انفجار 4 آب يكشف معاناة سكّان المدينة: عمليّة إعادة التأهيل فرصة لإرساء حقوق مدينيّة طمستها السّياسات


2020-11-24    |   

انفجار 4 آب يكشف معاناة سكّان المدينة: عمليّة إعادة التأهيل فرصة لإرساء حقوق مدينيّة طمستها السّياسات
صورة من الحيّ الواقع خلف سوبرماركت صليبا بين شارعي مار مخايل والخازنين

تالا علاء الدين – رولان نصور

منذ انفجار مرفأ بيروت، في الرابع من آب 2020، تمّ إخلاء مئات المباني في الأحياء المحيطة بالمرفأ، واضطُرّ السكان وأصحاب المحلّات إلى الرّحيل جرّاء الأضرار والصدمة – كباراً وصغاراً، وُلدوا هنا أو استقرّوا مؤخراً، مستأجرين ومالكين، لبنانيين ومهاجرين. وكان قطع الكهرباء والمياه تماماً عن العديد من الأحياء المتضرّرة، بالإضافة الى تهديدات التصدّع الإنشائي في المباني وحالتها غير القابلة للسكن، من أبرز أسباب الرّحيل السّريع للسكّان إلى خارج المنطقة.

يُشكّل هذا الرحيل تهديداً خطيراً لاستعادة مدينةٍ قابلةٍ للحياة، وأحياءٍ تزدهر فيها سُبل العيش. وهناك خوفٌ حقيقيٌّ من أن يتحوّل هذا الانتقال السريع إلى تهجيرٍ دائمٍ. ففي ظلّ غيابٍ تامٍّ لتحمّل المسؤوليات وإدارة الكارثة، لا يتمتّع الكثيرون برفاهية انتظار خطّة الدولة أو آليّة تعويضات، بالإضافة الى خطر بيع مالكي الأراضي، المفلسين جرّاء الانهيار المالي، عقاراتهم، بأسعارٍ منخفضةٍ، للمستثمرين الذين كانوا يطمعون في هذه المناطق منذ ما قبل الانفجار.[1] وبالطبع، تتغذّى مخاوف التّهجير الدائم عبر سيناريوهات كارثية لتجارب إعادة إعمار سابقة وسياسات التعويضات المرافقة لها. إذ سبق ودُمّرت بيروت وضواحيها مرّاتٍ عدّة، كما شهدنا على تدمير مدن لبنانية أخرى وقُرىً ومخيّمات أُعيد إعمارها على نحوٍ أعاد إنتاج الأسباب التي أدّت في الأصل إلى دمارها: إعمار على أسس طبقية أو تقسيمية أو لخدمة مصالح محدّدة؛ وساهم ذلك في تشريد إضافيّ للسكان وتدمير الإقتصاد المحليّ.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الجريمة التي ارتُكبت بحقّ بيروت، ما زالت السّلطة غارقة في تلكّؤها، واستهتارها، وعجزها عن وضع سياسة لإعادة تأهيل الأحياء المنكوبة، ممّا فتح المجال لمسوحات عديدة، وعمليات إغاثة غير موثوقة، وهدرٍ للأموال، بالإضافة إلى غموض في مسار ومصير أموال التبرّعات.

فما هي الآثار التي خلّفتها مسارات ما يُسمّى بـ”إعادة الإعمار” على حياة الناس وإمكانية عودتهم؟ نحاول الإجابة على هذا السؤال عبر تحقيق أُجري في زاروب يمتدّ بين شارع أرمينيا في مار مخايل، وشارع الخازنين الواقع على تلّة مستشفى الروم كنموذج ينسحب على زواريب وأحياء أخرى متضرّرة.

زاروب صليبا مثالاً

يُعرف بزاروب صليبا – نسبةً للسوبرماركت الشهير الذي يحمل الاسم نفسه في شارع أرمينيا – وهو من كُتل الحيّ السكنية التي استقطبت النجّارين والإسكافيين وأصحاب الحرف، والعمّال، منذ عشرينيّات القرن العشرين، للسكن قرب أماكن عملهم في المرفأ، أو سكة الحديد، أو غيرها.

خلال الخمسينيّات والستينيّات، تحوّل حيّ مار مخايل إلى سكنيّ بامتياز، يكثُر فيه الإيجار كوسيلة للوصول إلى السكن، إذ أضاف المالكون طوابق فوق بيوتهم بغاية تأجيرها لأجيالٍ متعاقبةٍ من الوافدين الجُدد إلى المدينة. اليوم، تبلغ نسبة المستأجرين في النسيج القديم في مار مخايل حوالي 55%.[2]

منذ العام 2006، جذب الحيّ المستثمرين، وبدأت المطاعم والحانات تدخل إليه وتحلّ مكان الصناعات القديمة، وقد قصدته لتدنّي أسعار الإيجار فيه، وإعجاباً بطابعه العمرانيّ والاجتماعيّ الفريد. ففي العام 2014، تمّ إحصاء حوالي 50 محلّاً جديداً في الحيّ لمصمّمين وفنّانين، بالإضافة إلى أكثر من 70 معرضاً فنيّاً وحانة ومطعماً، وأصبحت الفراغات في الحيّ تعجّ ليلاً بروّاد المقاهي والحانات الجديدة[3]. بنتيجة هذا التحوّل الاقتصاديّ، وبين عامَي 2007 و2015، ارتفعت أسعار الشقق في مار مخايل من 2100 دولار للمتر المربّع إلى 4000 دولار[4]، وكان لهذا الارتفاع في أسعار الأراضي أثر كبير على الوضع السكنيّ في الشارع، وإخلاء السكان. ويُظهر المشروع البحثي لاستديو أشغال عامّة الذي أُجري بين العامين 2015 و2017، أنّ 5% من 229 مبنىً موجوداً في الحيّ تحوّل من سكنيّ إلى تجاريّ (11 مبنىً)، و11% من المباني باتت خالية تماماً (24 مبنىً).

 

خريطة التشكّل المكاني في حيّ الروم

 

خريطة تظهر نوع الإشغال في 229 مبنى واقع في حيّ الروم (بحسب البحث الذي أُجري بين العامين 2015 و2017).

 

عبر الدّرج المخفي القديم قرب ماركت صليبا، دخلنا لأوّل مرّة، بعد شهر من الانفجار، وفي مخيّلتنا صورة الحيّ كما اعتدنا عليه مغايرة للواقع المرئي. المدخل مكتظّ بأكياس الباطون وحجارة البناء، فصاحب الأوتيل على العقار 648، لم يتردّد في جلب عمّال لإصلاح ما تضرّر على نفقته الخاصّة. هو من القلائل الذين باشروا بأعمال الترميم، وربّما يعود ذلك إلى طبيعة الفندق الذي كان يجني الكثير من المال، وملكيّة العقار التي تعود إلى شركة عقارية استثمارية اشترته خلال موجة انتقال الملكية الكثيفة التي عصفت بالحيّ خلال السنوات العشر الماضية.

خريطة انتقال الملكية في حيّ الروم خلال السنوات 2007-2017 (بحسب البحث الذي أُجري بين العامين 2015 و2017).

 

قلق السكان نابع من هشاشة سكنهم قبل الانفجار

فسحات اللقاء والتسامر على الأدراج، وفي الممرّات، والمساحات المشتركة، باتت خالية تماماً إلّا من الوجود النادر لبعض المتطوّعين المدنيين أو العسكريين المنهمكين بإحصاء الأضرار. دخلنا أحد المباني، وهو مبنى لونه أحمر على العقار 1246، تهدر مياه الخزانات على أرض مدخله، انهارت فيه جدران شقّة صغيرة، في الطابق الأرضي، كانت تسكُنها بالإيجار ثلاث عائلات سورية، فقرّروا عدم العودة إليها مجدّداً، وبخاصّة بعد إصابتهم، فيما بقي المستأجرون الآخرون في منازلهم ولم يتركوها.

سارة، أبابيش وإلسا، ثلاث عاملات أثيوبيات من أصل خمسة يسكنّ أيضاً بالإيجار في المبنى نفسه، مقابل الشقّة المُدمّرة. لم تنهر جدران شقتهنّ، إنّما بقيت بلا شبابيك وبأبوابٍ مخلوعة. حتى بعد شهر على الانفجار، لم تتمكّن الفتيات من إصلاح ما تضرّر، بل حاولن إغلاق قفل باب المدخل بما تيسّر، معتمدات على 50 ألف ليرة لبنانية أعطاهنّ إيّاها أحد الخيّرين، فإحداهنّ فقط تعمل فيما الأخريات بتن بلا أيّ عملٍ نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد. حالهنّ، إذاً، كحال معظم سكّان الحيّ من لبنانيين وعمّال أجانب. فلطالما استقطب الحيّ الفئات الاجتماعية المتوسّطة الدخل والفقيرة، وبقاء هذه الفئات فيه نابع عن حاجة ملحّة للتواجد في المنطقة قرب أماكن عملهم. 

“صاحب الملك ما بدّو يصلّح”، تقول وردة، إحدى المستأجرات القدامى في المبنى، في حين اضطُرّ مالك إحدى المباني المجاورة التكفّل بتصليح شقّة مستأجر جديد لم يمرّ على إبرام عقد الإيجار معه بضعة  أسابيع.

في مبنىً مجاورٍ آخر، سيدة سبعينية جالسة في وسط شقتها بين الخراب في أحد المباني المطلّة على الشارع الرئيسي، تنظر إلى بعض الأوراق. رمينا لها السلام فلم تتردّد بدعوتنا للدخول، لا بل اعتذرت عن حالة شقّتها المبعثرة. هي أرملة وحيدة، كحال جاراتها في المبنى، مُستأجرة بموجب عقد إيجار قديم، تسكن الحيّ منذ أربعين عاماً، وتنوي البقاء في شقّتها. بتأثّر شديد قالت “أنام عند ابني حالياً. حاله من حالي، هو أيضاً تضرّر وخسر سيارته ومكان عمله في المرفأ وكاد يخسر حياته بلحظة”. لم تقتصر الأضرار في شقّتها على الأبواب والشبابيك، فلم تسلم الأجهزة الكهربائية كالبرّاد والغاز والمروحة والتلفاز، وتصليح هذه الأجهزة أو استبدالها المُكلف من الأولويّات للعودة السريعة. في شقٍّ آخر من المحادثة وضعت فرضية الإخلاء بين السطور. هي لم تُهدَّد بالإخلاء بعد، ولكن وكيل المالك المُغترب كان قد طلب “زودة” على الإيجار قبل الانفجار، فرفضت وطلبت “قرشين لتدبّر حالها وتفلّ”، إلّا أنّه رفض بدوره. أمّا بعد الانفجار، فلم يطالبها بشيء، بل زار المبنى مرّةً واحدة، أخذ بعض الصور وذهب ليريها لمحامي المالك، من دون أن يبدي أيّة نيّة للتصليح.

سونيا، امرأة سبعينية أخرى، تسكن مع عائلتها مبنًى مجاوراً في الحيّ أيضاً. يقع المبنى على العقار 653 وفيه، بالإضافة إلى شقّتها، أربع شقق، اثنتان خاليتان وأخريان مستأجرتان تسكنهما امرأتان مسنّتان. قبل الانفجار، سافر مالك البناية الأساسي وباعها إلى صاحب شركة عقارية. بدأ هذا الأخير يُطالب من بقي من السكّان بالرحيل ولكنهم رفضوا وطلبوا مهلة خمس سنوات، وها هو اليوم يُصلح إحدى الشقق الخالية دون سواها. سونيا، طرابلسية الأصل، زارها خيّرون طرابلسيون، وساعدها بعض المعارف في تصليح الزجاج المكسور، أما إحدى جاراتها الأرامل فكانت لا تزال تعاني من عدم وجود سندٍ لها.

كثرة المسوحات، غياب التعويضات

قصصٌ تتشابه أو تتعارض، وثمّة بالتأكيد من تتشابه قصّته وقصّة تلك الأرملة. فنظرياً، كان من المفترض، عند وقوع الانفجار، أن تتولّى الهيئة العليا للإغاثة التنسيق ما بين الإدارات لإغاثة المنطقة والناس، ولكنّها لم تتحرّك بالشكل المطلوب، وقصّرت بشكلٍ كامل في عملية التنسيق، والتعويض، وإجراء مسوحات باعتماد معايير واضحة تُحدّد فعلياً قيمة الأضرار[5]، ممّا أدّى إلى تهافت الجهات والجمعيات المختلفة على المنطقة المتضرّرة للمسح والكشف أو تجميع البيانات. وقد ارتبط هذا التهافت بإعلان العديد من الدول والجهات المانحة الدولية استعدادها لمساعدة لبنان في إصلاح الأضرار، وتحويلها الأموال حصراً إلى جمعيات وهيئات من المجتمع المدني، من دون أن تتدخّل الدولة اللبنانية لمعرفة مصادر التمويل وكيفية إنفاقه. ونذكر هنا أنّ حوالي 385 جمعية وهيئة مجتمع مدني صرّحت عن عملها في بيروت، عُني العديد منها بالصحّة والغذاء والترميم، بالإضافة إلى عشرات المبادرات الفردية.   

وسط هذا الغياب الشبه التامّ للدولة، عبّر أهالي الزاروب، حين التقيناهم، عن خيبة أملٍ كبيرةٍ من تردّد فرق المسح العسكرية والمدنية إلى منازلهم، كلّ على حدة، من دون أن تُثمر تلك الزيارات عن مساعداتٍ فوريّةٍ كانوا ولا يزالون بأمسّ الحاجة لها، لا سيّما لجهة تصليح الأبواب والشبابيك والأثاث والأدوات الكهربائية. ولم يخلُ الأمر من تحوّل بعض المساعدات، في هذا المجال، إلى نقطة إذلالٍ للمتضرّرين. فقد انتشر في المنطقة خبر تمنّع إحدى الجمعيات المعروفة عن تصليح برّادٍ متضرّر بحجّة أنّ اللمبة فيه تعمل، وعندما أكّد أصحاب المنزل تعطّل البراد، بادر متطوّعو الجمعية إلى الردّ بعصبية وفوقية وانسحبوا.

تكرار الموقف ذاته من قبل بعض المجموعات المختلفة، والتشرذم في عمل الجمعيات التي يعمل البعض منها بشكلٍ غير شفّافٍ باسم الضحايا، أنهك السكان أيضاً، وأفقدهم الثقة في إمكانية حصولهم على الدعم المطلوب في وقتٍ قريب. بعضهم لم ينتظر وصول الدعم من الدولة أو الجمعيات لإصلاح ما تضرّر، فاستجلب لوائح أسعار، وأطلق ورش ترميمٍ شاملة على نفقته الخاصّة بانتظار التعويض. هذه الفئة شملت مالكين ومستأجرين جُدد، وهم من الجنسية اللبنانية. وفي إحدى الحالات، نشأ تنسيقٌ بين سكان البناية الواحدة، حيث الوضع السكنيّ مُتشابه. أتاح لهم التعاون استدراج عروضٍ تنافسية لتكاليف التصليح، غير أنّ قسماً كبيراً من سكان الزاروب من ذوي الدخل المحدود وغير قادرين على تأمين تكاليف الترميم تلك. لذلك، استفاد بعضهم من انتمائه الدينيّ أو السياسيّ، وحصل على الدعم من لجانٍ حزبية أو كنسيّة.

الزبائنية وإعادة الإعمار

إذاً، تجلّى مشهد المساعدات، على أرض الواقع، على الشكل التالي:

–  برز نشاط الأحزاب الطائفية، لا سيّما حزبا الطاشناق والقوات اللبنانية، في ترميم منازل بعض السكّان “المحسوبين عليهما”.

– برز نشاط الكنيسة المارونية والمؤسّسات التابعة لها في ترميم بعض المباني في الحيّ، وتقديم الدعم لأعضاء الرعيّة.

– تقاسمت بعض الجمعيات المنطقة المنكوبة جغرافياً، فأنتجت خريطة لتوّزعها على الأحياء، ولكنّ الخريطة بقيت مخفيّةً لفترة طويلة، ولم يتمكّن السكان أو أي جهاتٍ أخرى من الحصول أو الاطّلاع عليها، إلّا بصعوبة بالغة.

– تجلّى دور الدولة بوجهه العسكريّ فقط، في ظلّ غياب فعليّ لبلدية بيروت والهيئة العليا للإغاثة، التي لم تتواجد إلّا عبر المسح الذي قام به الجيش اللبناني، والذي اقتصر على فئة معيّنة من الأضرار المادّية في المباني، في حين الأضرار أكثر شمولاً[6].

وبالتالي وجدت العائلات غير المرتبطة بأحزاب أو جمعيات أو لها أقرباء مقتدرين، صعوبةً كبيرة في ترميم منازلها. فلطالما كان مسار الإعمار وتمويله طريقاً لتقوية الشبكة الزبائنية للزعماء والطوائف، ولطالما استُغلّ الدمار لتحريك المصالح المرتبطة بقطاعي العقارات والبناء، فجُعل الناس الأكثر ضعفاً عُرضة لمزيد من التهميش. وهنا، بدا السكان الأجانب من الأكثر هشاشة أيضاً. أثيوبيات، سوريّون، سودانيون، أغلبهم من ذوي الدخل المحدود، ومنهم من أصبح عاطلاً عن العمل بسبب الأزمة الإقتصادية. هم يتمسّكون بوعود الجمعيات وينتظرون وصول دعمٍ تأخّر كثيراً.

نحو عودة لائقة وسريعة  

“ما فينا نقعد. كلّه رمل وبحص وصراصير عم تفوت. ما فيه ولا شباك ولا باب. ما فيه شي. بكنّس ثلاث أو أربع مرات بالنهار، وبيرجع كأنّه ما عملت شي. هيدا الحيط يللي قدامك كتير مخيف. إجا ثلاث مهندسين وقالولنا عجّلوا رح يهبط الحيط، لازم تهدّوه وترجعوا تعمروا محلّه. وعملية التصليحات بدها تاخد وقت كتير. ليوصل دوري، أمتين؟ بعد سنة، سنتين؟ ونحنا من جهتنا ما معنا إمكانية إنّه نحنا يللي نصلّح. وصاحبة البيت كمان بيتها تدمّر وحملت حالها ونقلت على عيتنيت، خصوصاً إنّه فيه ست معهم بالبناية توّفت. كيف بدك نقعد؟”

بهذه الكلمات أخبرتنا مارتين أنها وعائلتها قرروا ترك بيتهم للأبد؛ البيت الذي سكنوا فيه بالإيجار لأكثر من أربعين عاماً. على الجانب الآخر من الحائط المتصدّع، سكنت فرح لمدّة سنتين، بعد أن استأجرت البيت من مالكه من دون توقيع عقدٍ مكتوب. هي أيضاً، وجدناها تحمل أغراضها المتبقية وتترك الحيّ، بعد أن قال لها المالك “ما ترجعي، ما رح رممّ البيت”. 

هذه عيّنة صغيرة من زاروبٍ صغيرٍ تحاكي هاجس العودة وتداعيات ألّا تكون عملية إعادة التأهيل سريعة، كريمة، وواضحة.

فيكان – الموزّع الأساسي لاشتراكات الساتلايت في المنطقة الممتدة من أواخر الجميزة الى آخر مار مخايل، ومن مستشفى الروم الى الكرنتينا – أكّد لنا، بعد شهر على الانفجار، أنّ الإمدادات عادت لحوالي 10% فقط من المشتركين لديه، والذين يصل عددهم الإجمالي إلى ألفي مشترك، ممّا يعني، تقديرياً، أنّ حوالي مئتي عائلة مُشتركة لديه عادت إلى بيوتها في حينه. أمّا اليوم، يُبيّن لنا مسح الإشغال الذي أجريناه لعيّنة من 20 مبنى في زاروب صليبا ومحيطه، أنّ حوالي 32% من الوحدات السكنية في هذه الأبنية باتت خالية تماماً من سكّانها بشكلٍ مؤقت أو دائم. فالقدرة على تصليح وترميم البيت – وبالتالي العودة الى الحيّ – ترتبط بشكل مباشر بعدد من المعطيات، أبرزها المستوى المعيشي للعائلة، والوضع السكني، ومدى الارتباط بشبكات دعمٍ حزبية أو دينية أو “جمعيّاتية” إذا صحّ التعبير، كما تمّ ذكره سابقاً.

يبقى الهدف الأساسي استعادة الحياة الاجتماعية والاقتصادية ترافقاً مع إعادة البناء، وتمكين جميع سكان الحيّ من العودة الكريمة، كما حماية المهدّدين بأمن سكنهم واستدامته. حتى الآن، الناس عموماً، والأشخاص المتضرّرون خصوصاً، مغيّبون عن القرارات المرتبطة بإعادة التأهيل، وتحوّلوا إلى مجرّد “متلقّي مساعدات”، في ظلّ غيابٍ تامٍّ لدور المؤسّسات الرسمية و/أو اتخاذها إجراءات إشكالية[7]

خلال اجتماعات التركيز المجتمعي التي عقدناها معهم، يصف السكان كيف: ” ليس لدى البعض خيار آخر سوى قبول هذه المساعدات، وبعضهم يخجل من تلقّيها، فيلتزم الصمت حيالها”. تُشكّل الاجتماعات هذه جزءاً من مبادرة أوسع بدأها استديو أشغال عامّة، بالتعاون مع المفكّرة القانونية، لبناء إطار تمثيلي لجميع المتضرّرين من الانفجار الذين يتمّ التعامل معهم بشكل فردي وليس جماعي. تهدف هذه المبادرة إلى تفعيل دور الناس واسترداد صوتهم في النقاش حول أولويّاتهم وهمومهم المشتركة، بخاصّة فيما يتعلّق بضمان سكنهم، أو إنتاج السياسات العامّة لإعادة الإعمار، أو العلاقة مع الجهات المانحة والجمعيات. فبعد أن أدّت السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية (1975-1990)، وسياسات إعادة الإعمار النيوليبرالية الناتجة عنها، إلى تفكيك فكرة “الجوار” وتشوّه العلاقات بين الناس ومدينتهم، وفي ظلّ غياب الهياكل التنظيمية القائمة أو لجان الأحياء، قد يكون العمل الجماعي وإطلاق مطالب مشتركة هذه المرّة فرصة لنجاح تشكيل هذا الإطار التمثيلي في المجتمع المحليّ. فالمدينة تتكوّن أولاً، وقبل كل شيء، من الأحياء؛ من السكّان الذين يعيشون على مقربة من بعضهم البعض، بالرغم من انتماءاتهم العائلية أو المذهبية المتفرّقة. الكثيرون منهم يشتركون بالمشاكل ذاتها ويطلبون الحلول نفسها، كما يستخدمون المرافق العامّة نفسها، وبالتالي تجاربهم ومعاناتهم متشابهة. 

يضمن اتّباع هذا المنهج التشاركيّ في وضع سياسات إعادة التأهيل عملية تعافٍ سريعة وشفّافة، واسترشاد أنشطة إعادة التأهيل ببعض القواعد والمبادئ البسيطة، بالاستناد إلى المطالب المشتركة، فرصة لإرساء حقوق مدينية طُمست على مرّ السنوات. نذكر من هذه المبادئ، على سبيل المثال لا الحصر، اتّباع معايير الدمج في عملية ترميم الأبنية والمرافق والحيّز العام، لضمان استخدامها لكافة الفئات، وبشكلٍ يلبّي متطلّبات الإعاقة، خاصّة مع ازدياد عدد المعوّقين جرّاء الانفجار بشكل ملحوظ، و”كي لا تُهان كرامتهم على كلّ عتبة ازداد ارتفاعها على 3 سنتيمترات”؛ ضمان استدامة السكن، ووضع استراتيجية تعزّز الرصيد السكني الميسّر القائم حالياً وتُوسّعه، وتؤمّن متطلّبات الإيجار العادل لمختلف الطبقات الاجتماعية، إلخ.

[1]في 30 أيلول 2020، صدّق البرلمان على قانون حماية المناطق المتضرّرة الذي يمنع، لمدّة سنتين من تاريخ نشره، التصرّف والبيوعات التي تتناول أبنية أو عقارات واقعة في “المناطق المتضرّرة” حصراً وهي الرميل، والمدوّر، والصيفي والمرفأ. ولكن، بقيت مناطق كالباشورة خارج نطاق حماية القانون. كما أُجيز الاستحصال على رخص بناء في المنطقة المتضرّرة، واستُثنيت من أحكام منع التصرّف والتجميد، الأبنية المخصصة للبيع من الغير والتي يملكها من “يتعاطى الأعمال العقارية وتجارة الأبنية بحسب قيود وزارة المالية”، والعقارات المملوكة من شركة “سوليدير” أو الواقعة في نطاقها. للمزيد عن إشكاليات القانون يمكن قراءة مقالة “ملاحظات حول قانون حماية المناطق المتضررة ودعم إعادة إعمارها: تشجيع الاحتكار العقاري باسم الطائفية“.

[2]نتائج مسح نوع الإشغال في الأبنية الذي أجراه استديو أشغال عامة على عيّنة من 229 مبنى في مار مخايل، تحديداً في حيّ الروم، بين عامي 2015 و2017.

 [3]Gerbal, L., Nicolas, H., Camille, L., & Marissa, P. (2016). Linking Economic Change with SocialJustice in Mar Mikhael.

[4]Mona Fawaz, Marieke Krijnen & Daria El Samad (2018) A property framework for understanding gentrification, City, 22:3, 358-374.

مراجعة [5]قراءة استديو أشغال عامّة لإجراءات السلطة بشأن المناطق المتضرّرة.

[6]يمكن مراجعة مقالة يمنى مخلوف في المفكّرة القانونية بعنوان “انفجار مرفأ بيروت: الأضرار شاملة.”

[7]مراجعة قراءة استديو أشغال عامّة لإجراءات السلطة بشأن المناطق المتضرّرة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أملاك عامة ، الحق في السكن ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، عدالة انتقالية ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات ، ملكية خاصة ، منظمات دولية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *