيتي، جمعية مبدعون ومحامون بلا حدود الذين أصدروا بلاغا مشتركا في 20 جانفي الجاري بعنوان “إجابة قمعية لأزمة سياسية واقتصادية” دعوا فيه السلطات القضائية لتحمل مسؤولياتها وفتح تحقيق في الممارسات الأمنية المضطهدة لحقوق الأشخاص والأطفال من سوء معاملة للتعسف على معطياتهم الشخصية عبر تعمد بعض الأطراف الأمنية لنشر صور الموقوفين الأحداث في صفحات التواصل الاجتماعي، معلنين دعمهم للقوى الشبابية والمواطنية الحية لمواصلة نضالاتها، في إطار احترام الممتلكات العامة والخاصة، حتى تبقى قوة ضغط مستمرة ومؤثرة على منظومة الحكم من أجل مراجعة سياسات التنمية ومقاومة الفساد واحترام الحقوق والحريات، إضافة إلى شروعهم في تقديم الدعم القانوني لكل المحالين عشوائيا على القضاء.

تصوير أحمد زرّوقي – مصوّر صحفي

العنف لم يقتصر على الشارع أو المواجهات، حيث أفادت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان عن تعرض عدد كبير من الموقوفين إلى الضرب والتعنيف في مراكز الاحتفاظ، زيادة عن ممارسات مهينة أخرى من قبيل حلق الشعر، وفق نص البيان الذي جاء فيه أيضا أن “التحقيق في مراكز الاحتفاظ أجري دون محام وأن الموقوفين أجبروا على إمضاء محاضر تحت التهديد” وهي ممارسات اعتبرت المنظمة “منافية لجوهر الدستور التونسي ولالتزامات تونس بالمعايير الدولية ولمتقضيات القانون رقم 5 من المجلة الجزائية ولمجلة حماية الطفولة”. كما تمّ التنبيه إلى تواصل هرسلة المُدوّنين. وقد أشارت الرابطة إلى أنه تم الاستعجال في إحالة أعداد كبيرة من المتهمين على أنظار النيابة العمومية والتي أحالت بدورها الكثير منهم إلى السجون ومن بينهم العديد من القُصّر الذين نقلوا إلى الإصلاحيات أو تمّ إيداعهم في السجون.

رغم أن الاحتجاجات الليلة لم تحمل أغلبها شعارات أو مطالب واضحة، إلاّ أن توزعها الجغرافي في أحزمة الفقر والتهميش في العاصمة وغيرها من المدن، وطبيعة الفئات المحتجّة من الشباب اليائس الذي لفظته المنظومة الاقتصادية، يعكس طبيعة أسباب غضب المحتجّين ويجيب ربّما عن السؤال الذي تردّد كثيرا خلال الأيّام الفارطة؛ لماذا يحتّجون ليلا؟. ببساطة لأنّهم سرقوا منهم النهار.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، حقوق العمال والنقابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *