اين الحقيقة في تقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث الثورة؟


2012-05-15    |   

اين الحقيقة في تقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث الثورة؟

قدم الاستاذ توفيق بودربالة رئيس لجنة تقصى الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات المسجلة خلال أحداث الثورةالتونسية يوم 04 ماي 2012 التقرير النهائي لأعمال لجنته لرؤساء تونس الثلاث رئيس الجمهورية ورئيس المجلس  الوطني التأسيسي ورئيس الحكومة. بعثت هذه  اللجنة التي هي هيأة عمومية مستقلة بموجب المرسوم عدد 8 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري لتقصي الحقائق في التجاوزات والانتهاكات التي سجلت خلال الأحداث التي شهدتها البلاد التونسية خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 الى غاية تاريخ نهاية فترة الانفلات الامني الذي اعقب انتصار الثورة في 14 جانفي 2011.  تعهدت اللجنة بالبحث فيما رافق مسار تحقيق الثورة من انتهاكات لحقوق الانسان لغاية فهم طبيعتها وتحديد مسؤولية الافراد ومؤسسات الدولة عنها. وعد رئيس اللجنة يوم تسلم مهامه بان يكون عمل لجنته شفافا نزيها وجريئا يكشف الحقيقة دون مواربة.
 
أتى التقرير كثمرة لأبحاث ميدانية وجلسات استماع وبحث في الملفات الادارية والأمنية  تميزت بالسرية. وكشف كما كان منتظرا منه عن القائمة النهائية لمن ماتوا ومن جرحوا خلال الثورة. تم تحديد حالات الوفاة  ب338 شخصا منهم 86 كانوا بمؤسسات سجنية و 14 من قوات الأمن و 5  من الجيش الوطني. وتوصل لكون 60 في المائة من حالات الوفاة كانت نتيجة لطلق ناري. كما كشف أن عدد الجرحى يبلغ  2147 منهم 62 جريحا من بين السجناء و 14 من قوات الامن وبينت الاستقراءات أن اغلب الضحايا سقطوا في ولايات القصرين وسيدي بوزيد و قفصة وتونس الكبرى بنسبة 60 بالمائة من الوفيات و 78 بالمائة من الجرحى.
 
حاول التقرير ان يقدم في جانبه التحليلي اجوبة عن الاسئلة التي تعهدت اللجنة بالبحث فيها ففيما يتعلق بموضوع القناصة  وهو مصطلح تداولته وسائل الاعلام غداة الثورة ومفاده ان شهداء الثورة تمت تصفيتهم من قبل فرق امنية متخصصة سعت لارهاب المتظاهرين بقتلهم. انتهت اللجنة  لتقرر انه لم يشارك في احداث الثورة التونسية جهاز خاص بالقناصة في حين أكدت اللجنة أن هناك عمليات قنص كانت من قبل أعوان تابعين لقوات الأمن  قاموا بإطلاق النار بعد أن اتخذوا مواقع فوق أسطح البنايات العالية وقاموا بتوجيه ضربات في أماكن قاتلة كالرأس والقلب والظهر والصدر… وذكرت اللجنة ايضا انها تشتبه في دخول اجهزة استخبارات اجنبية على الخط وتعمدها قنص المواطنين لغايات لم تبينها.

وأشارت اللجنة عن تواجد في بعض حالات من عناصر مسلحة من قوات الأمن او الجيش فوق البنايات العالية وبأزياء وأسلحة خاصة. تم ذلك في إطار تأمين بعض المباني وتنفيذا لخطة أمنية مسبقة الوضع ولا علاقة لها بموضوع القناصة وان إطلاق الرصاص كان ناتجا عن عدم التنسيق بين الأطراف المتداخلة وعن ارتباك سببه كثرة الإشاعات ونداءات الإغاثة. وكشفت تحريات اللجنة عن وجود مؤشرات تدل بشكل قاطع أن عديد الضحايا تم قتلهم من قبل عناصر يتمتعون بقدرة عالية على الرماية وان هؤلاء اتخذوا مواقع واستعملوا أسلحة مناسبة للقيام بذلك. وتوصلت اللجنة فيما يخص الانفلات الكبير التي شهدته العديد من السجون التونسية إلى وجود فرضيتين: الأولى، ان الاضطرابات التي حصلت داخل السجون نتيجة مؤامرة دبرتها عناصر من النظام السابق من الأشخاص الموجودين في مواقع مسؤولة والثانية، ان تكون ناتجة عن تمرد السجناء انفسهم بسبب الظروف السيئة التي يعيشونها داخل السجون. وعن الصراعات العروشية ترى اللجنة أن اسبابها تعود الى عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متعددة و تعود أيضا الى حالة الضعف الذي طرأ على مؤسسات الدولة خلال الفترة التي تلت سقوط نظام بن على الى جانب حالة التهميش التي تعيشها العديد من المناطق. وأكدت اللجنة انه  لم يثبت لديها اي تورط لجهاز الامن الرئاسي في قمع المتظاهرين خلافا لما راج كما لم يثبت انهم قاموا بإطلاق الرصاص بأي شكل من الاشكال خلال الاحتجاجات. هذا وقد حددت اللجنة المسؤوليات عن الانتهاكات والتجاوزات والإضرار وذكرت منها وزارتي الداخلية والدفاع الوطني باعتبار التحامهما المباشر بالجماهير وسيطرتهما على الامور الامنية. كذلك ذكرت وزارة الصحة العمومية التي لم تقم اثناء الأحداث بالدور الموكول لها ولم تتخذ الاحتياطات الازمة لإسعاف الضحايا ولإنقاذ المصابين ولم تتول لاحقا العناية الكافية بمصابي الثورة وجرحاها حسب ما ورد في تقريرها. وانتهت الى التطرق لما اعتبر تدهورا سلبيا لعبه الإعلام من خلال التعتيم الإعلامي في عهد بن علي والانفلات الذي شهده بعد 14 جانفي2011.

وإذا ما استثنينا المجهود الاحصائي الذي قامت به اللجنة ودورها التوثيقي فقد كان تقريرها في مضمونه وتوقيت نشره مخيبا للآمال. فقد تعهدت اللجنة عند مباشرتها لعملها بان تنهي اعمالها قبل موفى سنة 2011 الا انها فشلت في ذلك. وهذا التأخير وان برره اعضاء اللجنة بثقل الملف وصعوبة البحث ونقص الامكانيات البشرية والمادية، إلا أنه يتعين التفطن للآثار السلبية التي تولدت عنه. فقد أعاق تحديد قوائم الشهداء والجرحى بشكل نهائي طوال السنة الماضية مما دفع  الجرحى وآل الشهداء للاحتجاج على سوء التعاطي معهم. كما ان اعمال الاستقراءات القضائية في وقائع اعمال القتل والجرح التي تمت خلال الثورة تجاوزت الحاجة لأبحاث اللجنة. و بهذا المنظور كان التقرير حدثا ورد بعد نهاية الحاجة اليه.

اشار التقرير في مضمونه الى الوقائع التي رافقت الثورة في استعراض سردي مبني على الفرضيات في مفاصله الكبرى وعلى التخمينات كما في حالة تدخل الاستخبارات الاسرائيلية في قتل الشهداء دون ان يكون متبوعا باستخلاصات واضحة تحدد المسؤوليات وتكشف الاسرار.من ذلك انه وفيما تعلق بمسؤولية وزارة الداخلية أشار لكونه لم يثبت ورود أوامر أو تعليمات على قاعة العمليات المركزية بوزارة الداخلية من القيادات الأمنية العليا أو من وزير الداخلية بإطلاق النار على المتظاهرين.. في المقابل لم ينف إمكانية استعمال الهواتف القارة أو الجوالة لإسداء الأوامر وإن لم تتوصل اللجنة إلى أدلة دقيقة وقاطعة بهذا الشأن. كما ذكر أن قوات الجيش الوطني كانت لها يد في اعمال القتل والجرح دون ان تذكر ان كان ذلك مبررا او تعسفيا. وهو ما يعني في المحصلة ان اللجنة ابقت جميع الفرضيات قائمة فكان عملها اعادة صياغة لأسئلة يتداولها الجميع دون تقديم اجوبة دقيقة  أو تصورات واضحة.

يبدو عمل اللجنة في عمومه هاويا اذ أن اعضاءها لم يتفرغوا للعمل بها فالمرسوم المنظم لها أي المرسوم عدد 8 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 نص على تمتعهم باسترجاع مصاريف تنقلهم دون ندبهم للعمل بها وهو ما يتعارض مع ما هو مفترض من تخصيصهم لكامل وقتهم وجهدهم لمتطلباتها. وبالتوازي مع ذلك، تم بعث عديد اللجان التي نازعت اللجنة الاصلية اختصاصها: فالمجلس الوطني التأسيسي تولى بعث لجنة شهداء وجرحى الثورة التي تتقاطع في مهامها مع لجنة تقصي الحقائق حول التجاوزات. وافضى  هذا التمشي لتضخم هياكل تقصي الحقائق وجردها جميعا من الصلاحيات الكاملة التي يستوجبها حسن اضطلاعها بدورها.
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، عدالة انتقالية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية