بخصوص عدد نوّابها في البرلمان: هكذا قامَت أحزاب وشخصيات بتضليل الرأي العام


2023-05-12    |   

بخصوص عدد نوّابها في البرلمان: هكذا قامَت أحزاب وشخصيات بتضليل الرأي العام

أعلَن البرلمَان التونسي الجديد أمس الخميس 11 ماي 2023 عن عدد الكتل النيابية، حيث بلغ عددها ستّ كُتل.[1] شكّلَ هذا الإعلان الرّسمي تفنيدًا لحملة التّضليل التي قادَتها أحزاب وشخصيات سياسية طيلة الأشهر الفارطة بخصوص حجم كُتلها النيابية وعدد النواب المنتمين إليها، من بينها حركة الشعب والتيار الشعبي وحركة تونس إلى الأمام ومبادرة “لينتصر الشعب” و”حراك 25 جويلية”.  

لم يكُن إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن نتائج الانتخابات التشريعية بداية فيفري 2023 كافيًا للوقوف على وزن الأحزاب والتيارات السياسية داخل التركيبة البرلمانية الجديدة، نظرا لأن معظم الترشّحات كانت فردية. إضافة إلى بروز بعض الائتلافات الانتخابية “العائمة” على غرار مبادرتي “لينتصر الشعب” و”الشعب يؤسس”، التي ضمّت حلقات سياسية مقرّبة من مشروع الرئيس قيس سعيد وأحزاب يسارية وعروبية مُساندة لما تطلق عليه “مسار 25 جويلية”.

عمومًا ساهمت المنظومة الانتخابية الحالية، التي همّشَت الأحزاب والكيانات السياسية ذات الهويات الواضحة، في تغذية استراتيجيا التضليل. لأنّها أنتَجَت حالة سياسية متشظية سعَت معظم الجماعات والشخصيات السياسية المساندة للرئيس إلى الاستفادة منها وضَمّها إلى رصيدها الانتخابي والسياسي. ولكن جاءت التركيبة الرسمية للكتل لتُبرز هشاشة كل هذه الرهانات. يُحاول هذا المقال العودة على معطيات انتخابية قدّمتها شخصيات وأحزاب سياسية طيلة الأشهر الماضية حول عدد نوابها في البرلمان الجديد، ومقارنتها بالحجم الواقعي للكتل البرلمانية الذي اتضحت معالمه أمس الخميس خلال الجلسة العامة التي عقدها البرلمان الجديد.

مبادرة لينتصر الشعب (من 42 نائب إلى 15 نائب): الفشل في استيعاب صَخب 25 جويلية

طيلة المدة الفارطة، أوهَم المتحدّثون باسم مبادرة “لينتصر الشعب” الرأي العام أن كُتلتهم النيابية تضمّ 42 نائبا مع إمكانية انضمام 16 نائبا جديدا. تكرّرت هذه المعطيات على لسان زهير حمدي الأمين العام لحزب التيار الشعبي (حزب عروبي ناصري) ومنجي الرحوي القيادي السابق في الجبهة الشعبية ومؤسس تيار جديد منشق عن حزب الوطد الموحّد، وعبد المجيد بلعيد الذي سبقَ وأن أعلن سنة 2019 استقالته من الجبهة الشعبية وحزب الوطد الموحّد. منذ يوم 07 فيفري 2023 -تاريخ الإعلان عن المعطيات المذكورة- ظلّت مبادرة لينتصر الشعب تَلهث وراء تشكيل كتلة نيابية وازنَة، وبدأت صراعاتها الداخلية تظهر فشيئا فشيئا، أهمّها عدم الاتفاق على مُرشّح واحد لرئاسة البرلمان، حيث لم يحظَ إبراهيم بودربالة -رئيس البرلمان الحالي- بدعم كل مكونات مبادرة لينتصر الشعب رغم أنه يُعد من أبرز مؤسّسيها. لذلك انسحَب من المبادرة وخلّف انقساما داخلها، وبَحَثَ عن دعم إضافي من نواب وتكتلات نيابية أخرى، ممّا أهّله للفوز برئاسة المجلس ب ـ83 صوتا، على حساب المرشح غير المعلن لمبادرة “لينتصر الشعب” عبد السلام الدحماني الذي حَصَل على 67 صوتا.

في نهاية المَطاف فشلت المحاولات الدعائية لمُبادرة “لينتصر الشعب” بخصوص حجم كتلتها النيابية، لأنها لا تَملك روابط سياسية فعلية بالنوّاب الجدد، وظلّت طيلة الفترة السابقة تسعى إلى بناء كتلة وازنة من خلال التأثير السّياسي والإعلامي من خارج البرلمان. كان النصيب النهائي للمبادرة 15 نائبا، وآلت رئاستها إلى علي زغدود، قيادي محلي سابق في حزب نداء تونس بمدينة بن قردان (جنوب شرق تونس). وقد سبق أن تمّ ترشيحه في قائمة نداء تونس للانتخابات التشريعية سنة 2014 عن دائرة مدنين، ولكنّه لم يحظَ بمقعد. ومن خلال إسناد الرئاسة لقيادي سابق في حزب نداء تونس (حزب حاكم من 2014-2019) يُفهم أن التيارات العروبية واليسارية داخل مبادرة “لينتصر الشعب” لم تكن قادرة على تشكيل كتلة نيابية والتحكّم في تركيبتها، وهو ما اضطرّ بعض عناصرها إلى الالتحاق بكتلة “الخط الوطني السيادي” على غرار بعض المنتسبين لتيار الوطد، أو البقاء ضمن تركيبة النواب المستقلين غير المنتمين للكتل.

أعلنت مبادرة لينتصر الشعب عن نفسها في 09 أكتوبر 2022، من خلال بيانٍ وقّعته 25 شخصية. وقد تزامن هذا الإعلان مع بداية الاستعداد للانتخابات التشريعية التي انعقدت في 17 ديسمبر 2022، وضمّت في صفوفها عددا من النقابيين والفاعلين السياسيين والأحزاب المساندة للرئيس قيس سعيد. بعض الموقّعين على بيان المبادرة ينحدر من النواة الأولى لمشروع الرئيس سعيد على غرار رضا شهاب المكي (المعروف برضا لينين) وأحمد شفطر، والبعض الآخر سبقَ وأن تقلّدَ مناصب نقابية عليا في الاتحاد العام التونسي للشغل على غرار محمد سعد (أمين عام مساعد أسبق باتحاد الشغل) ومحمد علي البوغديري (أمين عام مساعد سابق باتحاد الشغل ويَشغل حاليّا منصب وزير التربية). انضمّ أيضا إلى المبادرة حزب التيار الشعبي وقياديون منشقّون عن حزب الوطد الموحد على غرار المنجي الرحوي وعبد المجيد بلعيد.

قدّمت المبادرة نفسها كـ “إطار وطني شعبي كفاحي أفقي ومفتوح لعموم الشعب التونسي ولكل قواه المتنوعة المؤمنة بعمق مسار 17 ديسمبر-25 جويلية والقاطعة كليا مع منظومة ما قبل 2010 وما قبل 2021 لإنجاز التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي العميق والمضي في بناء الجمهورية الجديدة ودعم وتوحيد وتقريب كل مناضلات ومناضلي هذا الخط الوطني السيادي”. ولكنها فشلت إلى حد الآن في التحوّل إلى مشروع سياسي واضح المعالم، كما أنّها عجزت عن التحول إلى قوة انتخابية وازنة رغم حالة الفراغ السياسي الذي خلّفته المنظومة الانتخابية الجديدة. إضافة إلى هذا لم تُفلح في توحيد الحلقات والتيارات اليسارية والعروبية المساندة للرئيس سعيد، فقد ظل البعض منها ينأى بنفسه عن المبادرة على غرار مجموعة “الشعب يؤسس” التي تضم نوّابا مقرّبين من مشروع الرئيس سعيّد على غرار فوزي الدعاس وبسمة الهمامي. وقد فضّل نواب “الشعب يؤسس” عدم الانتماء للكتل النيابية داخل البرلمان، وهو ما يُمثّل توجّها آخر داخل النواة الأولى لمشروع الرئيس سعيّد تقُوده النّاشطة السياسية سنية الشربطي.

حركة الشعب: برلمان 2019 أكثر سَخاءً من برلمان 2023 

في 07 فيفري 2023 أعلَنَت حركة الشعب في مؤتمر صحفي فوزها بـ 31 مقعد في البرلمان الجديد، مُرجّحة أن يبلغ عدد نوابها الـ45 بفضل مشاورات جديدة مع نواب مستقلين. وطيلة الفترة التي سبِقت بداية أشغال البرلمان الجديد سعت حركة الشعب إلى الإيهام بصِدقية هذه المعطيات، ولكن بمجرّد افتتاح الدورة البرلمانية الأولى في 13 مارس 2023 لم يتحصّل مرشّح حركة الشعب لرئاسة البرلمان، بدر الدين القمودي، سوى على 21 صوت. ومع اقتراب انتهاء آجال تقديم مطالب الكتل النيابية يوم 10 ماي الجاري، اتّضَح أن حركة الشعب لديها 11 نائب فقط في البرلمان الجديد، وهي حصيلة مُنخفضة مقارنة ببرلمان 2019 الذي فازت فيه حركة الشعب بـ15 مقعد.

هذه الحصيلة النيابية الضعيفة التي لا تسمح لحركة الشعب بتكوين كتلة نيابية (حدّدها النظام الداخلي الجديد للمجلس بـ 15 نائب على أقل تقدير) اضطرتها إلى الانصهار مع نوّاب آخرين، من ضمنهم نائبين عن حزب الوطد الموحد -شق المنجي الرحوي، ونائبين آخرين مستقلين، لتعلن بذلك عن تشكيل كتلة ائتلافية ب ـ15 نائب تَحمِل اسم “كتلة الخط الوطني السيادي”. ورغم أن حركة الشعب تملك الحصة النيابية الأكبر داخل هذه الكتلة، إلاّ أن رئاستها آلت إلى يوسف طرشون، قيادي في الوطَد- شقّ المنجي الرحوي. وهو ما يُفهم منه أن حركة الشعب تَنازَلت عن رئاسة الكتلة لتيار الوطد مقابل ضمان انضمامهم للكتلة، لأنها كانت عاجزة لوحدها عن تشكيل كتلة نيابية مُستقلة.

تُعتبر حركة الشعب ذات التوجه العروبي الناصري، من أكثر الأحزاب السياسية المساندة للرئيس قيس سعيد، حتى قبل تنفيذ انقلابه الدستوري في 25 جويلية 2021. وقد حافظت على دعمها لما تُطلق عليه بـ “مسار 25 جويلية” رغم الانتقادات المحتشمة التي توجّهها في بعض الأحيان لرئيس الجمهورية. وقد سَعَت حركة الشعب -كغيرها من الحلقات اليسارية والعروبية المساندة للرئيس- إلى احتواء الزخم الشعبوي الذي خلّفته الإجراءات الاستثنائية للرئيس سعيد، ولكنها فشلت في بلوغ هذا الهدف بفعل الآثار السلبية التي تركتها المنظومة الانتخابية الجديدة على الأحزاب السياسية والاجتماع السياسي بشكل عام. وتعتبر حركة الشعب نفسها إحدى أبرز الضحايا لنظام الاقتراع على الأفراد، رغم إصرارها على انتهاج خط الموالاة للرئيس سعيّد.

حراك 25 جويلية: من 80 مقعدا إلى الاضمحلال الكلّي

 بداية فيفري 2023 أعلن المتحدث الرسمي باسم حراك 25 جويلية، محمود بن مبروك، أن الحراك فاز بأكثر من 80 مقعدا في البرلمان الجديد، واعدًا بنشر أسماء النواب الفائزين بعد استيفاء الطعون القانونية. ولكن بعدها بمدة لا تتجاوز الشهرين عَادَ المتحدث الرسمي ذاته ليعلن الانفصال عن “حراك 25 جويلية”، وتأسيس تيار جديد أطلِق عليه “مسار 25 جويلية”. وعند الإعلان الرسمي عن تشكيل الكتل يوم أمس الخميس اتّضح أن “حراك 25 جويلية” ليست لديه كتلة برلمانية داخل البرلمان الجديد.

يُشكّل “حراك 25 جويلية” ملمحًا عن حالة التوظيف السياسوي الذي أطلقته مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021. ذلك أن الإيهام بكتلة نيابية غير موجودة في الواقع من قبل حركة سياسية تحظى بحضور إعلامي لا بأس به ولديها تأثير في مواقع التواصل الاجتماعي، كان الهدف منه البحث عن مواقع تأثير داخل شبكة المصالح الجديدة التي بدأت تُنسَجُ خيوطها في المرحلة الجديدة. ويُعتبر “حراك 25 جويلية” امتدادا لحزب “حركة شباب تونس الوطني” الذي تحصّل على التأشيرة القانونية سنة 2019 ويترأّسه ثامر بديدة، الأمني المعزول المقيم خارج تونس، والذي يصرّ دائما على التصريح بأن حزبه كان له الفضل في صعود قيس سعيد إلى رئاسة الجمهورية.

ولا يشكّل “حراك 25 جويلية” استثناءً في إعلان كتلة نيابية وهمية، فقد سبق وأن أعلن عبيد البريكي، الأمين العام لحركة تونس إلى الأمام (حركة منشقة عن الوطد الموحد) أن أنصار حركته تحصلّوا على 06 مقاعد في البرلمان الجديد، ولكن اتضح في فترة لاحقة أن هذا الخبر ليس له ما يُثبته داخل التركيبة الجديدة للبرلمان.


[1]  الكتل النيابية هي: كتلة صوت الجمهورية (25 نائب) كتلة الخط الوطني السيادي (15 نائب) كتلة لينتصر الشعب (15 نائب)، الكتلة الوطنية المستقلة (21 نائب) كتلة الأحرار (19 نائب) كتلة الأمانة والعمل (20 نائب). في الأثناء بقي 39 نائبا مستقلين عن الكتل. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، أحزاب سياسية ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية