باسم الشعب اللبناني


2014-04-09    |   

باسم الشعب اللبناني

قرّر مجلس شورى الدولة ما يلي:

1-  إبطال  القرار الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء المتضمن رفضاً ضمنياً لتسليمنا (لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وجمعية دعم المعتقلين والمنفيين – سوليد) نسخة عن ملف التحقيقات التي أجرتها اللجنة الرسمية للاستقصاء عن جميع المخطوفين والمفقودين وتحديد مصيرهم.

2- إعطاء الجهة المستدعية حق الاستحصال على نسخة عن ملف التحقيقات الانف ذكره دون أي تقييد أو انتقاص أو استثناء.

حيثيات صدور القرار

بعد تأسيسِها في العام 1982وانقضاء /18/ عاماً  من المعاناة  والنضال المستمرّين، استطاعت لجنة  أهالي المخطوفين والمفقودين انتزاعَ أول اعتراف رسمي بقضيتها في كانون الثاني 2000،  خلال حكومة الرئيس سليم الحص . تمثّل هذا الاعتراف عبر تشكيل لجنةٍ رسمية للاستقصاء عن جميع المخطوفين والمفقودين وتحديد مصيرهم. هذا الانجاز جاء نتيجة الحملة الوطنية التي أطلقناها تحت شعار ” من حقّنا أن نعرف” مع عدد وافر من أصدقـاء القضية، من الأفراد والهيئـات والفعاليـات القانونية، الثقـافية، الفـنية والأكاديميـة… وهذا دليل واضح  عن أهمية مشاركة المجتمع المدني في المساهمة بانتزاع هذا الاعتراف.

في 27 تموز 2000أي بعد مرور /6 /أشهر على عمل تلك الهيئة، أعلنت الحكومة عن انتهاء مهمة الهيئة المذكورة  بعد أن سلمتها  التقرير الذي أعدّتهُ. أما نحن، فلم نُسلّم سوى صفحتين ونصف من ذلك التقرير المنتظر، ورَدَ فيها عدم العثور على مفقودين أحياء،  والاقرار للمرة الأولى بجرائم الحرب وبوجود مقابر جماعية منتشرة في معظم المناطق اللبنانية.

طالبنا بحقنا بالاطلاع على مضمون هذا التقرير لمعرفة الجهات التي تمّ التحقيق معها، الافادات والمعلومات التي تمّ الإدلاء بها، الأدلّة التي تمّ الاستناد اليها، ناهيك عمّا قامت به الهيئة ميدانياً بشأن المقابر الجماعية التي أقرّ التقرير الرسمي بوجودها، إلا أن طلبنا قوبل بالرفض، الأمر الذي دفعنا الى رفع شكوانا أمام مجلس شورى الدولة .

وصدر القرار الذي نحن بصدده اليوم بتاريخ 4/3/2014 أي  بعد /14/ عاماً على انتهاء عمل اللجنة الرسمية.

أهمية القرار

مرة أخرى يُنصفنا القضاء، يُسلّحنا بحكم قضائي لا يقبلُ المراجعة ولا الطعن.

حكمٌ يلزم الدولة اللبنانية، ممثلة برئاسة مجلس الوزراء، بتنفيذه ضمن المهلة القانونية المحدّدة.

حكمٌ يعترف بوجعنا وألمنا كأهال ننتظر منذ عقود، ويقّر أن امتناع الدولة عن القيام بما يلزم لجلاء مصائر المفقودين والمخفيين قسرا هو “تعذيب”

للأهالي يخالف تماما اتفاقية مناهضة التعذيب التي أقرها لبنان في 2000.

حكمٌ يكرّس الحق بالوصول إلى المعلومات، حقّنا بمعرفة مصائر أحبتتنا باعتباره حقاً طبيعياً متفرعاً عن حقوق الإنسان بالحياة وبالحياة الكريمة، كحق المفقود بالدفن إذا كان قد مات، وحقه بالحماية، الدفاع عنه وتحريره اذا كان حياً.

حكم يعترف بحق الشعب اللبناني، وليس فقط أهالي الضحايا، بالاطلاع على كافة التحقيقات والحقائق المتعلقة بالحرب في لبنان.

حكمٌ يدحض النهج  الرسمي اللامسؤول واللاجدّي والمستمر ازاء هذه القضية منذ  ما يقارب ربع قرن، وذلك بحجة وجوب طي صفحة الحرب وتخطّيها كشرط لبناء مستقبل آمن ومزدهر.

واستطراداً، فهو حكمٌ يبطل الادعاء والاعتداد الرسمييَن  بوجوب حجب ملّف التحقيقات مع قادة الحرب تلافياً للنتائج التي ستنعكس سلباً على “السلم الأهلي” وتزعزع “الاستقرار الأمني”… ويؤكد حقيقة أن معرفة مصير المفقودين هو شرط ضروري للتمكّن من طي صفحة الحرب والعبور الى السلم الحقيقي.

إننا نعتقد أن ما استطعنا تحقيقَه حتى اليوم لا تنحصر ايجابياتُه فقط  بملف المفقودين والمخفيين قسرياً وأهاليهم، بل تطالُ المجتمعَ اللبناني بأسره.

المسؤولية مشتركة

وهنا لا بد من قول وتكرار التالي:

أننا لم نخترْ يوماً أن يُخطف أبناؤنا وأزواجُنا  وأشقاؤنا، ولا هم اختاروا أن يكونوا من ضحايا هذه الجريمة البشعة.  نحن لم نخترْ أن نتحوّلَ الى أهالي المخطوفين والمفقودين ولا أن تلبَسَنا هذه التسمية منذ ما يفوق الثلاثةَ عقود حتى يومِنا هذا.

صحيح أننا لم نتمكّن من العثورِ على المفقودين،  ولم نستطع تحريرَهم، ولم نتوصّل إلى معرفة وفَرز مَن منهم ما زال على قيد الحياة ومَن بات في عداد الموتى.. لكن ذلك لا يجب أن يقلّلض من أهميةِ ما  تمّ تحقيقُه بمواجهة الجدار المنيع الذي نُصِب أمامنا  منذ بداية المحنة، والذي لا يجوز إسقاطُه من الاعتبار ولا إغفالُه…كنا وما زلنا نعمل  كالنملة التي تحفر في الصخر  من دون أيّ مساومةٍ أو كلل..

ان أهالي المخطوفين والمفقودين  بشرٌ من لحمٍ ودم، يتنفّسون ، يجوعون، يعطشون، يحلمون، يتعبون… جلُّهم كان من النساء والأطفال، ما معنى أن يقضي هؤلاء 32 سنة من أعمارهم هائمين في الشوارع  وعلى أبواب المسؤولين بحثاً عن فلذات الأكباد أو الأزواج أو الاثنين معاً في بعض الحالات. هذه السنوات، بالتأكيد، لم تمرّ دفئاً وسلاماً على النسوة وعلى باقي أفراد عائلاتهن، إنها سنواتٌ عجاف،  مفاعيلُها  جاءت مضاعفةً مثنى وثلاث ورباع… كثيرات لم يعدن قادرات على المشاركة جسدياً في التحرك، منهن مَن أقعدهن العمر، منهن المرض، منهن مَن رحلن عن الحياة قبل معرفة مصير من فقدن، البعض رحلن قبل الأوان .. لكن أطياف هؤلاء، أرواحهم  دائماً موجودة معنا تشاركنا المعركة حتى بلوغ الهدف.. هل نستكين ..؟  طبعاً لا، نحن سنكمّل مع يلّي بقيوا، سنكمل معكم، خصوصاً أنتم جيل الشباب، لأنو معكم منقوى أكثر، ليس فقط للكشف عن مصائر أحبتنا، بل لنطمئن على مستقبل آمن (عن جدّ) لكم ولأولادكم، لأنكم بذلك  تساهمون في تحصين المجتمع والبلاد من الانزلاق مجدّداً نحو الحرب التي يلوح شبحها بشكل شبه يومي.

المطالب

هذا الحكم، مع أهميته، اضافة الى ما سبقه من انجازات، لا يعني أننا وصلنا، بل إن ذلك يشكّلُ محطةً مفصلية، محطة انطلاق في سياق معركتِنا المحقّة، الصعبة والطويلة وصولا الى تحقيق حق المعرفة فعليا عبر تحقيق:

–   تنفيذ القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة رقم 420/2013-2014 تاريخ 4/3/2014 من خلال تسليمنا نسخة عن ملف التحقيقات التي أجرتها اللجنة الرسمية العام 2000 ضمن المهلة القانونية المحددة “دون تقييد أو انتقاص أو استثناء” .

–   مباشرة مجلس النواب فورا ومن دون أي تأخير بمناقشة مشروع القانون (والذي أسميناه مشروع قانون محيي الدين حشيشو بعدما باتت دعوى خطفه رمزا للعدالة المنتظرة في قضايا المفقودين) الذي أعددناه لحل قضية المفقودين والمخفيين قسراً واقراره بالسرعة الممكنة.  وقد تبلّغنا البارحة من النائب غسان مخيبر، خلال الاجتماع الذي دعتنا اليه اللجنة النيابية لحقوق الإنسان، بأنه سيقدم هذا المشروع الى المجلس نهار الاثنين في 14 نيسان 2014، بالتشارك مع النائب زياد القادري، وكان هذان النائبان قد شاركانا الرأي بضرورة إعداد هذا المشروع الكفيل بانهاء هذا الملف بشكل نهائي وشامل.

وتجدر الإشارة إلى  أنه  سبق أن زوّدنا  عدداً من أعضاء اللجنة البرلمانية لحقوق الانسان بنسخ عنه، وقد تمّت مناقشة بنوده الأساسية في الاجتماع الذي دعانا رئيسها إلى حضوره العام المنصرم.

كما أننا سلمنا ملفاً كاملاً عن الموضوع بما فيه مشروع القانون  الى الرئيس تمام سلام الذي أبدى كل اهتمام  بأحقية هذه القضية واعداً بمتابعتها بالجدية التي تستحق.

– تصديق المعاهدة الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والمحالة الى مجلس النواب منذ العام 2007 وتعديل القوانين اللبنانية ذات الصلة.

–   الطلب إلى وزير العدل، أشرف ريفي، صرف النظر عن مشروع مرسوم الوزير السابق، شكيب قرطباوي، المتعلق بتشكيل لجنة وطنية لشؤون المفقودين والمخفيين قسراً، لعدة اعتبارات أبرزها الملاحظات الجوهرية التي أبداها بشأنه مجلس شورى الدولة، نذكر منها عدم استقلالية اللجنة المقترحة، افتقارها الى الصلاحيات لاجراء التحقيقات اللازمة… وبالتالي  فان مشروع  الوزير قرطباوي قاصر ليس فقط  عن تحقيق ما تصبو اليه عائلات هؤلاء الضحايا بل أنه سيساهم في إطالة أمد معاناتهم واحباطهم.

–   الإسراع ما أمكن في وضع مشروع الاتفاق مع البعثة الدولية للصليب الأحمر بشأن جمع وحفظ العينات الجينية لعائلات المفقودين قيد التنفيذ.

وهنا لا بدّ من طمأنة الأهالي بشأن الاتصالات التي يجريها بهم مندوبو البعثة الدولية للصليب الأحمر، مباشرة أو عبر المخاتير أو البلديات، وندعوهم إلى التجاوب والاسراع الى تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة لملء الاستمارات اللازمة العائدة للشخص المفقود لديهم. إن هذا الاجراء ضروري جداً للتعرف على هويات الرفات لاحقاً ليصار إلى تسليمها إلى أصحابها.

وفي الختام، لا بد أن نسجّل للقضاء أنه كان هو الجهاز الرسمي الوحيد والأبرز في التضامن مع قضيتنا في السنوات السابقة. وإنه أمرٌ يبشر بالأمل أن يؤدي القضاء دورَه في حماية الناس في مواجهة الاعتبارات والمصالح السياسية التي تكادُ تلغِيهم.

وتاليا، اسمحوا لي هنا أن أشكر باسم الأهالي جميعا جميع القضاة الذين شكلت أحكامهم بالنسبة الينا بارقة أمل في ليل دامس. وفي مقدمهم، القاضية زلفا الحسن التي كانت أول من عين خبراء للكشف على مقابر جماعية في مناطق لبنانية عدة، والقاضي حسن حمدان لتعيين خبراء في عدد من القضايا المماثلة، وأيضا وبالطبع أعضاء الغرفة الأولى لمجلس شورى الدولة الذين وقّعوا على هذا الحكم. كما نحيي ذكرى القاضي الفقيد جوزف غمرون الذي كان أول من عاقب خطف شخص ما يزال مفقودا بعدما عدّ الجرم متماديا لا يشمله قانون العفو.  ونحن هنا، كأصحاب حق، نأمل من القضاء المزيد من المثابرة لإنجاز ما نريده.

*مداخلة السيدة وداد حلواني بمناسبة انعقاد المؤتمر الصحافي في نقابة الصحافة في 9-4-2014 بذكرى الحرب وبصدور قرار مجلس شورى الدولة بتكريس حق المعرفة

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، عدالة انتقالية ، محاكمة عادلة ، سياسات عامة ، اختفاء قسري ، فئات مهمشة ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية