انفجار مرفأ بيروت: الأضرار شاملة


2020-09-14    |   

انفجار مرفأ بيروت: الأضرار شاملة
جزء من المرفأ المدمّر (تصوير ماهر الخشن)

انفجار مرفأ بيروت تسبّب بمقتل ما يقارب 195 ضحية وبإصابة أكثر من 7000 شخص. أمام ضخامة الفاجعة، ذهول وغضب وعدم فهم واختلاف في تفسير الأسباب التي أدّت إلى مقتل البعض وبقاء الآخرين على قيد الحياة. المؤمن منّا لجأ إلى المعونة الإلهية لتبرير هذا الاختلاف والملحد منّا فسّرها بعبثية الدنيا التي تلقي البعض في الهاوية وتعلّق الآخرين في الهواء. ولكن الواقع هو أنّه لم ينج أيّ منّا من انفجار مرفأ بيروت. وتماماً كـ”لاعب النرد”[1]، لا دور لنا أنّنا قتلنا ولا دور لنا أنّنا بقينا على قيد الحياة، لا دور لنا في تعطّل أجسامنا ولا دور لنا في بقاء أعضائنا في خدمة أجسادنا، لا دور لنا إن تهدّمت بيوتنا ولا دور لنا إن بقي سقف ليأوينا… الضحايا متعدّدون. مقيمون وزوّار، عاملون وعاطلون عن العمل، أشخاص وشركات. الأضرار متعدّدة أيضاً: من فقدان الحياة إلى التهجير من المنازل مروراً بتعطيل دائم أو مؤقّت وتبخّر ما بقي من صحّتنا النفسية. سكوت من السلطة يصمّ الآذان في كلّ ما يتعلّق بأسباب الجريمة أو حتى كيف اندلع الانفجار، غياب ثقيل للسلطة في معالجة تداعيات الانفجار ولكن، كثافة في الثرثرة العقيمة لفرض تبريرات بهلوانية مسلّحة بقمع عنيف في محاولة يائسة لدفن المعاناة.

تقضي الضحية أيامها في استقبال أعضاء فرق المسح من الهيئة العليا للإغاثة وجمعيات غير حكومية في ظلّ غياب تام للتنسيق واستبعاد الضحايا عن أيّ مشاركة في تقييم الأضرار أو وضع المعايير وآلية التعويض وسبل إعادة الإعمار وإطلاق الأنشطة.

أمام هذا التشتت والاستهتار، يصبح من الضروري تحديد الأضرار التي أصابت عدداً هائلاً من الضحايا تمهيداً لرسم خطة لمعالجتها. فمن غير الممكن توقّع أي تعويض واقعي من دون التطرّق إلى ماهيّة الأضرار المشمولة التي تتميّز بكونها أضراراً شاملة (dommages de masse) ، أي “تعدّيات على الأشخاص أو الأملاك أو البيئة الطبيعية التي تصيب عدداً كبيراً من الضحايا نتيجة فعل مضرّ واحد، أو يمكن أن تنتج عن سلسلة من الأفعال الضارّة والتي تتأتّى من أصل مشترك”[2].

في ظلّ شمولية هذه الأضرار المتشعبة تماماً كالانفجار الذي تسبّب بها، يبدو أنّ الإطار القانوني الحالي المبني على نظام المسؤولية المدنية وعلى تصوّر مفاده أن التعويض عن الأضرار محصور بالجهة المسؤولة عن تسبّبها إن كان بفعلها الشخصي أو بفعل الجوامد تحت حراستها، غير متناسب لا بل مفصول عن واقع الدمار الحاصل. فالتوقع المبني على إمكانية حصول الضحايا على تعويض من الذين سوف يحكم بمسؤوليتهم شبيه بسراب في خضمّ الصحراء. بالفعل، لا شكّ أن ذمم المسؤولين لن تكفي لتغطية الأضرار التي تسببّوا بها، مما يوجب اللجوء إلى سبل مختلفة تبنى على منطق التضامن الاجتماعي لتغطية الثغرات التي لن تستطيع آليات المسؤولية المدنية في منظورها الكلاسيكي تحمّلها.

امتنعت الجهات الرسمية لغاية تاريخه عن تطوير أيّ تصوّر يتعلّق بتحديد الأضرار الناتجة عن انفجار المرفأ، حيث اقتصرت المبادرات الرسمية على مسح تقوم به الهيئة العليا للإغاثة، من دون اعتماد معايير واضحة لما يتضمّنه هذا المسح. ومن التمعّن بآلية هذا المسح، يتبيّن أنّه لا يشمل إلّا فئة معيّنة من الأضرار المادية: المنشآت، (سقف، حائط…)، الأبواب والواجهات الخارجية، الموجودات الداخلية… وكأنّ الهيئة المذكورة تصرّ على حجب الأضرار الأخرى التي لا تقلّ أهميتها عن الأضرار المادية للمباني حصراً، وذلك على نحو يتعارض مع وجهة المشرّع الذي كرّس في تعريفه للضرر تصوّراً شمولياً يقضي بتعويض للمتضرّر معادل للضرر الذي حلّ به ويأخذ بعين الاعتبار الضرر الجسدي بالطبع، ولكن أيضا” الضرر المادي والأدبي[3]. فالأضرار التي أصابت الضحايا لا تقتصر على أضرار المباني، ولكنها تشمل أوجها متعددة من أضرار جسدية ومعنوية ومادية وآلام جسدية ونفسية وتشويه جسدي وضرر ذي طابع عاطفي وحرمان من متع الحياة المشروعة ووفاة أو تعطيل دائم أو مؤقت يؤدي في الوقت ذاته إلى نفقات طبية واستشفائية وإلى خسارة أو حرمان في الدخل[4]. كما وأن ضحايا الانفجار يتعدّون الضحايا المباشرين ويشملون أشخاصاً “تربطهم بالضحية رابطة عمل أو صلة قربى أو مودّة”[5] (victimes par ricochet) من أعضاء عائلة شخص توفّي بإصابة في جسده إلى عمّال المؤسسة التي دمرّت مما أفقدهم مركز عملهم ومورد معيشتهم.

فضلاً عمّا سبق، أدّى انفجار مرفأ بيروت إلى بروز أضرار من فئات جديدة بخاصّة بحجم الفاجعة حيث لا تقتصر الأضرار الشاملة على الضرر وفق المفهوم الكلاسيكي له  بل تتعدّاه لتشمل فئات جديدة من أضرار جماعية أوّلاً وأضرار نفسية فريدة خاصة بالانفجار المسبّب لها ثانياً.

في الأضرار الجماعية:

ترتكز نظرة المشرع النموذجية على مفهوم فردي للأضرار التي قد تصيب الفرد[6] في حين تعنى النيابة العامة بحماية المجتمع بوجه الأفعال التي قد ترتد على مصالحه بمجمله[7]. وهذا ما يتبلور حالياً على مستوى المحاكمة المتعلقة بانفجار بيروت والتي تتضمن شكاوى قدمها ضحايا اتخذوا صفة الادعاء الشخصي كون مصالحهم الفردية قد تعرّضت لمختلف أنواع الأضرار إلى جانب ادّعاء النيابة العامة التي تمثل الجهة الحامية للمصلحة العامة. ولكن، تبيّن أيضاً وجود فئة معيّنة من الأضرار هي الأضرار الجماعية التي تصيب مجموعة أشخاص نتيجة انتمائهم إلى فئة اجتماعية مشتركة[8]. هذه هي حالة القطاعات المختلفة التي تضرّرت نتيجة الانفجار. يظهر هذا البعد حين نحاول تحديد ما يتوجّب لإعادة إطلاق القطاعات المتضرّرة: ففي حالة قطاع الصناعات الإبداعية، ولو نجحت مؤسسة بإعادة بناء أو ترميم المحل التجاري التابع لها، فهي تبقى غير قادرة أن تعود إلى ما كانت عليه حيث أن نشاطها ينصبّ ضمن إطار تكتّل صناعي وثقافي يجعل من مكان وجودها مركزاً محورياً إن كان على صعيد مراحل الإنتاج المبنيّة على تعاون مع باقي الفنانين كالحرفيين أو على صعيد البيئة المحيطة التي بطابعها الثقافي تشجّع الإبداع كما وتجذب السوّاح والزبائن… من الواضح في هذا الإطار أنّ الدّمار الحاصل في الكرنتينا وبرج حمود والجعيتاوي ومار مخايل والجميزة انعكس على المؤسسات الصناعية الإبداعية ولكنه ضرب أيضاً البيئة الثقافية التي تحتضنها والتي هي جزء لا يتجزّأ من نشاطها وشرط أساسي لإعادة بناء واستمرار هذا القطاع.

لذلك، لا يمكن لأية مقاربة لمعالجة الأضرار أن تنجح في تأمين استمرار القطاعات المتضررة من دون التوقف على الأضرار والمصالح الجماعية المتحققة من جراء الإنفجار ومن دون الاعتراف بصفة الجمعيات المعنية بالحفظ على هذه المصالح الجماعية.

في نشوء أضرار من فئات جديدة متعلّقة بالانفجار:

لا يمكن لمن شاهد صور الانفجار والضحايا إلّا أن يتنبّه إلى الصدمة الخاصة التي أصابت الضحايا من جرّاء عنف الانفجار والأيام التي لحقته حيث تشكّل الصدمة النفسية من دون أدنى شك ضرراً من فئة جديدة مرتّبة بجسامة الفاجعة قد تؤدي أيضاً إلى تعطيل مؤقت أو دائم: استحالة في التركيز أو الاستمرار في نشاطات فكرية أو جسدية، شعور بالذنب لمن بقي على قيد الحياة واكتئاب… تبلورت هذه الفئة الخاصة من الأضرار في فرنسا في سياق  صندوق الضمان لضحايا الإرهاب كما وفي إثر انفجار معمل AZF في مدينة تولوز وغيرها من حالات الأضرار الشاملة[9]، وهي تشكّل “آلاماً نفسية تشير إلى صدمات خاصة ناتجة عن أوضاع مضرّة مطبوعة بقساوة الحدث، تكاثر المآسي الفردية وتغطية إعلامية متطفّلة ومتكرّرة”[10] لمشاهد الدماء والضحايا والدمار والمآسي…

إن الاعتراف بهذه الفئة من الأضرار من شأنه حثّ المشرّع والهيئات المعنية على تأمين السبل لمعالجتها انطلاقاً من كونها أضراراً أصابت المجتمع بكامله ولها طابع جماعي. فحيث يتمّ الاعتراف بالحوادث كـ”ظاهرة إجتماعيّة”، تغدو معالجة تلك الظّاهرة إحدى وظائف الدّولة”[11]. وهذه ما كانت عليه حالة الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار في الأشهر السابقة: فالانتحار هنا تمّ بنتيجة معاناتهم الناتجة عن الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل أي معالجة فردية له في غير محلّها.

بالرغم من ضخامة الأضرار، عبّر العديد من الضحايا عن عدم إيمانهم باللجوء إلى القضاء كوسيلة للحصول على التعويض. بالفعل، يبدو نظام المسؤولية المدنية غير مؤهّل لتأمين تعويض شامل عن الأضرار[12] وذلك، ليس فقط بالنظر إلى حجمها وتعددها كما تمّ تبيانه أعلاه، ولكن أيضاً عملاً بطبيعة النظام القضائي وتمادي المحاكمات في الزمن.

تبرز في هذا الإطار ضرورة اللجوء إلى آليات تكميلية هدفها تأمين تعويض مناسب للضحايا، تبنى على التضامن الاجتماعي والوطني المتمثل بتدخّل الدولة وبنشوء صناديق للتعويض عن ضحايا الأضرار الشاملة[13]، بدون أن تشكّل بديلاً لنظام المسؤولية الذي لا يقتصر على التعويض ولكن يهدف أيضاً إلى مساءلة المعنيين لردع تكرار الفعل المضرّ [14] وهو ما يشار إليه بوظيفتها المعيارية والوقائية والعقابية.[15] إلّا أنّ المشرّع لا يزال متمنّعاً عن درس أو طرح أيّة آليّة، مكتفياً كما جرت العادة بإعفاء ورثة المتضرّرين من رسم الانتقال[16]، الذي أصبح “ظاهرة تشريعية” مخالفة لمبدأ المساواة بين الضحايا[17] ويظهر تصوّراً رعوياً للعلاقة بين الدولة والمواطن بدلاً من منطق قانوني يعتمد على سياسة لإدارة المخاطر[18]…  سنعالج هذه المسألة في المقالة اللاحقة ضمن سلسلة مقالات عن ضحايا انفجار مرفأ بيروت.

 

[1] قصيدة “لاعب النرد” للشاعر محمود درويش

[2] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006, pp. 92-93, N° 77.

[3] تنصّ المادة 134 من قانون الموجبات والعقود على ما يلي: “إنّ العوض الذي يجب للمتضرّر من جرم أو شبه جرم يجب أن يكون في الأساس معادلاً للضرر الذي حلّ به. والضّرر الأدبي يعتدّ به كما يعتد بالضرر المادي والقاضي يمكنه أن ينظر بعين الاعتبار إلى شأن المحبة إذا كان هناك ما يبرزها من صلة القربى الشرعية أو صلة الرحم وكذلك الأضرار غير المباشرة  يجب أن ينظر إليها بعين الاعتبار على شرط أن تكون متّصلة اتصالاً واضحاً بالجرم أو بشبه الجرم وفي الأصل إنّ الأضرار الحالية الواقعة تدخل وحدها في حساب العوض، غير أنّه يجوز للقاضي بوجه الاستثناء أن ينظر بعين الاعتبار إلى الأضرار المستقبلة إذا كان وقوعها مؤكداً من جهة، وكان لديه من جهة أخرى الوسائل اللازمة لتقدير قيمتها الحقيقية مقدماً.”

[4] عن فئات الأضرار، لطفاً مراجعة د. عاطف النقيب، “النظرية العامة للموجبات: مصادر الموجبات”، الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، ص. 165-215.

[5] د. عاطف النقيب، “النظرية العامة للموجبات: مصادر الموجبات”، الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، ص. 195..

[6] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  pp. 116-124, N° 80 : « traditionnellement, le dommage est concu selon une approche individuelle centree sur la notion de dommage individuel. Il s’apprehende au regard d’une situation individuelle. Son appreciation demeure isolee et ne vaut que pour la victime qui le subit. Ce schema se heurte inevitablement aux dommages de masse ».

[7] Jean Calais-Auloy, « Les délits à grande échelle en droit civil français » in Revue internationale de droit comparé, Vol. 46 N° 2, Avril-juin 1994, pp. 379-387.

[8] Idem.

[9] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  pp. 116-124, N° 80

[10] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  p. 116, N° 95.

[11] حسين خليفة، “كارثة الطائرة الاثيوبية: المجاملة في التشريع”، نشر في العدد صفر من المفكرة القانونية، 20/4/2011 الذي يقتبص François Ewald, L’Etat Providence, Grasset, 1986, p. 17.

[12] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  pp. 133-135, N°  107 et s.

[13] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  pp. 212-213, N°  158.

[14] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  pp. 322-323, N°  241.

[15] Anne Guégan-Lécuyer, « Dommages de masse et responsabilité civile », L.G.D.J. 2006,  pp. 181-182, N° 141.

[16] المفكرة القانونية، المرصد البرلماني اللبناني، ” جلسة تشريعية مفاجئة: تشريع المفاجأة إسعافا للناس أو استغلال الكارثة لتحقيق إثراء غير مشروع؟” 15/8/2020.

[17] المفكرة القانونية، “ظاهرةٌ تشريعيّةٌ أولى مخالفة للدستور: الإعفاء من رسم الإنتقال تعويضاً”، نشر في العدد 47 من المفكرة القانونية، 24/2/2017.

[18] حسين خليفة، “كارثة الطائرة الاثيوبية: المجاملة في التشريع”، نشر في العدد صفر من المفكرة القانونية، 20/4/2011.

انشر المقال

متوفر خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *