بانتظار تشريع القنّب في وديان الهرمل


2023-07-06    |   

بانتظار تشريع القنّب في وديان الهرمل
غلاف الدراسة- تصميم علي نجدي

صدر قانون تشريع القنّب لغايات طبّية وصناعية في خضمّ خطاب وصل أحيانًا إلى اعتباره مدخلًا لحلّ الأزمة المالية في أيار 2020. ورغم الوعود الكثيرة التي علّقت على هذا القانون، امتنعت الحكومة منذ ذلك الحين عن اتّخاذ أيّ مفاعيل أو إجراءات عملية لوضعه موضع التنفيذ. لا بل تبيّن بعد صدوره أنّ كلّ ما ألصق بهذا القانون من مفاعيل اقتصادية لم يستند في الواقع إلى أيّ دراسة اقتصادية على عكس ما يروَّج له. كما تبيّن غياب أيّ بحث تجريبي في علم الزراعة للقنّب الطبّي، من حيث ملاءمته للأرض والمناخ أو من ناحية إنتاجيّته. في ظلّ هذه المعطيات، سعت “المفكرة القانونية” بالتعاون مع الباحث الاقتصادي نزار حريري إلى إجراء دراسة استكشافية في منطقة الهرمل لفهم ظروف المزارعين في هذه المنطقة واستشراف الشروط المسبقة لأيّ تخطيط جدّي لتطوير هذا القطاع، ألا وهو التفكير الاستباقي في الشكل الاجتماعي الأكثر ملاءمة للمجتمعات المحلّية التي قد تحضن مستقبلًا تلك المنشآت الإنتاجية. ونحن ننشر هنا بعض مقتطفات من هذه الدراسة التي تنشر في ورقة بحثية على حدة، بالنظر إلى أهميتها (المحرر). 

ماذا تعني زراعة القنّب لمزارعي منطقة الهرمل؟  

يؤمّن معظم المزارعين في منطقة الهرمل سبل عيشهم بشكل شبه كامل من زراعة القنّب؛ إذ لا يُخصّص للزراعات الأخرى، الموجّهة بشكل أساسي للاستهلاك الشخصي، إلّا جزء بسيط من الأراضي المستثمرة، وهي غالبًا ما تأخذ طابع الزراعة الاستكشافية أو التجريبية، لأنّها عرضة لمخاطر عديدة، كخسارة المحصول نتيجة موجات الثلج أو الصقيع، أو لنقص الجودة بسبب أمراض الزرع أو عدم ملاءمة العناصر المناخية، وما عداه. على الرغم من كلّ ذلك، يعمد المزارعون إلى تخصيص جزء من مجهودهم الإنتاجي لزراعات هامشية إلى جانب زراعة القنّب، وفي طليعتها البطاطا والتفّاح، ولكنّهم، في أحيان كثيرة، لا يحصّلون أيّ مردود مادّي من استثمارهم. لذا يخشى المزارع تكبُّدَ أعباء هائلة من استثمار في زراعات محفوفة بالمخاطر، بخاصّةٍ أنّها غالبًا ما تستهلك كثيرًا من الماء الذي يندر في بعض الجرود، ممّا يقلّص من قدرته على زراعة القنّب الذي يبقى مصدر الرزق الأساسي، إن لم يكن الوحيد.

يخبرنا أحد المزارعين مثلًا عن محاولته زراعة البطاطا خلال عام 2020، التي باءت بالفشل من جرّاء مرض الجحفيل وانعدام الشروط المناخية في تلك السنة في منطقة جباب الحمر.  

“تستهلك البطاطا الكثير من الماء، وتُتعِب الأرض، تأخذ الكثير من الغذاء من أرضنا. تخسر المحصول وتحتاج أيضًا إلى “ترييح” الأرض قبل إعادة زرعها. هذا كلّه خسارة علينا، ولكن ما يزال بعضنا يحاول. كلّ سنة يأتي من يزرع أو يضمن الأراضي لزراعة البطاطا”.

في جباب الحمر أيضًا، ثمّة من يزرع القمح، أو قُلْ من يشقى جاهدًا ويعاكس الطبيعة لزراعته. بين حقلَين ضخمَين من حقول القنّب الحاملة الأرزاق، حيث عشرات العاملين والعاملات المنهمكين بجمع الحصاد، حقلٌ مهجورٌ بانَتْ فيه سنابلُ قمح ميتة لن يأتيَ أحد لقطافها هذه السنة.

في منطقة السوَاح، استحدث أحد المزارعين مشاريع تجليل وريّ أرض شحيحة المياه، بهدف استصلاح مساحة 200 دونم، واستعان بخبرات مهندسين زراعيين لاختيار الزراعة المناسبة للتربة وطبيعة المناخ، مُستخدمًا الريّ الحديث بتقنيّة التنقيط. سعى صاحب المشروع إلى إدخال زراعات جديدة في المنطقة، وعلى رأسها زراعة العنب. فبعض العشائر في مناطق الشمال، منطقة بشرّي مثلًا، نجحت، وَفقَ تقديره، في قطفِ عنب ممتاز للأكل ولإنتاج مشروب العرق.

“قد ننجح نحن أيضًا. ففي بشرّي، استفاد المزارعون من وجود جمعيّات أهلية ساعدت ووجّهت، ونحن نحاول بأنفسنا. بالفعل، اشترط إطلاق هذا المشروع الزراعي حفر آبار مياه في تلال جرديّة قاحلة. قد يكلّف حفر البئر بحثًا عن الماء عشرات آلاف الدولارات، من غير أن تكون أكيدًا من النتيجة”.

إلّا أنّ عمق الآبار في منطقة السواح يتراوح بين 400 و500 متر، ممّا يحتّم على صاحب الأرض تكبُّدَ نفقات تشغيليّة باهظة لرفع الماء، بخاصة مع ارتفاع أسعار الوقود، ذلك أنّ ضغط الماء أضعف وساعات الجرّ أكثر، بالإضافة إلى تكلفة الحفر؛ في ظلّ هذا الواقع، يحتاج المزارع إلى سنوات من الربح لتحصيل نفقات الاستثمار. خلاصةً، يستثمر هذا المزارع أموالًا طائلة في مشروع قليل الربحية ومليء بالمخاطر، في غياب أيّ ضمانة لمجهوده الاستثماري إلّا ما خصّصه من أرضه لزراعة القنّب.

وهذا ما يتردّد على ألسنة العديد من المحاورين: “لسنا من اختار هذه الزراعة. الأرض هي التي تختار”، أو “طبيعة هذه المنطقة هي التي تحتّم هكذا خيارات. نحن نسعى دائمًا إلى زراعة إضافية، لكنّ الأرض تخالفنا”

زراعات بديلة أم زراعة آمنة للقنّب؟

يعكس وضع المزارعين الذين تحدّثنا عنهم سابقًا حال العديد من سكّان جرود الهرمل، الذين يرون في القنّب ما يراه أيّ فلاح في زراعته الفُضلى، بوصفها الرهان الأوّل لضمان الحدّ الأدنى من شروط الاستثمار والاستمرار، والقاعدة التي يتمّ على أساسها تنويع الزراعات ومصادر الدخل. وبشكل آخر، تُعَدّ زراعة القنّب شرطًا مسبقًا ليختبر المزارع تنويع زراعته البديلة، وهي الحدّ الضامن لوجود حقول تجريبية في زراعات مغايرة. 

بالإضافة إلى ذلك، تتمتّع الحشيشة بميزة سهولة التخزين من سنة إلى أخرى، فلا تحتاج إلى برّادات أو تكاليف إضافية لحفظها للموسم المقبل، ممّا يجعلها سلعة شديدة الأمان من ناحية اقتصادية، في أرضٍ لم تصل إليها لغاية اليوم شبكات كهرباء الدولة، ويتعذّر تخزين أيّ من الزراعات الأخرى.

خلاصة القول إنّ إقناع المزارعين بإمكانية التوقّف عن زراعة القنّب يتطلّب أن يُعرض عليهم ما هو أكثر من زراعات بديلة، أعني البديل النقدي، أو التعويض المادّي عن الدخل الذي تؤمّنه زراعة القنّب. في ظلّ الظروف القاسية التي يشقى فيها المزارع الجردي لتأمين قوته، تشكّل هذه الزراعة الضمانة لاستمراريّة الأسرة اقتصاديًّا، وبهذا يكون اعتماد زراعات بديلة منها، وإن كانت مربحة جدًّا، تحوّلًا من حالة دخل مؤكّد إلى حالة دخل غير مؤكّد.

بمعنى آخر، إنّ انتقال المزارع إلى اعتماد زراعة بديلة يفترض بدايةً ضمان دخله المؤمّن حاليًّا من زراعة القنّب، كأن يحصل مثلًا على نصف المقابل النقديّ لإنتاجه السنوي، فيتمكّن بالتالي من المغامرة بالنصف الآخر. ينبغي هنا الإشارة إلى أنّ كلّ المزارعين الذين قابلناهم أعربوا عن استعدادهم للتخلّي عن نصف مدخولهم بغية الانتقال إلى زراعة مشرّعة من الدولة. وهذا يعني أنّ طمأنينة النفس والانتقال إلى نمطٍ إنتاجي لا يخالف القوانين السائدة يبرّر في نظرهم التضحية بنصف أرباح الزراعة غير المرخّصة.

قد يجد هذا الواقع تفسيره في فشل السياسات السابقة التي سعت إلى إدخال الزراعة البديلة، كالكستناء والزعفران والفستق الحلبي، والتي لم تبلغ يومًا أهدافها المرجوّة. يعزو الباحثون هذا الفشل إلى غياب التخطيط وعجز الدولة عن فرض بدائل جدّية للقنّب، إلّا أنّنا نرى أنّ العامل الأساسي يكمن في وجود استحالة مبدئية لتلك الزراعات البديلة في ظلّ غياب ضمانات مسبقة على شكل تعويضات مادّية ونقدية للمُزارعين أنفسهم؛ إذ إنّ برامج الزراعات البديلة ترتكز على مبدأ إيجاد بديلٍ لزراعة مربحة ومضمونة المردودية، أي زراعات بديلة قد تكون ذات ربحية عالية إلّا أنّها غير مضمونة الإنتاج أو الربحية. 

لقد أثبتت البرامج التجريبية التي أطلقها د. حسان مخلوف أنّ زراعة الزعفران مثلًا ممكنة جدًّا في تلك المناطق الجردية. وخير دليلٍ على ذلك انتشار أزهار الزعفران البرّية في أماكن الجرد كلّها، والتي ما تزال حتّى اليوم شاهدًا على ذاك الماضي الذي تمّ فيه اختبار الزراعات البديلة، من دون تقديم أيّ ضمانات للمزارعين، كالقدرة على التصدير أو خلق الأسواق المحلّية لتصريف زراعتهم.

يؤكّد لنا هذا الأمر أيضًا خبيرٌ في ملفّات التعاونيات في المنطقة، بحيث يشير إلى مُزارع في منطقة القاع القريبة، استطاع أن يحصد مؤخّرًا 5 كلغ من الزعفران عالي الجودة. غير أنّه، بالرغم من بلوغ سعر الزعفران عشرة آلاف دولار أميركي للكيلوغرام الواحد في الأسواق العالمية، يعجز عن تسويق محصوله بنصف السعر، بالرغم من محاولته الاتّصال بتجّار في إيران وفي دول الخليج.

وفي غياب شروط تقديم البدائل النقدية للمزارعين اليوم، بسبب العجز المالي في موازنة الدولة، يصبح تشريعُ زراعةٍ آمنة للقنّب الشرطَ الوحيد الذي قد يتيح تأمين مداخيل آمنة للمزارعين، ممّا يسمح أيضًا بتطوير زراعات أخرى لتنويع الإنتاج.

خلاصة القول، تتطلّب الزراعات النوعية في معظم الأحيان مهارات وكفايات زراعية قد يفتقر إليها المزارعون المحلّيون نظرًا إلى غياب الاختصاص، ولأنّها تُعدّ أصلًا زراعات دخيلة على بيئة المنطقة. هذا ما يرويه لنا مثلًا مزارع عن تجربته مع زراعة حبّة البركة، هو نفسه يعتمد اليوم حصرًا على زراعة القنّب البعلي والتي تتطلّب منه الحدّ الأدنى من المجهود. فقد بادر مع زوجته إلى زراعة حبّة البركة بالتعاون مع برنامج وزارة الزراعة في بدايات القرن الحالي، مخصّصًا لها جزءًا من أراضيه. 

“لم نعرف كيف نهتمّ بها، ولكنّ الأرض كلّها بركة. حصدنا ولم نتمكّن من بيعها. تكمن المشكلة في أنّنا لا نعرف كيف نستعملها. شو بطبخ بحبّة البركة؟ أكلنا منها ولم نعلم ماذا نأكل”.

 يخبرنا مزارع آخر عن تجربته مع شجر الفستق الحلبي:

 “تتطلّب العناية بشجر الفستق الكثير؛ استقدموا معلّمين من سوريا. السوريون يبرعون في تلك الزراعة. ثمّ رحل المعلّمون السوريون مع انتهاء البرنامج. نحن لم نتعلّم شيئًا. المهندسون الزراعيون القادمون من بيروت استفادوا أيضًا. نحن لم نلمس أيّ إفادة”.

يشعر المزارعون، بشكل عام، أنّهم استخدموا أراضيهم كحقول تجارب لزراعة نوعية، لم يكن الهدف منها إنماء المنطقة بقدر ما كانت تهدف إلى دعم خطاب سياسيّ يُحاك بين بيروت ودمشق ولا يُعنى بشؤونهم. يشهد على ذلك غياب مشاريع جرّ المياه إلى جردهم أو قُلْ “تفشيلها”. يروي لنا أحدُ كبار المزارعين، يملك أرضًا زراعية تفوق مساحتها 500 دونم وقد تصل إلى 2000 دونم، تجربته مع مشاريع الريّ المُموّلة من الاتّحاد الأوروبّي: 

“بنوا الخزّانات ولم يأتِ الماء، ثمّ مدّوا الأنابيب وطلبوا وصلها بآبارنا، قالوا لكي يجرّبوا. وصلنا الماء، نحن، من آبارنا ومن أرضنا، جرّوا الماء وضخّوه في الأنابيب. التقطوا صورًا تذكارية كإثباتات للمجتمع الدولي وللمانحين. ذهبوا ولم نسمع بهم منذ ذلك الحين. لم يحفروا يومًا أيّ بئر بحثًا عن الماء. لم يهتمّوا يومًا بالبنى التحتية، بالأرض أو بباطن الأرض. يقتصر همّهم على ما يظهر للعيان: خزّانات، أنابيب، وماء يُضخّ في الأنابيب”.

إنتاج القنّب ومصادر تأمين الدخل للمزارعين

يبيع جميع المزارعين القنّب الأخضر من دون أيّ معالجة صناعية، ويعمل بعضهم أيضًا في المعجون أو الزهرة أو المُنتَج الاستهلاكي النهائي. 

تختلف إنتاجية الأرض وتأمين مصادر الدخل للمزارعين بحسب اختلاف طبيعة الأراضي المُستثمَرة وخصوبتها، وشروط الإنتاج والريّ. تُعَدّ الأراضي المنحدرة في التلال أقلّ خصوبة وإنتاجية، إلّا أنّها تتأقلم مع إنتاج القنّب البعلي المعروف بجودة أعلى من القنّب المرويّ بالماء في السهول. والزراعة البعلية من دون تكلفة تقريبًا، إلّا أنّ إنتاجها ضعيف بحيث يكون أقلّ بثلاثين مرّة تقريبًا من إنتاج الأرض المرويّة، لكنّه يُباع بأسعار باهظة مقارنة بالزراعات المرويّة، تبلغ أحيانًا ثلاثة أضعاف السعر المُعتمد للقنّب المروي.

يتعارف المزارعون على وحدات قياس تسهّل احتساب إنتاج المحاصيل المرويّة، ومقارنة إنتاجية الأراضي الزراعية. بشكل عامّ، يسمح كلّ دونم بإنتاج ما يقارب 256 كلغ من القنّب الأخضر، وهي الشتلات الخضراء التي يتمّ حصدها في شهر أيلول، وقد تُباع أحيانًا “بأرضها”. يقدَّر إذًا إنتاج كلّ دونم، كحدّ وسطي، بقنطار من القنّب الأخضر (256 كلغ)، وهي وحدة القياس الأولى. إلّا أنّ هذا التقدير هو أقرب إلى المعيار الوسطيّ. فبعض الأراضي الخصبة في السهل قد تحقّق أحيانًا لصاحبها إنتاجًا أعلى، كقنطار ونصف مثلًا، أو ما يقرب القنطارَين في أحيان أخرى.

في المقابل، في حال لم يعمد المزارع إلى بيع محصوله أخضر، فإنّه يحوّله حينها، صناعيًّا، ليصبح حشيشة الكيف الصالحة للاستخدام من خلال استخراج الزهرة وتحويلها إلى معجونة الحشيش، وهي تُقاس بالهُكّة أو الهُؤّة. يعطي كلّ قنطار من القنّب الأخضر هُؤّة واحدة من حشيش الكيف تقريبًا، وتُباع بأسعار تفوق سعر النبات الأخضر نظرًا إلى صغر حجمها وسهولة نقلها وكلفة تصنيعها. 

بمعنى آخر، بإمكان صاحب دونم من الأرض إنتاج قنطار من القنّب الأخضر ليبيعه بسعر يتراوح بين 150 و175 دولارًا، بحسب الأسعار السائدة في أيلول عام 2021، أو أن يحوّل قنطار القنّب الأخضر إلى هؤة من حشيشة الكيف ليبيعها بسعر 225 دولارًا. 

تكاليف إنتاج القنّب مقارنة بزراعات بديلة 

يحتاج كلّ دونم إلى ساعة فلاحة واحدة، لحراثة الأرض ووضع البذار، وتبلغ كلفتها على صاحب الأرض نحو 250 ألف ليرة لبنانية في فترة تنفيذ عملنا الميداني، في أيلول عام 2020، أي ما يعادل 12.5 دولارًا بحسب سعر الصرف حينها.

أمّا تكاليف اليد العاملة، وهي سوريّة بشكل أساسي، فقد ارتفعت كثيرًا في العام 2021 على أثر انهيار الليرة. يستقدم المزارع “فان” أو “بيك آب” من سوريا ينقل 15 عاملًا وعاملة للعمل مدّة 6 ساعات يوميًّا. يتقاضى صاحب “الفان” أو “البيك آب” ومعه الشاويش 100 ألف ليرة لبنانية أو 5 دولارات عن كلّ عامل وعاملة، و400 ألف ليرة لبنانية أو عشرين دولارًا أجرة النقل، لترتفع تكلفة اليد العاملة في موسم الحصاد إلى مليون و900 ألف ليرة لبنانيّة أو 95 دولارًا آنذاك، قد تُضاف إليها تكاليف إطعام العاملين والعاملات التي يتحمّلها المزارع أيضًا. 

يشكّل الأطفال نصف العمّال السوريين وتتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة؛ يأتي بعضهم من شمال سوريا، من حلب أو من مناطق أكثر بعدًا، لتُضاف 8 ساعات من المواصلات إلى ساعات العمل الستّ الفعليّة، فيرتفع وقت العمل في اليوم إلى أربع عشرة ساعة.

بالإضافة إلى تكلفة الفلاحة، يحتاج المزارع إلى كيس واحد من الأسمدة لكلّ دونم، بكلفة 700 ألف ليرة لبنانية أو 35 دولارًا، كما يحتاج إلى نصف تنكة مازوت لريّ دونم واحد مدّة ساعة واحدة، مع العلم أنّه يكرّر هذه العملية 6 مرّات في الموسم. 

 وقد تنخفض كلفة الإنتاج في بعض المزارع الغنية بالماء لتشكّل ثلث الإنتاج الزراعي؛ وقد ترتفع إلى النصف في الأراضي الزراعية التي تحتاج إلى استهلاك كمّية أكبر من المازوت لاستخراج الماء. في الحالتَين، تبقى تكاليف إنتاج القنّب في الهرمل منخفضة جدًّا إذا ما قورَنت بمُنتَجات زراعية أخرى. 

احتكار التجّار والوسطاء لشراء المحصول الزراعي 

يهدف المزارع إلى تسويق الإنتاج السنوي بشكل كامل، إمّا من خلال بيع القطاف الأخضر، الحشيش-النبتة التي تمّ قطافها حديثًا من غير أيّ تصنيع، أي بيعها “بأرضها” كما هو متعارف عليه، وإمّا من خلال طبخها، لاستخراج الزهرة أو المعجون، على شكل الحشيش الصالح للتدخين الذي يُباع في الأسواق السوداء.

تاريخيًّا، لم يكن الحشيش المصنّع رائجًا بين مزارعي الهرمل، بوصفه أقرب إلى المُستهلك، أي إنّه يضع المزارع في خانة أقرب إلى التاجر أو المروّج. أمّا اليوم، فإنّ معظمهم يعمد إلى طبخه وتصنيعه، من دون أن يتوانوا عن بيعه وهو بعدُ نبتةً خضراء إذا سنحتْ فرصة بيعه، ولو كانت ربحيّته أقلّ، إلّا أنّها مضمونة. لكنّ تعذّر تصريف كامل الإنتاج يدفع بالمزارع عادةً إلى تخزين جزء من المحصول للسنة التالية من خلال عملية التصنيع، من دون تكاليف إضافية.  

تُعَدّ إذًا فترة الحصاد الممتدّة بين أواخر أيلول وتشرين الأوّل مرحلة درّ الدخل الأساسي وتكوين الاحتياط للعائلة، وهي الفترة التي يسدّد فيها المزارع ديونه ويُجري أعمال الصيانة الأساسية لمنزله وآلاته ومعدّاته، ويخصّص ما يتبقّى لتأمين مصاريف المعيشة للسنة كاملة، بانتظار الموسم المقبل. فكم يجني المزارع من عمله السنوي؟

قبل أزمة عام 2019، كان المزارعون يبيعون الهؤة بالدولار أو بالليرة، بأسعار تقارب قيمتها 400 دولار أميركيّ بحسب الأسعار السائدة في أيلول عام 2021، تُباع هؤة من حشيشة الكيف بأربعة ملايين ونصف مليون ليرة، أي ما يعادل 225 دولارًا بحسب سعر الصرف السائد في تلك الفترة، ممّا يعني أنّ التجّار قد تمكّنوا من خفض سعر شراء المحصول بنسبة تتراوح بين 45% و50%، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف الإنتاج بالنسبة إلى المزارع، ممّا يدلّ على ضعف قدرات التفاوض من جهة المزارعين، وعلى قدرة التجّار على فرض سعر موحّد على جميع المزارعين، وهي الخاصّية الأولى لبنية السوق الاحتكارية أو شبه الاحتكارية. 

وبالفعل يُجمع المزارعون على أنّ سعر المبيع يحدّده التجّار بشكل موحّد، أي إنّ سعر المبيع متعارف عليه وثابت في كلّ موسم، إذ يفرضه التجّار موسميًّا. بشكل أصحّ، يمكن توصيف بنية السّوق تلك على أنّها احتكار الشاري على البائع، وهي خاصّية الأسواق التي تتميّز بتعدّد البائعين وبانحصار الطلب بزبون واحد أو بقلّة من الزبائن المتّفقين فيما بينهم. 

يعرّف الاقتصاد الميكروي بنية السوق تلك بأنّها حالة قصوى من المنافسات الاحتكاريّة التي توصف بكونها من اقتصاديات الكارتل أو الترست، وتصل في حدودها القصوى إلى الـ Monopsony أي الاحتكار المُعاكس للشاري على البائع. ممّا لا شكّ فيه أنّ بنية السوق الأخيرة نادرة، لكنّها تتمثّل في حالة زراعة التبغ في لبنان، حين ينحصر الطلب بالشاري الوحيد والمحتكر، أي الريجي. عادةً ما تمتاز تلك الأسواق بسلطة الشاري على البائع في تحديد الأسعار، على عكس ما يحصل في الأسواق التنافسية.  

إذًا، يبقى المزارع في جرود الهرمل تحت رحمة المحتكرين، إذ يعجز عن تصريف إنتاجه بنفسه تمامًا كما يعجز عن الخروج من جرده من دون خطر التعرّض للتوقيف. في حين أنّ التجّار والمروّجين يتمتّعون نسبيًّا بحرّية تنقّل تفوق حرّية المزارع المتجذّر في أرضه، نظرًا إلى تمتّعهم بحمايات أمنيّة، وبغطاء شبه عسكري، وبقدرات لوجستية على عبور الحدود وتهريب البضائع.  

وبالطبع، تشكّل قوانين تجريم زراعة الحشيش مع تقييد حركة المزارعين حالةً من ارتهان المزارع المقيّد بأرضه وبزراعته الممنوعة لمصلحة الكارتيلات العابرة للحواجز والحدود، والمتحكّمة بشكل شبه مطلق في آليّات التسويق والتصدير والتسعير. فهل سيسهم قانون تشريع القنّب الطبّي في تغيير بنية السوق الاحتكارية تلك ليحرّر المزارعين، ولو قليلًا أو نسبيًّا، من سلطة المشتري، أم أنّه سيكتفي بتثبيت المنبسون أو تشريعه من خلال احتكار الدولة أو كارتلات الشركات المرخّصة؟ وما التغيّرات التي سيفرضها على بنية الإنتاج من ناحية العرض، في الوقت الذي يتخوّف معظم المزارعين من أن يتمّ إقصاؤهم من التراخيص بذرائع عدّة، منها غياب صكوك الملكيّة أو وجود مذكّرات توقيف سابقة، وسوى ذلك.

نشرت هذه المقالة في مجلة المفكرة القانونية-لبنان العدد 69

للاطلاع على العدد كاملا

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، تشريعات وقوانين ، فئات مهمشة ، مجلة لبنان ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية