بداية متعثرة للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في تونس: وعنوانها غياب الجرأة


2014-05-27    |   

بداية متعثرة للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في تونس: وعنوانها غياب الجرأة

شكلت اثارة مجموعة من نواب المجلس الوطني التأسيسي طعونا في دستورية بعض فصول مشروع القانون الانتخابي، مناسبة لتعهد الهيئة الوقتية بمراقبة دستورية القوانين بأول دعوى الغاء منذ انشائها وفي تاريخ الرقابة على دستورية القوانين بتونس. ومن هذا المنطلق، كان موقف الهيئة موضوع انتظار تتجاوز أهميته المسائل الحقوقية والدستورية التي تثيرها الطعون بحد ذاتها. الا انه كان من المفاجئ أن يعلن قرار الهيئة من خارجها، وتحديدا عبر تصريحات صحفية تداولتها وسائل الاعلام ونسبت لنواب من المجلس الوطني التأسيسي. كما كان مفاجئا أن ذات التصريحات تطابقت في تأكيدها بأن الهيئة رفضت اربعة طعون فيما "تركت امر الطعن الذي تسلط على الفصل السادس من القانون الانتخابي والذي تمسك بعدم دستورية منع الامنيين والعسكريين من ممارسة الحق الانتخابي دون ان تفصل فيه". وأحالت مشروع القانون لرئاسة الجمهورية لتتولى ختمه واصداره .

كان يفترض ان يكون تعليل الهيئة القضائية لقراراتها والذي ينتظر ان يتم نشره بالجريدة الرسمية للبلاد التونسية الحدث الاهم في المشهد لتعلقه بموقف دستوري يتعاطى مع مسائل اساسية على اتصال بالمبادئ والحقوق الاساسية التي ارساها الدستور غير ان " حجب الهيئة للمعلومة فيما تعلق باحكامها " من جهة و اختيارها الصمت عن احد الطعون يؤدي لطرح السؤال حول الاداء المؤسساتي لاول مؤسسة دستورية يتم ارساؤها وفق احكام دستور الجمهورية الجديد. فقد ادى اداء الهيئة الى تحولها الى مركز الحدث عوضا عن الطعون التي بتت فيها والمسائل الدستورية التي تعاطت معها.

التزمت هيئة رقابة دستورية القوانين الصمت بعد ان اصدرت قراراتها واختارت ان توجه جوابها بشأن الدعاوى للمؤسسات الرسمية. الا ان فحوى القرار تسرب عبر هذه المؤسسات بشكل غير رسمي. ولا يتعارض جريان العمل على هذا النحو ظاهريا مع صريح النص القانوني وذلك باعتبار ان الفصل17 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل 2014 والذي يتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين اكد على سرية جلساتها. ولم تتضمن بقية الفصول القانونية التي تحدد الجهات التي على الهيئة ان تعلمها بقراراتها اي اشارة للعموم او للتصريح العلني بالقرارات، واقتصر النص القانوني على اشتراط ان ينشر قرار الهيئة بالجريدة الرسمية في اجل اسبوع من تاريخه. وقد أدى التزام هيئة الرقابة على دستورية القوانين بحرفية النص القانوني الى تراجعها عن التصريح علنا بالقرارات القضائية والذي تكرسه مختلف اجراءات المحاكم كمبدأ اصلي. ويبدو التراجع عن علانية التصريح بالاحكام غير مبرر  لاعتبارين اولهما انتفاء اي مبرر لحجب المعلومة خصوصا وان مادة اختصاص الهيئة  لا تتعلق باطراف الدعاوى التي تتعهد بها في اشخاصهم وانما بمصلحة عامة. وثانيهما ان الحجب الذي مارسته الهيئة للمعلومة ولو كان مؤقتا في مداه الزمني يتعارض مع الدستور الذي يفترض انها الحامية له، اذ ان الفصل 32 من الدستور التونسي ينص على حق النفاذ للمعلومة كحق يجب ان تضمنه الدولة وعلى احترام الحق في الاعلام كحق من الحقوق الاساسية وهي مبادئ  كان يفترض ان تحرص هيئة الرقابة على دستورية القوانين على تحقيقها على نحو يمنع استغلال المعلومة المحجوبة من الاطراف السياسية فيما قد يتعارض مع حيادية الهيئة.

ومن ناحية ثانية، وإذ ينتظر نشر قرارها برد أربعة طعون لتوضيح اسانيدها ودرسها، فان صمتها القصدي فيما تعلق بالطعن الخامس جاء متعارضا مع القانون. وقد برر نواب المجلس التأسيسي الذين نقلوا الخبر موقفها ذلك بنهاية الاجل الاصلي للنظر فيه. وبالامكان تفسير عدم التجاء هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين لطلب تمديد الاجل المخول لها قانونا من منظار حديث المصلحة الوطنية. فأن تطلب الهيئة تمديدا مماثلا لاجل نظر الطعون كان سيؤدي الى تعطيل سن القانون الانتخابي بما يتعارض مع الاستحقاقات السياسية والانتخابية، فيما كان تصريح الهيئة بعدم دستورية منع الامنيين والعسكريين من ممارسة الحق الانتخابي يتعارض مع التقديرات السياسية التي تعتبر ان استثناء الامنيين والعسكريين في هذه المرحلة يحمي حيادية المؤسستين. وان كانت هذه التبريرات تجد القبول في بعض الاوساط الا انها تعجز عن ايجاد تفسير لاستقالة هيئة الرقابة عن دستورية القوانين عن الاضطلاع بدورها الاصلي مقابل التفاتها لحسابات تخرج عن مجال اختصاصها.

كان يفترض ان تنجح الهيئة في البت في مجمل الطعون خلال الاجل المحدد لنظرها وذلك على اعتبار انها لم تتعهد بغيرها بما يجعل من مدة النظر الاصلية كافية للبت في الدعوى. وكان يتعين عليها ان تطلب تمديد اجل النظر لمدة ثانية وفق مقتضيات القانون. الا ان الهيئة استكانت لما نص عليه القانون من كون عدم جوابها في الاجال القانونية يؤدي لتجاوز انتظار موقفها وتجاهلت أن الاجال لم تنقض بعد لترفع عنها حرج الجواب عن طعن التبس فيه السياسي بالدستوري في نظرها على ما يبدو. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مجلة لبنان ، مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية