بحثًا عن العام في لبنان بين الأرض وملكيّتها (2): “إنجازات” الفرنسيين، أساسات هشّة


2024-01-27    |   

بحثًا عن العام في لبنان بين الأرض وملكيّتها (2): “إنجازات” الفرنسيين، أساسات هشّة

بعد عرض أسس قانون الأراضي العثماني في الجزء الأول من هذه السلسلة[1]، نستكمل في هذا الجزء تفصيل الإطار القانوني لملكية الأراضي في لبنان من خلال عرض ثلاثة قوانين نافذة حاليّاً لكن يعود تاريخ إصدارها لمرحلة الانتداب الفرنسي. وفي هذا السياق، سنعرض أهمّ التغييرات في القانون وتأثيرات ذلك على إدارة الأرض والملك العام بين عاميْ 1858 و1930.

وكنّا استنتجنا من نصّ القانون العثماني وجود إطار وافٍ للمجال العامّ[2] بما فيه من مجال مكاني (اختصاراً “مجال”) وأفعال وتدابير إدارية. وكان هذا القانون أولى أهمية خاصّة لأراضي الدولة ونظّمها من خلال حقوق التصرّف. وكانت قدرة الناس للوصول إليها مشروطة باستخدامها وليس بملكيتها حيث حدّت الدولة جميع أنواع الملكيّات مشتركة كانت أم فرديّة. وكانت الأراضي العامّة مقسّمة إلى فئات حسب استعمالاتها، بين أمكنة ذات طابع عامّ، أو معدّة لاستخدام مشترك ومحلّي، أو ربحي كالسوق. حتى الأراضي المهملة (الأراضي الموات) كانت أنواعاً. كما تطرّقنا في مقالنا السابق بشكل موجز إلى نظام الإدارة والضرائب المرتبط بهيكلية المجتمع والعلاقات ضمنه، وإلى دور الوسطاء في الجباية وأهمية الزراعة وإلزاميّتها.

وسوف نعرض هنا مقاربة الفرنسيين لإدارة الأراضي، وكيفية تفسيرهم للقانون العثماني والتعريفات المختلفة التي وضعوها ضمن قوانين الملكية الثلاثة الأساسية، لنربطها في جزء لاحق بقانون التحديد والتحرير وعلاقة هذه التفسيرات المغلوطة بمسح وتسجيل الأراضي اليوم. ومن أبرز التبدّلات التي سنتطرّق إليها هي تحوّل الأرض إلى ملكيات عقارية: الأرض أصبحت مختصرة بالملكيات، وحتى أرض الدولة أصبحت “عقارات” عامّة. بالإضافة إلى ذلك، سنعرض محاولات عقلنة وتبسيط فئات الأراضي العثمانية التي أدّت إلى الإبقاء على هذه الفئات كتسميات مع تسطيحها وتجريدها من معناها الأول المربوط بالحيازة والاستخدام. وعليه، تكون الإدارة الفرنسية قد أبقتْ على تعابير عثمانية بعدما جرّدتها من بعدها القانوني وعدّلت وأضافت على القانون بطريقة تتناقض مع جوهره على نحو جعله مشوّهاً. لذلك، من الأصلح القول اليوم أنه لدينا قانون أراضٍ (أصبح اسمه قانون الملكية العقارية) مشوّه وليس فقط قديماً ومنتهي الصلاحية. فضلا عن ذلك، ساهمت كيفية تطبيق هذا القانون ومسح وتسجيل الأراضي لاحقاً بتثبيت حقوق الأقوى على الأرض رغم مساعي الفرنسيّين المزعومة بتوزيع الملكيات الزراعية الصغيرة على المزارعين. وبذلك، كما يفيدنا تيموثي ميتشل[3]، تكون مسألة إدارة الأرض قد ابتعدت عن المطالبات بأحقّية استخدام الناس للأراضي التي يعيشون عليها ويعتاشون منها أو حتى يحكمونها، لتحوّلها إلى “حق” (حق بالملكية) يمكن ممارسته بشكل مطلق من قبل شخص ليس له علاقة بالمكان ودون حدود في الزمان.

مقاربة الفرنسيين للأرض وإدارتها

مع بدء الانتداب الفرنسي، أصدرت المفوضية السامية تقارير عدّة حول وضع المنطقة الاقتصادي والاجتماعي، كانت قد كلّفت خبراء اقتصاديين ومهندسين وحقوقيين إعدادها. يُضاف إليها تلك التي نُشرت تباعاً من قِبل إدارات الانتداب كدائرتيْ الأراضي والمساحة كما وزارة الخارجية الفرنسية. يطغى على هذه التقارير نبرة أخلاقية يشدّد من خلالها مؤلفوها على وجوب تطوير سوريا ولبنان اقتصادياً لتصبحَ قادرة على حكم ذاتها بذاتها، ممّا يحتّم عدم حرق المراحل قبل الحديث عن الاستقلال[4].

بالإضافة إلى أولويات أخرى، تضمّنت هذه التقارير تشخيصاً لوضع إدارة الأراضي وصفته بالفوضوي وغير المتطوّر. كما حدّدت الأسس والمبادئ التي سوف تُعتمد لصياغة القوانين والإصلاحات الإدارية (لتنظيم الدفترخانة) وتطبيقاتها التقنية (المسح العقاري)[5]. اعتبر الفرنسيون أن قانون الأراضي (العثماني) غير واضح، ممّا يسمح لنا بالتساؤل إن كانوا قد أدركوا فعلا معانيه، خاصّةً على ضوء استنتاجهم الخاطئ أن أراضي الدولة ليست منظّمة بأيّ قانون، بالرغم من أنها تغطّي معظم المجال الجغرافيّ لسوريا ولبنان[6]. كما استنتجوا أن نظام الملكية العثماني لا يساهم في توطيد علاقة المزارع بأرضه ورفع إنتاجيّتها، علماً أن العديد من المزارعين قد توقّفوا عن زراعة الأرض الأميرية حين استشعروا أن حقّ التصرّف لن يُسلب منهم بحكم وقف تطبيق القانون العثماني خلال الحرب العالمية.

كان تمكين المزارع من الحصول على قرض واستخدام أرضه كتأمين له من أبرز اهتمامات الفرنسيين. وعليه، صدر باكراً عام 1922 مرسوم 1329 الذي نظّم التأمينات العقارية مع أسباب موجبة تستحقّ القراءة[7]. اتّسم القانون بالحالة الطارئة ووُضع على أساس أن يكون مؤقتاً ليؤمّن “توازن النظام العقاري” ريثما تنظّم الإدارات اللازمة. أمّا اقتراحات تحسين الزراعة ونظام إدارة الأراضي فقد أتت كالتالي: تسهيل تبادل الأراضي وبالتالي ضرورة تسجيلها، منع الملكيات المشتركة، فرز الملكيات الكبيرة (العامة إجمالاً) إلى ملكيات زراعية صغيرة، إحياء كل الأراضي الموات، تسهيل إعطاء القروض، وجذب الرأسمال الأجنبي. لذلك، كان من الضروري الإسراع بتأسيس دوائر عقارية ومساحة لمسح وتسجيل جميع الأراضي و”تأمين” الملكية. بقيت هذه المقاربة سائدة بحيث شكّلت أساسات تفكير المسّاحين اللبنانيين الذين أداروا أمانات السجل العقاري لاحقاً [8] وأكملوا بعض عمليات المسح وأسسوا المعاهد في لبنان لتدريس هذه المهنة. 

إذن نرى نيّة في إرساء تعديلات قانونية وإدارية سريعة وجذرية تحت شعارات التحديث والتطوير الاقتصادي. لكن، يصف ألبيرت حوراني عام 1946[9]، أي مباشرةً بعد جلاء الفرنسيّين، أنّ هناك أراضي شاسعة مملوكة من قبل بضعة أشخاص رغم خصخصة المشاعات، وأنه لم يحصل إفرازات للملكيات الكبيرة لإنشاء ملكيات زراعية للفلاحين ليصبحوا مستقلين. بقي هؤلاء مديونين وخاضعين لرهون دائنيهم مع غياب التعاونيات والتسهيلات الائتمانية والضرائب المناسبة. بالمقابل، تمّت قوننة وتثبيت الملكيات الكبيرة وتعزيز سلطة أصحابها – الذين أصبحوا إذّاك مالكيها.

إذاً، لم تتحقّق الأهداف المعلنة من الإصلاحات. التحدّي الأول بالنسبة إلى الفرنسيين تمثل في ضرورة تأمين الموارد لتمويل انتدابهم. ورغم أنّ تسريع إقرار المرسوم 1329 عام 1922 هدف لجذب الأموال[10] مع نية توسيع نطاق نظام التأمينات ليشمل تمويل مشاريع البنى التحتية للمؤسسات العامة، أدّى عدم استقرار الفرنك الفرنسي بين عامي 1924 و1926 إلى توقف الائتمان العقاري عام 1928. لكن، من البيّن أن هذا العامل يبقى قاصرًا عن تفسير عدم تحقيق الأهداف المُعلنة عملا بالمثل الشعبي “العين بصيرة واليد قصيرة”، بل أن هذا الأمر ربّما يجد ما يفسّره في رغبة الانتداب عدم خلق أي معارضين للسلطة. بمعنى إن بصيرة العين هذه ذات الطابع المعرفي أو الأيديولوجي اقترنت بأهداف سياسية تضمن للفرنسيين تعاون الوجهاء معهم بمواجهة الزعماء القوميين[11]، مع مراعاة الأوضاع الطائفية وتعزيزها إذا دعت الحاجة. وعليه، لم يهدف قرار تقسيم المشاعات على أصحاب الحقوق الذي صدر عام 1926 إلى إنشاء ملكية زراعية صغيرة كما تمّ التسويق له، بل إلى تعزيز سلطة الوجهاء المقرّبين من الانتداب الذين استولوا على هذه الأراضي وسجّلوها باسمهم.

بالمقابل، حافظت تقارير الدوائر العقارية ومدير المساحة كميل دورافور على لغة تقنيّة تصف تطوّر العمل والتحدّيات. الاطلاع على هذه المصادر فقط أو على نصوص القوانين نفسها لفهم التحوّلات المرتبطة بالأرض لا يُظهر علاقات السلطة والصراعات. لذلك كان من الضروريّ توسيع البحث للإحاطة بالموضوع، ولو بإيجاز هنا. من دون القيام بذلك، يكون الاستنتاج السهل أن مساعي الانتداب كانت طموحات ذات طابع أيديولوجي تحديثي فشلت لضيق الوقت وقلة الموارد. لكن الموضوع ليس بهذه البساطة، فالانتداب سعى لتعزيز المصالح الفرنسية في المنطقة من خلال جعلها أسواقا جديدة له. بمعنى أنّ الأهداف الاقتصادية والسياسية من الانتداب تعارضت مع منطق الإصلاح الذي اتخذه شعاراً ومع بناء أي أطر مؤسسية لدولة في لبنان، الأمر الذي يفسّر المقاربة المجزّأة للتعديلات رغم الإعلان عن ضرورة إحداث تغييرات جذرية. وهذا ما قادنا إلى تحليل الإطار المؤسسي لإدارة الأرض والملكية الذي ما زلنا نعتمده منذ الثلاثينات من هذا المنظار.

القوانين الثلاثة الأساسية لتحديد “ملكية” الأراضي

فصّل الفرنسيون قانون الأراضي إلى ثلاثة قوانين مختلفة: قانون الأملاك العامة، قانون أملاك الدولة، وقانون الملكية العقارية.

صدر قانون “الأملاك العمومية” عام 1925 بقرار المفوض السامي رقم 144. ونختصر منه ما تضمن كأملاك عامة التالي: “شاطئ البحر والغدران والبحيرات ومجاري المياه من أي نوع كانت وضفافها، الشلالات الصالحة لتوليد قوة محركة، أقنية الملاحة والري، السدود، الخطوط التلغرافية والتلفونية وتوابعها، إنشاءات التحصين والمراكز الحربية أو المراكز العسكرية، الطرقات والشوارع والممرات والخطوط والسكك الحديدية والترامواي وتوابعها، المرافئ والخلجان، والإنشاءات المشيدة للمنفعة العمومية ولاستخدام القوى المائية ونقل القوة الكهربائية”. كما يفصّل القانون كيفية تحديدها وإشغالها دون أن تباع أو تكتسب ملكيتها بمرور الزمن. لكن، يمكن إسقاط الملك العام إلى ملك دولة خاص وعندها يسجل كملك في السجل العقاري ويصبح تبادله ممكناً. نفهم من هذا القانون أن ما كان يسمّى “أراضي متروكة لعموم أهالي الناس” كما عرضنا في الجزء السابق هو ضمن هذه الأملاك، لكن القانون 144 لا يقولها صراحةً إنّما ترد في قانون الملكية العقارية الذي أتى لاحقاً.

أمّا قانون “إدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية غير المنقولة” (قرار المفوض السامي 275) فقد صدر عام 1926 وسرد أملاك الدولة الخاصة كالتالي:

  1.   “الأراضي الأميرية (التي تكون رقبة الملك فيها عائدة للدولة).”
  2.   “الأراضي المتروكة التي تدعى مرفقة (الاراضي الموضوعة تحت تصرف جماعات).”
  3. “العقارات المسجلة حتى هذا النهار في سجلات المحلولات (الأملاك الشاغرة وبدون صاحب او التي لا وريث لها).”
  4. “الأملاك المقيدة باسم الخزينة في سجلات الإدارات العمومية.”
  5.   “الأملاك المدورة (الأملاك المحجوزة من قبل الخزينة).”
  6. “الأملاك المقيدة في سجلات دائرة أملاك الدولة.”
  7. “العقارات التي ثبت أنها للدولة بعد إجراء عمليات التعريف والتحديد […]”
  8.   “الأملاك التي تشتريها الدولة ولا تكون داخلة في الأملاك العمومية.”
  9. “القطع المتروكة من الأملاك العمومية.”
  10.   “العقارات المتأتية من تركات شاغرة ومن تركات لا وريث لها والأملاك المتأتية عن إهمال زراعتها والتي يتحقق قانونيا شغورها أو عدم وجود وريث لها”.
  11. “الأراضي الخالية والأحراج والغابات والجبال غير المزروعة وبالجملة جميع الأملاك غير المنقولة التي تشملها في قانون الأراضي لفظة “الأراضي الموات” بشرط الاحتفاظ بالحقوق العينية أو حقوق الاستعمال التي اكتسبها الأفراد وفقا للشرائع والقوانين النافذة.”

لن ندخل في تفاصيل كل فئة على حدة، لكن يجدر الذكر أن هذه الأملاك تشتمل على المرفأ والمطار ومجمل المرافق العامة. كما إن الأراضي المكتسبة من البحر تكون جزءًا منها. وكان المفروض أن تحدد وتحرر هذه الأراضي في كل المناطق حتى قبل توسيع عمليات التحديد والتحرير الشاملة حسب المادة 6 من القانون، الأمر الذي لم يُتمّم حتى اليوم.

هكذا، أخضع هذا القانون أراضي الدولة أيضاً إلى منطق الملكية الخاصة فتحولت من مجال امبراطوري يشكّل قاعدة لاستخدام الأراضي إلى “أملاك خصوصية عائدة للدولة” يسهل بيعها وشراؤها وفرزها. أصبحت فئات استخدام الأراضي العثمانية أميري، متروك، موات، أنواع ملكيات ضمن غيرها، لم يعد يدلّ اسمها على شيء بحيث لم يعدْ نوع استخدامها محدّداً بالقانون كما كان. لماذا أبقى الفرنسيون على هذه الفئات وسجّلوها بهذه التعريفات رغم أن سبب التفريق بينها أساساً لم يعد له جدوى؟ يذكر كاردون أنه تم تفادي التعديلات الجذرية التي قد تُثقل الإدارات وتخلق توتّرات وفترات ريبة. لكن تسطيح القانون هكذا دون تجديده كلّياً لم يُزل عن الأرض الأبعاد المتعدّدة لمعنى الأميري والمتروك والموات؛ بل زاد تشويه معاني مصطلحات النص العثماني وأصبحت مستعملة خارج سياقها. وجود هذه التعابير على الصحيفة العقارية ما زال يحمل بعداً قانونياً ينتج عنه تأويلات وتفسيرات تراكمت حتى اليوم وغالباً ما تحدث التباسات ومشاكل.

ينطبق هذا الأمر أيضاً على القانون الثالث والأساسي الذي يرعى ويفصّل ملكية الأراضي وأنواعها، والذي صدر بعنوان “نظام الملكية العقارية والحقوق العينية غير المنقولة” رقم 3339 عام 1930 وما زال نافذاً. أتى النص النهائي نتيجة تعديلات متتالية للقانون العثماني. حسب النص، أنواع العقارات (وهنا قد أصبح اسمها عقارات بينما كانت أراضي) هي خمسة حافظتْ على التسميات العثمانية رغم عدّها “غير واضحة” من قبل اللجنة التي أنشئت لدراسة مشروع القانون.

  1.   العقارات الملك: “هي الكائنة في الأماكن المبنية الكائنة كما هي محدّدة إداريًّا، والقابلة للملكية المطلقة. ويستثنى منها العقارات القائمة على أراضي حكومة جبل لبنان السابقة المستعملة فإنها تبقى خاضعة لأحكام العرف والعوائد المحلية”.
  2. العقارات الأميرية: العقارات التي تكون “رقبتها” للدولة ويجوز أن يجري عليها حق “تصرف”. علما أن القانون وضع كلمتيْ رقبة وتصرّف بين مزدوجين.
  3. العقارات المتروكة المحمية: “هي العقارات التي تخصّ الدولة أو البلديات وتكون جزءًا من أملاك الدولة”.
  4. العقارات الخالية المباحة أو الأراضي الموات وهي “الأراضي الأميرية التي تخص الدولة إلا أنها غير معينة ولا محددة فيجوز لمن يشغلها أولًا أن يستحصل بإذن من الدولة على حق أفضلية ضمن الشروط المعينة في أنظمة أملاك الدولة”.
  5. العقارات المتروكة المرفقة: “العقارات التي تخص الدولة ويكون عليها لإحدى الجماعات حق استعمال مميزاته واتساعه معيّنان وفقا للعادات المحلية أو الأنظمة الإدارية “.

تعبير عقارات في هذه المواد هو ترجمة لكلمة immeuble المستخدمة بالنسخة الأصلية الفرنسية. كما أنّه لا يرد الوقف كنوع ملكية أو أرض أو عقار، بحيث أصبح مع الفرنسيين حقّاً عينيّاً على العقار الملك وليس “نوع عقار” بذاته. وتفصّل مواد القانون اللاحقة الحقوق العينية الأخرى الممكنة على العقار.

رسم يلخّص “أنواع العقارات” ضمن قانون 3339 مقارنةً بالفئات السابقة.

نلاحظ أن تعريفات أنواع العقارات غير واضحة ويُربط حقوق الاستعمال على بعض منها بالعوائد المحلية، الأمر الذي يعزّز المشاكل حتى اليوم خاصّةً في جبل لبنان. كما دمج القانون الأراضي الخالية والمباحة والموات ضمن فئة واحدة رغم أنّه كانت تجري عليها حقوق مختلفة وفق القانون العثماني. وعليه، نرى من خلال تبسيط الفئات أن الفرنسيين حاولوا قدر الإمكان ملاءمة الفئات العثمانية مع مقاربتهم للملكية ضمن ثلاث فئات واسعة: المجال العام (domaine public)، أملاك الدولة الخاصة (domaine de l’Etat)، والملك الخاص (domaine privé)، وصولا إلى بلورة الحقوق العينية على ما أصبح عقارات مسجّلة ومرقّمة. لكن مع كل ما تحمله الأرض من معانٍ سياسية وتشابك حقوق، لم يكن الأمر بالبساطة الظاهرة، إذ إنّ القوانين الناتجة عن عملية التبسيط هذه خرجتْ متداخلة وحتى متناقضة في بعض الأحيان.

سوف نركّز على بعض ما يتضمّنه هذا القانون تحديداً بما يتعلّق بأراضي الدولة حسب أنواعها. في هذا السياق، سنركّز على ثلاث نقاط تخص تباعاً الأراضي المتروكة المرفقة، الأميرية، والمشاع الذي ما زال خارج المعادلة كنوع ملكية حسب القانون.

أملاك الدولة والمشاع في قانون 3339\1930 وتعديلاته

المتروك المرفق:

من خلال تعديل جرى عام 1971 أصبحت العقارات المتروكة المرفقة تعتبر ملكًا خاصًّا للبلدية إذا كانت داخلة ضمن نطاقها. هذا التعديل أعطى المتروك المرفق صفة الملك الخاص وإن كانت معظم هذه العقارات ما تزال مسجلةً على الصحيفة العقارية كمتروك مرفق ل “ملك عموم أهالي” بلدة معيّنة، أو كمراعٍ وبيادر كما كان يتمّ استخدامها في أواخر العهد العثماني. ووفق التعديل، يكون للبلديات أن “تلغي او تعدّل حقّ الاستعمال عليها مع المحافظة على حقوق الغير” من دون مزيد من الشرح، بحيث يكتفى بربط إدارتها “بالعادات المحلية أو الأنظمة الإدارية” ممّا يجعلها عرضة أكثر للتأويل. من الممكن لهذه الحقوق أن تكون مسجّلة على الصحيفة العقارية إذا كان العقار ممسوحاً، أو ما زالت متعارفًا عليها محلّياً “منذ القديم”، عبارة يستخدمها المسنّون والمخاتير. كما تمّ حصر حقّ استعمال بعض هذه الأراضي في بعض الحالات، بموجب بيانات مسجلة على الصحف العقارية، في مالكي حارة أو بلدة معينة وليس عموم الأهالي. بذلك، تمّ ربط حق الانتفاع من الملك العام بوجوب تملّك أرض أخرى في البلدة. وسيكون للبحث تتمّة على موضوع المسح والتسجيل، خاصة مع تفاعلاته اليوم.

تمّ تعديل المادة مجدّداً في قانون الموازنة عام 2000 لمنع البلديات من أن تبيع أو أن تتصرف بالأملاك المتروكة المرفقة إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء وبناءً على اقتراح وزير المالية ووزير الشؤون البلدية والقروية حينها. وقد أتى ذلك عقب محاولة سلب أرض شاسعة للدولة من قِبل أحد المتنفّذين في البقاع، بحسب أحد الموظّفين السابقين في الدوائر المختصة.

الأميري والمشاع:

رغم انتقاداتهم لتخلّف نظام الأرض الزراعية، أبقى الفرنسيون على الأراضي الأميرية وإمكانية إحيائها واكتساب حقوق تصرّف عليها من خلال حراثتها. كما أصبحت مدة عدم الحراثة المسموحة قبل سقوط حق التصرف خمس سنوات عوضاً عن ثلاث. لكن، ضمن قانون 275 المذكور آنفاً، وردتْ مادّة تفرض تقسيم أراضي أملاك الدولة الزراعية، أي الأراضي الأميرية حينها، إلى حصص مع الوعد ببيعها للمزارعين، خاصّةً إذا كانوا يمارسون عملهم على أراضٍ “مشاع”. هذه المادة مع قرار تقسيم المشاعات وتجزئتها وفرزها على مستخدميها حسب حصصهم من السنة ذاتها مهّدا لخصخصة استفاد منها “الوجهاء”، ولو أنّها لم تكتمل. فالأراضي الأميرية ذات المساحات الكبيرة ما زالت موجودة يتم التعامل معها اليوم كما الملك الخاص، وما زالت المشاعات موجودة وموضع تجاذب.

لكن، كما رأينا، لا يرد المشاع كنوع ملكيّة عقاريّة ولا كملك عامّ في القوانين الفرنسية كما أنّه لم يكن له بعد قانونيّ أيام العثمانيين رغم أنه تعبير سائد جدّاً في لبنان والمنطقة للدلالة على العامّ. لا يذكر الفرنسيون المشاع في قوانينهم سوى لمنعه وتقسيمه ووصف تأثيره السلبي على الإنتاجية الزراعية. يعتبر بعض القانونيين اللبنانيين أنّ المشاع هو فقط تسمية للمتروك المرفق في جبل لبنان حيث كان هناك تطبيق مختلف لقانون الأراضي أيّام المتصرّفية[12]. لكن هناك أراضٍ تسمّى مشاعات خارج جبل لبنان وتُدوّن كذلك في وصف العقار على الصحيفة العقارية، وهي التي قصد الفرنسيون تقسيمها[13]. التفسير الأنسب حسب دراسة حالات متعدّدة هو أن المشاع يأخذ تعريفات مختلفة حسب استعمال الأرض فهو يمكن أن يكون على أراضي مسجّلة أميرية أو ملك أو متروكة مرفقة. إذًا، المشاع على أرض أميرية هو أرض مزروعة شراكةً ودورياً بما أن الأرض الأميرية كانت حكماً زراعية، ولا يعدّل ذلك في ملكيتها، رقبتها تبقى للدولة. أمّا المشاع على المتروك المرفق هو المراعي والبيادر، وأحياناً المقابر أو الغابات؛ رقبتها أيضاً تكون للدولة.

صدور قانون الملكية عام 1930 بإخراج فرنسي على أساس عثماني يفسر غياب لفظة مشاع من القوانين بحيث اعتبروا أنهم قد ألغوا المشاعات. لكن استخدام الكلمة اليوم للدلالة على نوع ملكية يزيد الطين بلة حيث تداخَل استخدام الأرض مع نوع الملكية في تحديد الحقوق عليها بطريقة هجينة، من دون أن تطغى مقاربة منهما على الأخرى؛ بينما المشاع هو فقط شكل من أشكال الحيازة الجماعية وليس نوع ملكية.

عند السؤال اليوم عن قرار إلغاء المشاعات العائد لعام 1926، نستنتج أن أبرز أمناء السجل العقاري والمحامين العاملين في مجال العقارات والمسّاحين لم يسمعوا به. عدم اكتمال مهمة الفرنسيين بتسجيل كل الأراضي أدّى إلى بقاء أراضٍ مشاع حكمًا في المناطق من دون إطار قانوني واضح لها ولا يتلاءم بسهولة مع منطق الملكية العقارية. تمّ إدخال كلمة مشاع إلى قانون الملكية العقارية في المادة 255 بعد تعديل جرى عام 2004، وذلك لإضافتها إلى قائمة الأملاك التي لا يسري عليها مرور الزمن ولا تكتسب ملكيتها بوضع اليد. كانت هذه اللائحة مختصرة تشمل العقارات المتروكة والمحمية والمرفقة والحقوق المقيدة في السجل العقاري[14] أو العقارات “التي هي تحت إدارة أملاك الدولة”. ربّما أدّى قرار عام 1926 إلى إلغاء كلمة المشاع من النصوص القانونية في بادئ الأمر، لكنها بقيت تُدوّن في السجلات العقارية كما ظلّت في متخيّل وممارسات الناس. وما إضافتها مجدّداً على نص القانون عام 2004 غير دليل على ذلك، رغم أنه زاد درجة أخرى من التعقيد والتناقض في تفسير القانون، الأمر الذي يتجلّى عند عمليّات المسح.

رسم توضيحي لما تحتويه الأملاك العامة وأملاك الدولة في قانون اليوم بعد تهجين قانون الأراضي العثماني.

خلاصات

فصّلنا في هذا المقال تفريغ الفرنسيين لفئات الأراضي العثمانية من أبعادها الاجتماعية المرتبطة باستخدام الأرض. حافظوا شكلاً على ما هو مرتبط بالعادات المحلّية وحاولوا إضفاء طابع حديث للقانون وركّزوا كثيراً على مسح الأراضي وتسجيلها. شهدنا بذلك على نشوء الملكيات العقارية، خاصة كانت أم عامة، وتثبيت وتكريس قانوني لعمليات الخصخصة التي كانت قد بدأت منذ أواخر العهد العثماني.

المسح كان وسيلة مهمّة لتثبيت ما اعتبره الفرنسيون الهمّ والإنجاز الأساسيين وهو الائتمان العقاري للفلاحين وضرورة تسجيل الأراضي باسمهم لكي يتكمنوا من استخدامها كملكية “أكيدة وآمنة” وتخمين قيمتها مقابل الدَّين. لكن ماذا لو لم يوفِ المزارع قرضه؟ هل يستولي عليها الدائن؟ وفي هذه الحال، ماذا ينفعه التسجيل العقاري كملكية خاصة غير تسهيل نزعها منه لاحقاً؟ بالتالي هناك تناقض جوهري بين الهدفين المعلنين لفرز الأراضي الزراعية للدولة: تثبيت علاقة المزارع بالأرض، وتمكينه من خلال القروض.

في جميع الأحوال، قانون الأراضي أصبح قانون ملكية عقارية، وإدارة الأراضي تحوّلت إلى إدارة حقوق عينية عقارية وتبادل عقاري مسهّل مع المحافظة على “الطابع المحلّي”[15] للقانون. لكن دوزنة التحرير الاقتصادي والتحديث مع مراعاة المصالح المحليّة بأقل كلفة أدّى إلى قوانين هجينة. كما أن تحديد وتحرير أراضي الدولة لم ينته وحجم الملكيات لم يتبدّل جذرياً. هذا التهجين أدّى إلى وجود تشكّلات عديدة لما يسمّى مجال عام ويتجلّى اليوم في إشكالات عمليات مسح الأراضي، والتي اقترنت بتفسيرات مختلفة للقانون مع كل جيل مسّاحين ومشرّعين ومحامين. وهذا هو موضوع الجزء القادم.


[1] هذا المقال هو واحد من سلسلة بعدّة أجزاء، تحمل عنوان “بحثاً عن العام”، محاولة لفهم التطور التاريخي، القانوني، الاجتماعي والسياسي للمجال العام في لبنان. إنّ التحاليل والنتائج الواردة في هذه السلسلة مبنية على بحث لأطروحة الدكتوراه التي أعدّها منذ 2020 في معهد باريس للعلوم السياسية Sciences Po

[2] كانت المراجع قد أطلعتنا سابقاً على خلاف ذلك كما كنّا قد نشرنا في مقال عام 2020، وذلك قبل الاطلاع على نص القانون العثماني

[3] Mitchell, T. (2002). Rule of Experts Egypt, Techno-Politics, Modernity. University of California Press.

[4] Cardon, L. (1932). Le régime de la propriété foncière en Syrie et au Liban. Université de Paris – Faculté de droit et des sciences économiques.

[5] Gennardi, P. (1921). Rapport général sur les études foncières effectuées en Syrie et au Liban. Les Services Fonciers.

[6] Cardon, L. (1932). Le régime de la propriété foncière en Syrie et au Liban. Université de Paris – Faculté de droit et des sciences économiques.

[7] “ولما كان من الضروري تأمين احياء واستثمار ثروة سوريا ولبنان الطبيعية واذكاء المبادلات التجارية في داخل البلاد وخارجها (…) ولما كانت الاراضي آمن ما يرتكز عليه الاعتماد وكانت وحدها في سوريا ولبنان رأس مال ثابت واحسن دعامة للاعتماد (…) ولما كان السواد الاعظم من التجار السوريين واللبنانيين يحولون اموالهم الى اموال غير منقولة مما يدل على ضرورة تنشيط الاعتماد العقاري، ولما كان توسيع الاعتماد العقاري نتيجة ما يكون عليه نظام التأمينات من المرونة والسهولة (…) ولما كان القانون العثماني السابق ذكره وهو المعني هنا بنوع خاص من شأنه ايجاد عقبات في سبيل تقدم الاعتماد العقاري سواء كان في المدن ام في القرى لضيق نطاق احكامه وغموضها (…) ولما كانت الازمة الاقتصادية السائدة في الوقت الحاضر في سوريا ولبنان توجب اتخاذ تدابير سريعة، ولما كان تنظيم المعاملات التأمينية تنظيما نهائيا يترتب على اصلاح الحالة العقارية الامر الذي يقتضي انجازه الانتهاء من تنظيم وترتيب الحالة الحاضرة، ولما كان من المستطاع قبل انجاز الاصلاحات المذكورة تدارك خلل نظام التأمينات بعض التدارك ومتابعة تنظيمها وفقا لأصول القوانين العثمانية الحاضرة.”

[8] Kilzi, J. (1995). Le cadastre et les services fonciers au Liban. Beyrouth.

[9] Hourani, A. H. (1946). Syria and Lebanon. A Political Essay. Oxford University Press.

[10] Ministères des Affaires Étrangères. (1923). Rapport Sur La Situation De La Syrie Et Du Liban (Juillet 1922-Juillet 1923). Paris.

[11] ضاهر، م. (1984). تاريخ لبنان الإجتماعي 1914—1926. دار الفارابي.

[12] عيد، أ.، وعيد، ك. (2012). الحقوق العينية العقارية الأصلية—المجلّد الثاني. صادر.

[13] لقد ميّزوا عنها مشاعات جبل لبنان التي أسموها أراضي مشتركة) terrains communaux وليس  propriétés indivisكما المشاعات الأخرى(، ونظّموها بقرارات أخرى على كونها غابات

[14] أيّ أراضي عامة أو خاصة ممسوحة ومسجلة في السجل العقاري

[15] Cardon, L. (1932). Le régime de la propriété foncière en Syrie et au Liban. Université de Paris – Faculté de droit et des sciences économiques.

انشر المقال

متوفر من خلال:

سياسات عامة ، مؤسسات عامة ، تشريعات وقوانين ، أملاك عامة ، ملكية خاصة ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية