بعد إخلاء سبيله، الأسمر يدعو لمحاسبة القتلة والسارقين: وكيل الأسمر يرى أننا بتنا نؤله المقامات في لبنان وهذا هو الكفر


2019-05-28    |   

بعد إخلاء سبيله، الأسمر يدعو لمحاسبة القتلة والسارقين: وكيل الأسمر يرى أننا بتنا نؤله المقامات في لبنان وهذا هو الكفر

بتاريخ 27/5/2019، تمّ إخلاء سبيل رئيس الاتحاد العمالي العام المستقيل د. بشارة الأسمر بكفالة مالية قدرها 500 ألف ل.ل.، وذلك بعد مرور عشرة أيام على توقيفه نتيجة تسريب فيديو يظهر خلاله وهو يلقي “نكتة” بمجلس خاص، اعتبرت النيابة العامة أنها طالت البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير.

خرج الأسمر من قصر عدل بيروت ووقف وسط حشد من مناصريه الذين تجمعوا مع بدء جلسة التحقيق معه أمام قاضي التحقيق جورج رزق. ثم ألقى كلمة أمام وسائل الإعلام أكد خلالها أنه “تحت القانون”، ودعا إلى “التقيد بالقانون”، وتمنى أن “يحاسب كل المسؤولين في لبنان، هؤلاء المسؤولون الذين تسببوا بالمجازر والسرقات والدين والكوارث للشعب اللبناني”.

تابع: “لقد تفوهت بكلمة خطأ وقدمت اعتذاري من غبطة البطريرك بشارة الراعي. يجب أن يحاسب كل المسؤولين وليس بشارة الأسمر فقط. فهم سبب مآسي الشعب اللبناني. فليعتذر غيري أيضا مما ارتكبوه من معاصٍ”.

وبسؤاله رفض الأسمر اعتبار ما مر به “تصفية حسابات ووضع اليد على الاتحاد، لأن الاتحاد أكبر من أن توضع اليد عليه”، وسأل: “ماذا فعل الاتحاد؟ كان في الشارع يدافع عن الكل بدءا من العسكريين إلى المتقاعدين والموظفين والعمال”. وختم قائلاً: “أنا إبن الكنيسة المارونية وأنظر إليها نظرتين من خلال البعدين الروحي والعملاني، أنا أنتمي روحيا إلى الكنيسة الكاثوليكية وبكركي وعملانيا أنتمي إلى مسيحيتي من خلال خدمة الناس على الأرض”.

يذكر أنه بتاريخ 17/5/2019، تم تسريب الفيديو له انتقد فيه الخطاب الآيل إلى تقديس البطريرك الراحل. وقد قال تحديدا أنه قضى الليل يصلي لروحه عله يعيد له شعره وقوته الجنسية. فإنطلقت موجة سخط عارمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. الهجوم لم يقتصر على إطلاق شتى أنواع السباب والشتائم بل انتشرت المطالب باستقالته من رئاسة الاتحاد، إلى رميه بالسجن وإنزال أقسى العقوبات بحقه. وخلال ساعات قليلة تحولت “النكتة” إلى قضية “أمن دولة” يهدده الأسمر، الذي لم يشفع له اعتذاره من رأس الكنيسة المارونية البطريريك مار بشارة بطرس الراعي الذي قالها صراحة في بيان صادر عن مكتبه بأن الاعتذار غير كافٍ بل يحتاج الأمر إلى عقاب فوري وإلى “التكفير والتعويض” عن الخطيئة “بما يحفظ قدسية وفاة البطريرك الكبير وكرامة اللبنانيين”.

وقد جاء موقف القضاء للأسف منسجما مع هذا خطاب الإدانة المذكور، حيث فتح قصر العدل أبوابه وانتقل المدعي العام التمييزي بالوكالة عماد قبلان للاستماع إلى الأسمر. وعليه، وفي أقل من 24 ساعة، جرى توقيف الأسمر وإرغامه على الاستقالة من منصبه، وليستمر من ثم توقيفه حوالي 10 أيام.

وقد عكست هذه الحساسية الفائقة إزاء طرفة سمجة والإجراءات المتخذة على أساسها مدى استتباب نظام المقامات، أي النظام القائم على إعلاء شأن المقامات وتأليهها والاستبسال في الدفاع عنها، حتى لو تم ذلك على حساب حرية المعتقد والتعبير المكفولين في الدستور. وقد عبرت “المفكرة” بوضوح في مجموعة من المواقف عما اعتبرته تكريسا لهذا النظام، على حساب الديمقراطية والحريات العامة.

محامي الأسمر: إنه بلد يؤله مقاماته

وقبل إطلاق سراح الأسمر، كان للمفكرة لقاء مع وكيله، المحامي بلال الحسيني الذي اعتبر أن “ما جرى محاولة للاقتصاص من بشارة الاسمر ولضرب الحركة العمالية التي كانت يوم الجمعة في أوج نشاطها وتألقها”. وقال: “لقد تم استغلال هذا الأمر ومحاولة تدميره معنويا واستمر المسلسل من خلال التأثير على بعض أعضاء الاتحاد للقيام بانسحابات فورية، وتعليق العضوية”. ورأى أن “الوسائل الإعلامية كانت تتحدث دون وعي”. معتبراً أن “موضوع إقفال أبواب بكركي أمامه كان خطأ وقعت فيه بكركي نفسها التي تعد بابا من أبواب التسامح”.

وأكد الحسيني أن”فيديو “ذلة اللسان” التي وقع فيها الأسمر ووصفها البعض بساعة تخلٍّ، لا يحمل في طياته عناصر جرمية. فالأسمر لم يعطِ تصريحاً لوسائل الاعلام وأمام العلن، وإنما كانت “وشوشة جانبية” مع أشخاص محددين ما يؤدي إلى انتفاء نص المادة 209 التي تشترط النشر والعلنية.

ولفت إلى أن”كلام د. بشارة يحمل انتقاداً وتوصيفاً ولا يحمل في مضمونه أي خروج عن الطائفة المسيحية أو عن مذهبه أو طعنا بالشعائر أو التقاليد أو قدحا وذما بالاشخاص نهائياً”. وقد أشار إلى أنه “كان يجب على الجمعيات التي تعنى بحقوق الانسان أن تتصدى لهذه المسألة لأنها تتعرض لحقوق الإنسان وحريته في إبداء الرأي”.

وتابع:”ما قلناه للمدعي العام التمييزي أنه لو كان د. الأسمر كفر أو تعرض لله خالق الكون لما تعرض لما يتعرض له الآن. لقد أصبح “الله” أمراً جانبياً، فنحن صرنا في دولة “تأليه الأشخاص”. فإذا تعرضت لله أحداً لا يقترب منك ولكن إن تعرضت لإحدى شخصيات البلد، قد تنزل السماء على الأرض”. مؤكداً أن الأسمر “لم يتعرض بالإساءة لأي شخص وعلى فرض كان كلامه يحمل في طياته قدحا وذما، فإن ذلك كان ضمن وشوشة خاصة ولم تكن على الاعلام وبالتالي تنتفي العناصر الجرمية”.

واعتبر الحسيني أن”الذي سرب الفيديو وأسمعه للناس هو المجرم الحقيقي، وهو الذي سبب حالة الهجوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والهجوم لبعض محطات الإعلام التي من الممكن أن تكون مدفوعة أو لديها مصالح معينة أو تعبّر عن موقف أطياف معينة. وبالتالي، الذي نشر هذا الشريط هو الذي يجب أن يسأل جزائياً فهو الذي قام بالتسجيل والنشر إلى العلن”، وأكد أنه “سوف نقوم بالادعاء عليه”.

مداهمات وتحقيقات

وعن الملاحقة القضائية، قال الحسيني: “بداية تم فتح محضر التحقيق الأولي الجمعة ليلاً، من قبل المدعي العام التمييزي لجرم لا يتعلق بأمن الدولة، ولا بانهيار اقتصادي أو اختلاس مال عام، أو نتيجة العجز في ميزان الدولة ووصول الدين العام إلى 85 مليار دولار، ولا لسبب يتعلق بتوظيف آلاف الأشخاص عشوائيا لأغراض انتخابية وإنما فقط من أجل الاقتصاص من بشارة الاسمر”. وكان “”ادّعى عليه كلّ من الرابطة المارونية والمؤسسة المارونية العالمية للانتشار ومؤسسة البطريرك صفير وشخصان آخران. ووجّهت إليه التهم في المواد 582 و584 و586 وأيضا المادة 474 من قانون العقوبات، الخاصة بتحقير الشعائر الدينية”.

ويروي الحسيني أنه “تم فتح المحضر دون إبلاغ الأسمر نهائياً، على الرغم من أن رقم هاتفه معروف بل تم إطلاق الدوريات مباشرة والتي توجهت واحدة إلى منزله للمداهمة، وأخرى إلى الاتحاد العمالي العام. وعندما وصل الخبر إليه قام بالاتصال مباشرة بالمدعي العام التمييزي وقال له: “أنت تطلبني”. فأجاب” “نعم”. فرد عليه: “لعيونك””. وأكد الحسيني أن الأسمر سلم نفسه انطلاقاً من قناعته أنه “لم يفعل شيئاً”و”إيماناً منه ولثقته التامة بالقضاء اللبناني وبمؤسسات الدولة”.

ولفت الحسيني إلى أن “المدعي العام التمييزي خالف نص المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وأنا دونت اعتراضي مرتين وقلت له أنه يخالف القانون. فإذا النيابة العامة خالفت القانون، فمعنى ذلك أن القانون بات حبراً على ورق.استمع له وقام بتوقيفه على نحو يخالف كل المنطق والمبادئ والنصوص القانونية. ماهي التهمة؟ لا يوجد تهمة فهو كنائب عام تمييزي (وليس استئنافيا) لا يدّعي حسب القانون وإنما يحيل الأوراق ويقوم بالتحقيق ويحيل الأوراق إلى النيابة العامة المختصة”. ورأى الحسيني أن”النيابة العامة الاستئنافية، حين أحيل الملف إليها، كانت أمام حلّ من إثنين: إما أن تقوم بإخلاء سبيله لأن جرائم القدح والذم لا تستدعي التوقيف، أو أن تبحث عن مادة قانونية تجيز التوقيف (أي مادة تعاقب أكثر من سنة حبس)، فكانت المادة 474 التي لا صلة لها لا من قريب ولا من بعيد بالقضية. وأوضح أن “مواد القدح والذم لا يمكن أن تحرّك دعوى الحق العام فيها إلاّ بتحرك المعتدى عليه، وفي حال كان ميتاً فإن الورثة أو الأقرباء حتى الدرجة الرابعة أو من تضرر هم وحدهم من يقدر على ذلك. ومن البين أن أيا من هؤلاء لم يدعِّ”.

قديس؟ ليس بعد

وقال:”لقد توجهت بسؤال للقاضي: “هل اعتبرتموه قديسا؟” قال لي كلا لكن نحن بصدد ذلك. فأجبته “إذاً إلى حين ذلك، لماذا تحاكمونه؟”. ولفت الحسيني إلى أنه كان هناك محاولة “للادعاء على الأسمر بإثارة النعرات الطائفية لكن لحسن الحظ هو ماروني وجده بنى أول كنيسة في جزين”.

أوقف الأسمر ثم جرى تحويله إلى قاضي التحقيق جورج رزق الذي استمع له لمدة ساعة و40 دقيقة ودوّن الاستجواب على 22 صفحة، كل ذلك من أجل تلك “النكتة” التي سمعها اللبنانيون جميعاً والتي لم تتجاوز مدتها الثواني. على الرغم من ذلك يلفت الحسيني إلى أن”هناك استياء قضائيا شديدا نلمسه من جراء ما حصل مع بشارة الأسمر ومن كل الاطياف، وليس فقط القضاة السنة أو الشيعة، بل حتى القضاة المسيحيين. كثيرون هم الذين ينتقدون سراً ويتأففون على نحو كبير جراء ما حصل معه”. أضاف: “علّق بعض القضاة اعتكافهم في نهار السبت من أجل توقيفه”. ولفت الحسيني إلى أن قاضي التحقيق أصدر مذكرة توقيف وجاهية بحق الأسمر، وأن الهيئة الاتهامية ردّت الطعن الذي قدمناه ضد هذه المذكرة على أساس أنها غير معللة.

ماذا عن استقالة الأسمر من رئاسة الاتحاد وهو محتجز؟

لم يمضِ يوم على توقيف الأسمر حتى أرسل سطراً على ورقة يتقدم به باستقالته من رئاسة الاتحاد العمالي العام، رغم أن هذه الاستقالة تمت وهو تحت الاحتجاز ويعاني من ضغط إعلامي وسياسي شديد. وبسؤال وكيله عنها، أجاب أنه “تم قبول الاستقالة لكن نحن لدينا خطوات بهذا الخصوص، مع العلم أن إحدى الجهات النقابية أبلغتنا أن سفيرة الاتحاد الاوروبي أعلمت احد المسؤولين اللبنانيين عن استيائها الشديد لتوقيف بشارة الاسمر والطريقة التي يتم التعاطي فيها مع الملف”.

وأكد الحسيني أن “الاستقالة غير قانونية لأنه كان مكرهاً عليها وسنتخذ خطوات بشأنها. كذلك بشأن الهجوم عليه وفسخ العقود وخلافه هي قرارات غير قانونية وسنتصرف بعد إخلاء سبيله”. ونفى الحسيني صحة الصورة التي انتشرت حول التحقيق معه مخفوراً ومكبل اليدين. وقال: “لقد كان قاضي التحقيق محترما جداً معه”. وبسؤاله عن تلقيه وعوداً بإطلاق سراحه في حال قدم استقالته أجاب بالنفي”.

نهار الإثنين 27/5/2019 تم الاستماع إلى ثلاثة اشخاص ممن كانوا إلى جانبه على المنصة وعن ذلك قال الحسيني:”أراد قاضي التحقيق الاستماع إلى هؤلاء الأشخاص على اعتبار أنهم شهود. وطبعاً قاضي التحقيق لديه سلطة تقديرية ولكن لماذا الشهود؟ هنالك فيديو سجّل كل شيء ود. بشارة أخبر كل ما جرى معه؟”.

تابع: “أصبحنا نعيش في دولة بوليسية، دولة قمع الحريات لا بل القضاء عليها ومن أجل أهداف سياسية مستعدون لضرب كل شيء. أنا برأيي أن البعض من في الطبقة السياسية والذي كان يطلق العنان لتصريحاته سابقاً من أنه يعاني من أزمة في موضوع الحرية والحقوق في لبنان، بات الآن يقوم بقمع الحريات وحقوق الإنسان بأسلوب آخر وأدوات أشد إيلاما”.

مقالات ذات صلة:

قضية المس بذكرى البطريرك الراحل: تطييف قضايا العمال تمهيدا للإنقضاض عليها والتشدد في حماية مقام البطريرك تحصينا لكل مقام

نظام المقامات في لبنان

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *