بعد إحالة صحفيين للتحقيق استناداً على قانون مكافحة الإرهاب، أي دور للهياكل المهنية في تنظيم القطاع وحماية حرية الصحافة؟


2016-01-22    |   

بعد إحالة صحفيين للتحقيق استناداً على قانون مكافحة الإرهاب، أي دور للهياكل المهنية في تنظيم القطاع وحماية حرية الصحافة؟

اعتبرت كلّ من الهيئة العليا المستقلة للاتّصال السمعي والبصري والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إحالة عدد من العاملين بمؤسّسة التلفزة التونسية على التحقيق وفق مقتضيات قانون مكافحة الارهاب وكذلك دعوة رئيس تحرير صحفية "حقائق أون لاين" الالكترونية محمد اليوسفي للحضور لدى الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الارهاب منعرجا خطيرا في وضع حرية الصحافة والإعلام في تونس بعد الثورة.

وتعود إحالة عدد من الاعلاميين من مؤسّسة التلفزة التونسيين على التحقيق على خلفية ما بثته القناة الوطنية الأولى في إحدى نشراتها الاخبارية في 14/11/2015 من مشاهد تتعلق بالجريمة الارهابية التي استهدفت الشهيد الراعي مبروك السلطاني بولاية سيدي بوزيد.

هذه الإحالات من قبل وزارة العدل على معنى الفصل عدد 31 من القانون الاساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال الصادر عن وزارة العدل، أدّت مرّة أخرى إلى جدل واسع بين الهياكل المهنية حول القوانين المنظّمة للمهنة واستغلال الوضع العام الذّي تمرّ به البلاد للتضييق على الحريات وانتهاك حرية الصحافة والتعبير.
 
مطالب باحترام القوانين الوطنية المنظمة للقطاع

ولئن رفضت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في بيانها الصادر يوم 18/01/2016 إحالة الصحفيين على التحقيق إعتماداً على قانون مكافحة الإرهاب، فقد ذكّرت مرة أخرى بأنّ هذا المنحى يتنافى مع المواثيق الدولية والقوانين الوطنية لسنة 2011 المؤرخين في 02/11/2011 المتعلّقة أساسا بالمرسومين عدد 115و 116. بل إنّ الإحالة تشكّل مؤشّرا لعودة ترهيب الصحفيين وثنيهم عن أداء مهامهم دون ضغوط.

الهيئة دعت أيضا أعضاء مجلس نوّاب الشّعب إلى التفاعل من أجل احترام أحكام الدستور الضامنة لحرية التعبير والصحافة والحدّ من تدخّل الحكومة في الشأن الإعلامي العمومي في سبيل المحافظة عليه كفضاء عمومي لمختلف الحساسيات الفكرية والسياسية.

وليست هذه المرة الأولى التي تطالب فيها الهيئة الدستورية التي أحدثت إبّان الثورة بضرورة احترام القوانين المنظّمة للقطاع وعدم تدخّل جهات رسمية في تقييم العمل الصحفي أو تحديد مستوى الخطأ المهني. فالهيئة ومنذ إحداثها عملت من أجل تنظيم المشهد السمعي البصري ومنح الرخص لقنوات تلفزية وإذاعات جديدة والعمل على تثبيت تشريعات منظّمة. 

وحسب المرسوم عدد 116 المتعلّق بحريّة الاتّصال السمعي البصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتّصال السمعي والبصري، تُحدث هيئة عمومية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي تسمّى الهيئة العليا المستقلّة للاتّصال السّمعي البصري تكلّف بالسهر على ضمان حريّة الاتّصال السّمعي البصري وتعددّيته وفقا للمقتضيات المنصوص عليها بهذا المرسوم. وتمارس الهيئة مهامها باستقلالية تامّة دون تدخّل من أيّ جهة كانت من شأنها التأثير في أعضائها أو نشاطاتها. كما يحدّد القسم الثاني الخاص باختصاصاتها أنّها الجهة الوحيدة والمخوّلة بمعاقبة المخالفات المرتكبة من قبل منشآت الإعلام السمعي والبصري وفقا للتشريع ولكرّاسات الشروط واتّفاقيات الإجازة ذات الصّلة. أمّا الباب الثالث الخاص بالنزاعات والعقوبات فقد نصّ في الفصل عدد  28 بأنّه وفي "حالة علم المراقبين بوقائع تمثّل مخالفة للنصوص الجاري العمل بها، كالممارسات المنافية للاحترام الواجب لشخص الإنسان وكرامته وحماية الأطفال أو للأخلاقيات المهنية وبأي خرق لمقتضيات كرّاسات الشروط من قبل المنشآت صاحبة الإجازة، يعلم المراقب فورا بذلك رئيس الهيئة الذي يقرّر التدابير الواجب اتّخاذها بعد تداول الهيئة، بما في ذلك رفع الأمر إلى السلطات الإدارية والقضائية والمهنية المختصة".
 
تضييق ومحاصرة للصحفيين

من جانبه، حذّر المكتب التنفيذي الموسّع للنقابة الوطنية للصحفيين من خطورة استعمال الحرب على الإرهاب للتضييق على الحريّات الإعلامية ومحاصرة الإعلاميين وتخويفهم، منبّها إلى مخاطر توظيف القضاء في هذا المجال خاصة في ظلّ وجود آليات التعديل والتعديل الذاتي في تغطية الأحداث الإرهابية، معلنا في بلاغه الإعلامي الصادر يوم 16/01/2016  أنّه أحدث خليّة أزمة نقابية دائمة لتقديم الدعم للصحفيين المستهدفين ولإيجاد الآليات الضرورية للتصدّي لمثل هذه الممارسات.  

نقابة الصحفيين التي تأسست يوم 13/01/2008 بعد أن كانت جمعية خلال فترة الستّينات عاشت انطلاقة صعبة. فسنة 2009 وبقرار من النظام السابق تمّ الإنقلاب على مكتبها التنفيذي وفرض مكتب موال له. وكانت الثورة محطّة مهمة من أجل عودة شرعية المكتب السابق إلى حدود انتخاب مكتب جديد منتصف عام 2011 برئاسة نجيبة الحمروني والذي عمل على تجميع الصحفيين من أجل الدفاع عن حقوقهم المادية والمعنوية ومن أجل تنظيم القطاع و وضع ركائز أساسية في اتّجاه التطوير والحفاظ على الاستقلالية.

ولعلّ من أهم مجالات عمل النقابة هو التصدّي للوضعيات الهشة التي يعاني منها عدد كبير من الصحفيين وصلت بعدد منهم إلى الطرد من مؤسّساتهم لمجرّد طلبهم بتطبيق القانون ومنحهم حقوقهم المادية كاملة، إضافة إلى المساهمة في وضع التشريعات المنظمة وإيجاد آليات للتصدي قانونيا للأخطاء. كما تعمل النقابة مع عديد الاعلاميين والخبراء على إحداث مجلس الصحافة المكتوبة والالكترونية الذي سيعمل على دعم حرية الصحافة.
 
هيئة خبراء لإعادة صياغة المرسوم عدد 115

كان المشهد الإعلامي قبل الثورة إعلاما تحت طائلة التعليمات؟ فقد كان وزارة الاعلام حينها هي التي تشرف على مراقبة المؤسّسات الإعلامية العمومية والخاصة، ولكن وبعد الثورة مباشرة وبمجرّد إنهاء عمل هذه الوزارة، انكبّ عدد من الخبراء والإعلاميين على إعداد قوانين منظّمة للقطاع وللمهنة تبلورت عام 2011 بإصدار المراسيم عدد 116(المشار إليه) و41 المتعلّق بالنفاذ الى المعلومة والمرسوم عدد 115 المتعلّق بحريّة الصحافة والطباعة والنشر.

ورغم الاختلافات حول بعض فصول هذه المراسيم فقد مثّلت محل إجماع بين المتدخّلين في القطاع والمهنة حيث اعتبرها العديد خطوة أولى نحو التعديل والتعديل الذاتي خاصة بالنظر إلى الظروف العامة التي رافقت إصدار المراسيم ومحاولة أطراف التعطيل أو التراجع.

ولعلّ أهم الاختلافات لدى المتدخّلين في الشأن الإعلامي هي الواردة في المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرّخ في 02/11/2011 حيث يرى البعض أنّ هناك بعض النقائص. وهذا ما دفع مؤخّرا إلى إحداث هيئة خبراء تتكوّن من أحد الصحفيين (ساهم في إعداد المرسوم الحالي) وقاض وممثّل عن أصحاب المؤسّسات الإعلامية وأحد المحامين. وستعمل هذه الهيئة على إعادة صياغة هذا المرسوم وتقديم مشروع جديد قبل شهر مارس المقبل على أن يعرض على جميع ممثلي الهياكل المهنية قصد تقديم ملاحظات بشأنه قبل عرضه على  مجلس نوّاب الشعب للمصادقة عليه ويصبح قانونا أساسيا.
 
بين التشهير بالانتهاكات وتوعية الصحفيين

مركز تونس لحرية الصحافة تحصّل على تأشيرة العمل القانوني خلال شهر فيفري 2011 وهو امتداد للجنة التونسية لحماية الصحفيين التي أسّسها عام 2009 عدد من الصحفيين المعارضين للنظام السابق (19 صحفيا وصحفية). ويعمل المركز على تنظيم دورات تدريبية بالشراكة مع منظمات دولية موجّهة للصحفيين في مجالات عدة وعلى رصد وتوثيق الانتهاكات المسلطة على الصحفيين وأيضا المساهمة في التشريعات المنظمة للقطاع.

كما يعمل المركز على إصدار تقارير شهرية وسنوية سواء خاصة بالانتهاكات أو توصيات أو مذكرة موجهة للعاملين في القطاع من أجل احترام أخلاقيات المهنة الصحفية آخرها المذكرة الخاصة بالتغطية الصحفية خلال الأحداث الإرهابية ركزت أساسا على عدم نشر معلومات قد تساعد الارهابيين وتفادي نشر اخبار كاذبة وتوجيه الرأي العام إضافة إلى الإلتزام بتنوع المصادر وحمايتها والحياد (الفصل بين الخبر والتعليق).

كما أصدر المركز عام 2015 تقريرا تحت عنوان "الميديا والارهاب" تنزّل في إطار برنامج يهدف الى تعزيز قدرات الصحفيين في مجال التنظيم الذاتي والأخلاقيات المهنية خاصة بعد الجدل الواسع في تونس لتغطية العملية الانتخابية الخريف الماضي والتغطية الاعلامية للعمليات الارهابية والتي فتحت الباب أمام جدل قانوني حول الحريات العامة والأمن القومي خاصة بعد المصادقة على قانون القوات المسلّحة وقانون الإرهاب.
 
وضعيات هشّة أمام محاولات السيطرة

النقابة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل هي من النقابات المهنية التي تعمل على الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية لكل العاملين في قطاع الاعلام من صحفيين وإداريين وتقنيين وعملة (أكثر من أربعة ألاف منخرط).تشارك بدورها في الجلسات التفاوضية مع ممثلي أصحاب المؤسّسات الاعلامية أو ممثّلي الحكومة. طالبت بدورها بضرورة وضع حد للوضعيات الهشة التّي يعاني منها الصحفيون ووضع حد للمال الفاسد الذي اكتسح عدداً من المؤسّسات الإعلامية حسب عدد من المتابعين. والغاية هي السيطرة وتركيعه خدمة لأجندات معينة وتصفية حسابات معينة مع أطراف مخالفة.

هذا الهيكل المهني الذي خصّص مجال تدخّله أواسط عام 2015 بعد أن كانت التسمية سابقا "النقابة العامة للثقافة والإعلام" يهدف أيضا إلى المشاركة في صياغة التشريعات والقوانين المنظمة للمهنة من أجل الحفاظ على استقلالية الصحفيين والمؤسسات الاعلامية من أيّ توظيف من أية جهة كانت. ولهذا يسعى إلى خلق علاقات تشاركية مع منظمات أخرى قصد رصّ الصفوف والوقوف جنبا إلى جنب للتصدّي لأية مخاطر قد تهدّد مكسب حرية التعبير والصحافة بعد أن حررته الثورة من كافة المخاوف.

إنّ سعي مختلف هذه الهياكل المهنية المتعدّدة الاختصاصات إلى حماية حرية التعبير والصحافة جعلها تعمل في أكثر من مناسبة في إطار تشاركي. ولعلّ إنضمامها لعدد آخر من المنظّمات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الانسان وحرية التعبير جعلها تعمل بأريحية أكبر للدفاع عن هذه الحريّات من جهة وعلى دفع كافة المتدخّلين في المشهد الاعلامي عامة من أجل حماية الاستقلالية وأخلاقيات المهنة وحقوق العاملين في المشهد الإعلامي خاصّة خلال هذه الفترة الانتقالية التي تعيشها تونس ومحاولة البعض العودة إلى مربع سياسة التعليمات والتضييق على الحريات مقابل توفير الأمن والتصدي لآفة الإرهاب. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية