بدعة جديدة في النظام السياسي اللبناني: وزير تصريف أعمال


2016-06-22    |   

بدعة جديدة في النظام السياسي اللبناني: وزير تصريف أعمال

أثارت استقالة مجموعة من الوزراء في الحكومة اللبنانية إشكالية دستورية غريبة. فقد رفض بعض الوزراء من الذين تقدموا بإستقالاتهم، الانقطاع عن مزاولة مهامهم في وزارتهم لا بل ذهب بينهم من قال بضرورة قيام الوزير المستقيل بتصريف الأفعال. فهل يستقيم هذا الزعم على ضوء النظام الدستوري القائم في لبنان؟

لا شك أن الدستور اللبناني تطرق إلى مسألة تصريف الأعمال ونص في الفقرة الثانية من المادة 64 منه على التالي: "ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال"·

فهذا نص بيّن واضح يطرح مجموعة من الاشكاليات القانونية تتعلق بتحديد مفهوم تصريف الأعمال وكيفية تصنيف القرارات التي تتخذها الحكومة المستقيلة وهل هي تدخل في نطاق تصريف الأعمال أو تتخطى ذلك. وقد عالج القضاء الاداري هذه المشكلة في مجموعة من قراراته لا مجال لتحليلها هنا.

لكن الأمر الذي لا يحتاج إلى تأويل هو أن تصريف الأعمال فعل تقوم به الحكومة بأكملها. فلم يتكلم الدستور عن تصريف أعمال لوزير منفرد في ظل وجود حكومة غير مستقيلة. وهذا أمر منطقي كون فلسفة تصريف الأعمال مبنية على معادلة بسيطة قوامها الحد من صلاحيات الحكومة المستقيلة قدر الإمكان بإزاء فقدان مجلس النواب سلطته الرقابية عليها. فعدم قدرة السلطة التشريعية سحب الثقة من السلطة التنفيذية يعني حكما أن الحكومة لم تعد مسؤولة سياسيا أو خاضعة للرقابة البرلمانية، وهكذا يصبح من الضروري حصر صلاحية الحكومة في تصريف الأعمال لأن السلطة تقترن مع مبدأ المحاسبة والمسؤولية السياسية.

فعندما يتقدم وزير ما باستقالته يصبح حكماً غير مسؤول وتتعطل صلاحية مجلس النواب المنصوص عليها في المادة 68 من الدستور والتي تنص صراحة : "عندما يقرر المجلس عدم الثقة بأحد الوزراء وفاقاً للمادة السابعة والثلاثين وجب على هذا الوزير أن يستقيل".

وبما أن استقالة وزير لا تنسحب بنتائجها على مسؤولية الحكومة التي تبقى كاملة وخاضعة لرقابة مجلس النواب، كان من الضروري أن يتولى فورا إدارة وزارة الوزير المستقيل وزير آخر مسؤول أمام مجلس النواب. ومن هنا درجت العادة بتعيين وزراء بالوكالة عند غياب الوزير الأصيل لأي سبب كان. فمبدأ التضامن الوزاري يحتم استمرار تحمل الحكومة مسؤولية الوزارة التي استقال القيم الأصيل عليها. وقد أكّد مجلس شورى الدولة هذا الأمر عندما أعلن "أن الوزير الوكيل يتمتع بكافة الصلاحيات المتعلقة بالوظيفة ويتحمل كامل المسؤولية السياسية للحقيبة الوزارية التي أوكلت إليه وتنتهي الوكالة بمعاودة الوزير الأصيل إدارة شؤون وزارته" (قرار رقم 291/1996).

فمبدأ المسؤولية البرلمانية لا يستقيم مع وجود حكومة غير مستقيلة وفي كنفها وزير مستقيل يصرّف الأعمال. إذ لا سبيل إلى محاسبته من جهة، لكنه من جهة أخرى سيقوم باتخاذ قرارات وحتى بالتوقيع على مراسيم لمجلس وزراء مكتمل الصلاحية. وبالتالي كان من البين أن الوزير الذي يتقدم باستقالته عليه أن ينقطع فورا عن مزاولة مهامه حتى لو لم يتم تعيين بديل عنه. فوجود الوكيل كفيل بتأمين استمرارية عمل الوزارة المعنية دون أي فراغ أو تأخير. فالحكومة المستقيلة تصرف الأعمال ولا تنقطع عن تلك المهام فور تقديمها لاستقالتها أو اعتبارها مستقيلة لأن الحكومة الجديدة هي في طور التشكيل ولا وجود دستوري لها إلا لحظة صدور مراسيم تأليفها عن رئيس الجمهورية إذ تصبح قائمة من الناحية القانونية وتتابع تصريف الأعمال ريثما تنال ثقة مجلس النواب.

جراء ما تقدم، يتبيّن لنا أن كل كلام عن قيام وزير بتصريف الأعمال في وزارته أمر مخالف للدستور ولمبدأ التضامن الوزاري ولأبسط قواعد النظام البرلماني. ولا يردّ على ذلك بأنّ الوزير لم يصدر بعد مرسوم قبول استقالته أولا لأن التأخر في ذلك ناجم اليوم عن حالة استثنائية بسبب خلو سدة رئاسة الجمهورية والقواعد القانونية تبنى على المبدأ وليس الاستثناء. وثانيا حتى لو فرضنا عدم قبول الاستقالة بمرسوم في ظل وجود أو غياب رئيس للجمهورية، فإن الوزير الوكيل يحل تلقائيا مكان الأصيل فورا عملا بمبدأ استمرارية المرفق العام. ولا إمكانية لمعاودة الأصيل مهامه إلا في حال رجع عن استقالته، بحيث يعود إذ ذاك كامل الصلاحية. فلا تصريف فردي للأعمال في مطلق الأحوال بل فقط تصريف جماعي مع استقالة الحكومة برمتها.
 
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية