برلمان “سعيّد” يستعدّ لدورة تشريعيّة جديدة: حصيلة تؤكد التبعيّة وغلبة شعبويّة


2023-09-22    |   

برلمان “سعيّد” يستعدّ لدورة تشريعيّة جديدة: حصيلة تؤكد التبعيّة وغلبة شعبويّة

أعلن رئيس مجلس نواب الشعب في لقاء صحفي يوم 14 سبتمبر 2023 أن الدورة البرلمانية القادمة ستنطلق في 3 أكتوبر[1]. ويهمنا قبل انطلاق هذه الدورة أن نسلّط الضوء على حصيلة عمله الهزيلة[2]وعلى تبعيته الخطيرة لرئيس الجمهورية وما يمكن أن يستتبع ذلك في الدورة المقبلة. ذلك أن هذا البرلمان الذي كان نتيجة انتخابات مهزلة ويرفض أن تكون فيه معارضة يرجح أن يساند مساندة مطلقة رئيس الجمهورية.

مهزلة الانتخابات: جاء مجلس نواب الشعب الحالي على إثر مسار انقلابي قاده قيس سعيّد ضد منظومة دستور 2014، بعد تغيير كل قواعد الانتخابات بتنقيح قانون 2014 وتنصيب هيئة للانتخابات خاضعة للرئيس وإشاعة جوّ من الترهيب والتخوين وضرب لحرية التعبير…

هذا المجلس والذي انتخبه 11.22% من مجموع الناخبين فقط من مجمل 9.2  مليون ناخب/ ناخبة[3]   لم يكن ومنذ البداية ليحظى بأي شرعية عدديّة خاصة وأن نسبة المشاركة في الدور الأول 17 ديسمبر 2022 والدور الثاني 29 جانفي 2023 هي أضعف نسبة سجّلت في تونس منذ 2011 ومن أضعف نسب المشاركة في العالم. حيث بلغ عدد الناخبات في انتخابات 2011، 4.3 مليون ناخبة، وأكثر من 3.5 مليون ناخبة في 2014 وكانت 2.9 مليون في 2019،[4] والملاحظ أن كلّ المترشحين في انتخابات 2023 كانوا مساندين للرئيس ومنخرطين في مساره، وهو ما يؤكد ومنذ البداية التبعية التامة لأعضاء مجلس النواب لرئيس الجمهورية وهو ما سيتواصل لاحقا في تنظيم المجلس وفي نشاطه.

مجلس من دون معارضة: مع انطلاق أولى جلساته في 13 مارس 2023[5] ناقش مجلس نواب الشعب مشروع نظامه الداخلي. وطرحت مسألتان هامّتان أثناء ذلك، وهما تكوين الكتل البرلمانية والمعارضة. واللافت للنظر أن النواب وإن كان أغلبهم غير منتمين لأحزاب سياسية، إلا أنهم أقروا وجوب التنظّم في كتل برلمانية وكانت الحصيلة ستّ كتل[6]. هذا التنظيم لم يكن ليحصل لولا تمسّك النواب به من ناحية ولكن بعد “موافقة رئيس الجمهورية عليه”، وهو ارتهان مبدئي وغير مشروط لإرادة الرئيس. أمّا فيما يتعلّق بالمعارضة البرلمانية فقد تضمن مشروع النظام الداخلي الفصل 22 والذي ينصّ على: “يصنف ضمن المعارضة النائب غير المنتمي أو الكتلة النيابية الذين يصرّحون في بداية الدورة النيابية بانتمائهم للمعارضة”. إلا أن هذا الفصل سقط لعدم حصوله على 81 صوتا مساندا، بل حصل فقط على 72 صوتا، ولذا لم يعد هناك مفهوم للمعارضة في برلمان الرئيس.

فالجميع مساند للرئيس ولسياسته وحكومته وإدارته… وهي ظاهرة سياسية ودستورية وقانونية غريبة ولا عهد للأنظمة السياسية الديمقراطية وغير الديمقراطية بها. فالبرلمان مساند للرئيس لأنه منبثق من إرادته وفلسفته وخاصة جاء نتيجة لانقلابه فهو مدين للرئيس بوصوله للسلطة[7].

وهو ما سينعكس لاحقا على عمل المجلس وتعامله مع نصوص مشاريع الرئيس. ونذكر بأن دستور الرئيس لا يتعرّض مطلقا لآليّة المعارضة ولا يقرّ لها بأيّ من الصلاحيات التي كان يقرها دستور 2014 في فصله 60: “المعارضة مكوّن أساسي في مجلس نواب الشعب… لها حقوقها التي تضمن لها تمثيلية مناسبة وفعالة في كل هياكل المجلس وأنشطته الداخلية والخارجية…” كما أسند لها دستور 2014 الرئاسة الوجوبيّة للجنة المكلفة بالمالية ولها صلاحية أن يكون مقرر اللجنة المكلفة بالعلاقات الخارجية منها، هذه المعارضة التي لها الحق في تكوين لجنة تحقيق سنوية تنشر تقريرها.

لم يعد هناك معارضة في مجلس النواب ويكون تصويت كل نائب أو كتلة بحسب قناعاته[8] والمعلوم الآن أنه في هذه الفترة القصيرة لعمل مجلس نواب الشعب، لم تعارض الكتل ولا النواب أيا من مشاريع القوانين التي تقدم بها رئيس الجمهورية بل قبلتها جميعها وبسرعة لم يعهدها العمل البرلماني في تونس أو في الخارج. هذا التفاعل التقديسي لرئيس الجمهورية، يخفي أيضا (في هذه المرحلة على الأقل) ضحالة عمل مجلس النواب.

في تبعيّة المجلس لرئيس الجمهوريّة

إن عدم وجود “مفهوم” للمعارضة داخل المجلس وعدم ترجمة ذلك في التنظيم الداخلي له، يؤكد الانطباع العام بأن المجلس هو امتداد “لمشروع” الرئيس على المستوى التشريعي. الشيء الذي يتأكد على مستويين:

  • المستوى الأول: مشاريع الرئيس ذات أولوية “قصوى”:

بالرجوع إلى النصوص التشريعيّة التي وافق عليها مجلس نواب الشعب في الفترة الممتدّة من 13 مارس تاريخ انطلاق أشغاله و28 جويلية تاريخ الموافقة على آخر قانون في الدورة المنقضية، نلاحظ بأن القوانين التسعة الموافق عليها هي مشاريع تقدّم بها رئيس الجمهورية. وفيما أمكن تفسير هذا الأمر بأحكام الفصل 68 من دستور 25 جويلية 2022 التي منحت “لمشاريع رئيس الجمهورية أولوية النظر”، إلاّ أن ذلك يعني أيضا انخراط المجلس في أولويات رئيس الجمهورية في “سياساته” الاقتصادية والمالية والاجتماعية وغيرها، دونما أن تكون للمجلس أي أولوية ما عدا ذلك. وبالنظر إلى مضمون هذه القوانين، نجد أن 6 منها تتصل بالقروض والاتفاقيات المالية[9]، فيما القوانين الثلاثة المتبقية تعلقت من ناحية باتفاقية الضمان الاجتماعي بين تونس والكيبيك (القانون عدد 5)، وقانون عدد 6 يتعلق بتحوير طفيف في شروط الانتداب للقضاء العسكري وكلاهما لا يحتوي إلا على فصل واحد. ويبقى النصّ الأهم في نظرنا من حيث المحتوى هو القانون عدد 2 لسنة 2023 المؤرخ في 12 جويلية 2023 والذي يتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للدواء وموادّ الصحة. يحتوي هذا القانون على 15 فصلا، وقد تمت مناقشته في اللجنة المعنية في ثلاث مناسبات وأدخلت عليه بعض التنقيحات من قبل النواب، إلا انه يبقى من القوانين التي يتوجب لإنفاذها صدور نصوص ترتيبية عديدة، ممّا لا يعجّل في الظرف الحالي بانطلاق هذه الوكالة في العمل وهي مسألة لم يثرْها النواب.

هذا التوجّه العامّ لمجلس النواب في قبول مشاريع الرئيس بصفة آلية، والتي تدعم فكرة التبعيّة له تتأكّد عندما نفحص إجراءات الموافقة على هذه المشاريع.

  • المستوى الثاني: مشاريع الرئيس تقرّ بسرعة:

أكثر ما يلفت النظر في إجراءات الموافقة على مشاريع القوانين التي تقدّمت بها رئاسة الجمهورية هي السرعة الفائقة في موافقة النواب على هذه النصوص وهو ما ينعكس على انعدام النقاش في مسائل جوهرية وجدّية تمسّ الخيارات الكبرى المالية والاقتصادية والاجتماعية “للرئيس/ الدولة”.

من ذلك مشاريع قوانين تمّت الموافقة عليها في الجلسة العامّة بعد 3 أيّام فقط من إيداعها لدى المجلس، كالموافقة على قروض من المملكة العربية السعوديّة لتمويل الميزانيّة (القانون عدد 7)، ومن البنك الافريقي للتنمية للمساهمة في تمويل مشروع دعم منظومة الحبوب (القانون عدد 8)،  ومن الصندوق العربي للإنماء لتمويل الطرق المصنفة (القانون عدد 9). كذلك الأمر بخصوص قوانين أخرى لم تتجاوز الفترة المختصّصة لإحالتها ومناقشتها والتصويت عليها في اللجنة ثمّ في الجلسة العامّة أسبوعا واحدا، مثل القانون المتعلق بشروط الانتداب للقضاة العسكريين (القانون الأساسي عدد 6)، والقانون المتعلّق بانضمام تونس لمؤسسة إفريقيا للتمويل (القانون عدد 4)هذا التعامل السريع مع مسائل أساسية تتعلق بسياسة التداين الخارجي للدولة التونسية (تعلقت بمجموع 4 قوانين من الأمثلة الخمسة السابقة)، لا تعطي أي انطباع بتعامل جدّي مع مسألة في غاية الخطورة. إذ لم تتعلق “شبه النقاشات” التي تمّت داخل اللجان المعنية مع ممثلي الحكومة (وزيرة المالية) بسياسة التداين الخارجي، ولم يتعرّض النواب لمسألة الدين الخارجي ووجوب توضيح الحكومة/ الرئاسة لسياستها في هذا المجال، وبخاصة علاقتها بالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ولم تساءَل الوزيرة عن اتّفاق تونس والاتحاد الأوروبي الأخير الذي أمضى في 16 جويلية الماضي ومدى جديّته وتأثيره على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في تونس، وسياسة الدولة في التداين الثنائي سواء مع الدول (المملكة العربية السعودية، الجزائر…) ومع الصناديق والبنوك الدولية والإقليمية… كانت إذا فرصا مهدورة للنقاش الجدي في مسائل مصيرية، فالبرلمان لا يناقش اختيارات الرئيس: هو منخرط في مسار الرئيس، ولا وجود لمعارضة داخله. وهو ما نلاحظه كذلك بمناسبة عرض مشروع تعديل شروط الانتداب للقضاة العسكريين حيث تحوّلت الجلسة إلى حفلة تطبيل للمؤسسة العسكرية والجيش الوطني وفوّت المجلس فرصة الحديث عن القضاء العسكري ومشاكله وخاصة ما تعلق بإحالة المدنيين على القضاء العسكري[10].

هذا العمل التشريعي المتسرّع يعكس في نهاية الأمر كيف يرى المجلس عمله في علاقته برئيس الجمهورية الذي يعتبره الأعضاء صاحب الفضل في كونهم نوابا للشعب.

والملاحظ أن كل مشاريع رئيس الجمهورية قد حظيت بعناية خاصة من قبل النواب بما فيها المشاريع التي لم توافق عليها الجلسة العامة بعد، حيث أنهت اللجان عملها قبل العطلة وأحالتها على الجلسة العامة المتوقع أن توافق عليها في أولى جلساتها بعد انقضاء العطلة، ومن ذلك مشروع قانون حول تسليم المجرمين بين حكومتي تونس والجزائر[11].

هذا التوجه العام، لا يجب أن يحجب عنّا بعض الانتقائية التّي يمارسها المجلس في اختيار المشاريع التي يسارع في الموافقة عليها. إذ أن مشروعي قانونين قدمتهما الرئاسة باقتراح من وزيرة الشؤون الثقافية لم يحظيا بأي اهتمام ولم تنظر فيهما اللجنة المختصة ويتعلقان بالمؤسسات العمومية للعمل الثقافي وتحديدا ” مسارح الجهات”. وهو ما ينمّ على أن المسألة الثقافية ليستْ من أولويات المجلس ولكن أيضا من أولويات الرئاسة التي أودعت المشروعين منذ 26 ماي 2023 دونما طلب استعجال النظر[12].  وهي ملاحظة عامة تسري على أغلب برلمانات ما بعد 2011 والتي لم تهتمّ تماما بالشأن الثقافي.

إن التعامل الانتقائي مع المشاريع المعروضة يؤكّد سياسة المجلس تجاه ما يعتقد أن الرئيس يريده ويسبّقه طبعا على ما يريده النواب وهو ما نراه من خلال مبادرات النواب التي لم تحظَ باهتمام المجلس إلى اليوم وفي عدم أخذ الجلسة العامة بمقترحات النواب لتعديل بعض فصول مشاريع الرئيس[13].

في المبادرات التشريعية للنواب: الاستنساخ والشعبوية

بالرّجوع إلى مقترحات النواب المودعة أمام مكتب ضبط المجلس من الأول من جوان إلى 28 جويلية 2023 نلاحظ أن عددها تسعة تم إيداعها وإحالتها على اللجان المختصة للنظر فيها ولم ترفق حتى الآن لا بتقارير اللجان ولا برأيها.

هذا التعامل مع مبادرات اللجان وإن كان مبرّرا بأولوية النظر في المشاريع الرئاسية التي حظيت بسرعة قصوى في إحالتها على اللجان المختصة وفي إعداد تقاريرها وإحالتها على الجلسة العامة والموافقة عليها لا يبرّر في شيء بطء التعامل مع مقترحات النواب، حيث تبقى هذه المبادرات في مكتب المجلس مدة قد تصل إلى أسبوعين[14] قبل إحالتها على اللجنة المختصة. كما أنه حتى الآن لم تنهِ أيّ لجنة إعداد تقريرها حول المقترحات المعروضة عليها. هذا التعامل غير الجدّي للنواب مع مقترحاتهم هل يعكس عدم جديّة المقترحات؟

فبالرجوع إلى المقترحات المقدمة، نلاحظ أن عددا هاما منها يمثل اجترارا لمشاريع كانت قدمت من قبل النواب في البرلمانات السابقة من 2011 إلى 2019، وأن عددا آخر تطغى عليها ضحالة الشعبوية ويتماهى مع رغبات السلطة التنفيذية.

في اجترار مشاريع “العشرية السوداء”:

رغم الموقف السلبي لنواب البرلمان الحالي من العشرية السابقة ونعتها ” بعشرية الخراب” و”العشرية السوداء” إلا أن بعض المقترحات المقدمة منهم هي اجترار لمقترحات سابقة بل وكذلك لقوانين سابقة.

–  فمقترح القانون عدد 14/2023 يتعلق بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني وهو من المقترحات العابرة للبرلمانات منذ الثورة. حيث تمّ إيداعه في الفترة 2011-2014 ثم في 2014-2019 وكذلك في برلمان 2019 الذي حلّ في مارس 2022 وغالبا ما يستخدم لغايات شعبوية بمعزل عن أي إرادة بإقراره.   

– في مقترح قانون تشغيل أصحاب الشهائد ممن طالت بطالتهم وتجاوز سنّهم الأربعين. هذا المقترح الهام (عدد 23/2023) يذكرّنا بقانون كان قد صادق عليه البرلمان المنحلّ وصدر بالرائد الرسمي: وهو القانون عدد 38 لسنة 2020 مؤرخ في 13 اوت 2020 يتعلق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي[15]. إلا أنّ هذا القانون لم يدخل أبدا حيّز النفاذ رغم مطالبة تنسيقية المعطلين عن العمل بإنفاذه، إلا أن الرئيس قيس سعيد نفسه كان قد أعلن منذ 19 نوفمبر 2021 أنه لن يطبق هذا القانون وصرّح بأن القانون عدد 38 وضع في تلك الفترة “كأداة للحكم ولاحتواء الغضب وبيع الأحلام وليس للتنفيذ”.

في المقترحات المتماهية مع رغبة السلطة التنفيذية:

لاحظنا في مقترحات النواب التماهي مع رغبات الحكومة من خلال مبادرات تعكس إمّا مشاريع تعمل عليها السلطة التنفيذية في هذه الفترة أو أفكارا تتداولها نفس هذه السلطة.

مقترحات تعكس مشاريع الحكومة، تقدم النواب بمقترحين هما في الواقع مشروعان تشتغل عليهما الحكومة في هذه الفترة وهما:

مقترح قانون عدد 06-2023 يتعلق بتنقيح القانون المتعلق بالبنك المركزي[16]، ويهدف هذا التعديل كما يستشف من مختلف تدخلات رئيس الجمهورية إلى تمكين الحكومة من الحصول مباشرة على تمويلات البنك المركزي دونما مرور بالاقتراض من البنوك! [17] ويشدّد كل المراقبين للشأن المالي في تونس على خطورة لجوء الحكومة إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي واستعماله السيولة المفرطة في السوق ممّا سيؤدي حتما إلى استعمال الأموال بالعملة الأجنبية لدى البنك للاستيراد ولاستخلاص الديون من ناحية وإلى ارتفاع مدمّر لنسبة التضخّم، هذه المحاذير التي يطلقها المهتمون بالشأن المالي، والتي تستعدّ الحكومة لتجاوزها وسحب كلّ استقلالية للبنك المركزي، يعدّ النواب أنفسهم لقبولها والتفاعل معها إيجابيا، فهذا المقترح هو رسالة واضحة للرئيس وحكومته بقبولهم المسبق بمقترحاته القادمة فيما يتعلّق بالبنك المركزي. وهو ما نلاحظه أيضا في مقترح النواب المتعلق باستعمال ” الدرون”.

مقترح قانون عدد 09-2023 منظم التراخيص المخصصة لاستعمال الدرون، قدّم هذا المشروع في 21 جوان 2023 وأحيل في 6 جويلية على لجنة الدفاع والأمن والقوات الحاملة للسلاح. وهذا المقترح يعكس مشروعا تعمل عليه الحكومة منذ 2021. ذلك أن وزارة النقل كانت قد أعلنت منذ 16 فيفري 2021 على إعدادها لأمر حكومي يتعلق بضبط القواعد الفنيّة المنطبقة على طائرات “الدرون”، وأودعت الحكومة في تلك الفترة مشروع الامر على بوابتها لإطلاع عموم المواطنين عليه ولإبداء ملاحظاتهم واقتراحاتهم[18]. ثمّ وبعد 25 جويلية 2021، عادت الحكومة الحالية للعمل على المشروع ولتجعل منه مشروع قانون يتعلّق بتنظيم الطائرات دون طيار “الدرون”[19].

فالنواب، يستبقون ” رغبات ” الحكومة باجترار مشاريعها والاستعداد لقبولها عند عرضها عليهم، وبالنظر في تعاملهم مع مشاريع الرئاسة في الدورة النيابية الأولى، فمن المنتظر أن تحظى هذه المشاريع بالقبول وقد لا تناقش أصلا.

بالمحصلة وبالنظر في العمل التشريعي لمجلس نواب الشعب في أولى دوراته، نلاحظ أنه رغم قصر هذه المدة 13 مارس، 31 جويلية 2023 (أقل من 5 أشهر) إلا أنها فترة بإمكانها إخبارنا عن سياسة البرلمان التّشريعيّة:

– هو برلمان يتماهى مع رغبات السلطة التنفيذية وخاصة رئيس الجمهورية، حيث يقبل مقترحاته، يعجّل في الموافقة عليها، لا يناقشها ولا يعدل شيئا منها، حتى وإن “تجرأ” بعض النواب على تقديم مقترحات تعديل طفيفة فإنها لا تقبل عند التصويت ويبقى المجلس على نصّ المشروع كما ورد عليه في تقديس لنصوص الرئيس.

– هو برلمان يسبق رغبات الحكومة، إذ يمهدّ لها الطريق بتقديم مبادرات تشريعية هي في واقع الأمر نابعة عن رغبات الرئيس المعلنة أو المتخيّلة (تنقيح قانون البنك المركزي، قانون الدرون، صندوق إصلاح التعليم، تنظيم مهنة المستشار الجبائي، تنقيح الفصل 96 من المجلة الجزائية…)،

– هو برلمان له أولويات بعيدة كل البعد عن الأولويات السّياسية والاجتماعيّة والاقتصادية والبيئيّة للبلاد، فمقترحات النواب لا علاقة لها بتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ولا بتركيز المؤسسات السياسية الكبرى: المحكمة الدستورية، المجلس الوطني للأقاليم والجهات، مجالس القضاء… فهو مجلس غارق في شعبوية بعيدة عن الواقع والحاجيات والانتظارات بتقديمه مقترحات لتجريم التطبيع مع اسرائيل او لتشغيل من طالت بطالتهم او تنظيم استعمال الدرون. بالنهاية هو برلمان على شاكلة الرئيس شعبوي بعيد عن الواقع المعيشي المرير للتونسيات والتونسيين ولا حلول له سوى تسويق الأوهام.

نشر هذا المقال في العدد 27 من مجلة المفكرة القانونية – تونس.

لقراءة العدد كاملا، إضغطوا هنا


[1]  https://www.arp.tn/ar_SY/blog/1/post/8101

[2]  أنظر/ي ، منظمة البوصلة: 100 يوم منذ تنصيب مجلس نواب قيس سعيد: غياب للشفافية وحصيلة هزيلة

[3] حيث شارك في الدور الأول 1.025 مليون ناخب و 887.638 ألف ناخب.ة فقط في الدور الثاني

[4] أنظر/ي ، أسماء سلايمية، الانتخابات التشريعية في تونس الشعب لا يريد مشروع الرئيس، المفكرة القانونية 30، 1، 2023.

[5] أنظر/ي ، مهدي العش,  برلمان “سعيّد” يعقد جلسته الأولى: ويبقى قصر باردو مطوّقا بالمدرّعات العسكريةالمفكرة القانونية, 15 مارس 2023.

[6] كتلة صوت الجمهورية بـ 25 نائبا، الكتلة الوطنية المستقلة بـ 21 نائبا وكتلة الأمانة والعمل 20 نائبا وكتلة الاحرار 19 نائبا وكتلة الخط الوطني السيادي بـ 15 نائبا، كتلة لينتصر الشعب بـ 15 نائبا، وبقي 39 نائبا مستقلين عن الكتل. أنظر/ي ، ياسين النابلي,

بخصوص عدد نوّابها في البرلمان: هكذا قامَت أحزاب وشخصيات بتضليل الرأي العام ، المفكرة القانونية12 ماي 2023

[7] أنظر/ي تصريح بودربالة, ذكر في ورقة منظمة البوصلة:100 يوم منذ تنصيب مجلس نواب قيس سعيد: غياب للشفافية وحصيلة هزيلة

[8] أنظر/ي ياسين النابلي, برلمان الرئيس: مِرآة تناقضات “الديمقراطية الجديدة” ، المفكرة القانونية 23 جويلية 2023

[9] ثلاث (3) قوانين لتمويل الميزانية, قانون واحد (1) لدعم منظومة الحبوب  قانون واحد (1) لانشاء الطرق المصنفة وقانون يتعلق بقرض داخلي لدى البنوك المحلية لتمويل ميزانية الدولة.

[10] أنظر/ي فيما يتعلق بالقانون عدد 6، مقالة محمد العفيف الجعيدي، ماذا تعلمنا مناقشة شروط الانتداب للقضاء العسكريين؟ او ملاحظات على بواكير عمل مجلس النواب في تونس، المفكرة القانونية في 08 اوت 2003، الرابط:

[11] مشروع قانون عدد 18/ 2023 أودع أمام المجلس في 21 جويلية 2023.

[12] مشروع قانون عدد 02/2023 يتعلق بتنقيح المرسوم عدد 121 لسنة 2011 المتعلق بالمؤسسات العمومية للعمل الثقافي ومشروع قانون عدد 03/2023 يتعلق بتنقيح القانون عدد 113 لسنة 1983 متعلق بقانون المالية لسنة 1984، في فصله 74 المتعلق بالمسارح الجهوية، تمّ إيداعهما في 26 جويلية 2023.

[13] أنظر/ي مقترحات النواب المتعلقة بمشروع قانون يتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للدواء ومواد الصحة والتي لم تأخذ بها الجلسة العامة. تقرير لجنة لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الإجتماعية وذوي الإعاقة منشور على موقع المجلس, الرابط: . https://www.arp.tn/ar_SY/loi/project/3895

[14] انظر/ى المقترحات عدد 06/2023 وعدد 05/2023 عدد 07/2023 عدد 08/2023 عدد 09/2023.

[15] الرائد الرسمي عدد 82 مؤرخ في 19 اوت 2020، ص 2009.

[16] القانون عدد 35 مؤرخ في 25 أفريل 2016.

[17] انظر/ي زيارة قيس سعيد لمقر البنك المركزي في 8 سبتمبر 2023 وحديثه عن الفرق بين استقلال واستقلالية البنك المركزي.

[18] مشروع أمر حكومي لضبط القواعد الفنية المنطبقة على طائرات الدرون:

[19] انظر/ي تصريح وزير النقل في 12 اكتوبر 2022 في المعرض الدولي للطيران والدفاع والفضاء.

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، قرارات إدارية ، مقالات ، تونس ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية