انطلاق ورش تعديل مدونة الأسرة بالمغرب: تشكيل لجنة قانونية وتقليص سلطة “العلماء”


2023-09-27    |   

انطلاق ورش تعديل مدونة الأسرة بالمغرب: تشكيل لجنة قانونية وتقليص سلطة “العلماء”

وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس عشية يوم الثلاثاء 26 سبتمبر 2023 رسالة الى رئيس الحكومة تتعلق بإعادة النظر في مدونة الأسرة .

المبادرة تأتي بعد مرور أزيد من سنة على إعلان فتح ورش تعديل مدونة الأسرة بمناسبة خطاب العرش، وبعد انتقاد فعاليات المجتمع المدني والمعارضة لبطء تفعيل هذا الورش وغموضه في جلسة مساءلة رئاسة الحكومة.

بلاغ الديوان الملكي بتشكيل لجنة مكلّفة بمراجعة مدونة الأسرة

بحسب بلاغ الديوان الملكي، تم إسناد الإشراف العملي على إعداد ملف تعديل مدونة الأسرة “بشكل جماعي ومشترك، لكل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وذلك بالنظر لمركزية الأبعاد القانونية والقضائية لهذا الموضوع”. وأضاف البلاغ أن العاهل المغربي دعا المؤسسات المذكورة إلى أن “تشرك بشكل وثيق في هذا الإصلاح الهيئات الأخرى المعنية بهذا الموضوع بصفة مباشرة، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والسلطة الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مع الانفتاح أيضا على هيئات وفعاليات المجتمع المدني والباحثين والمختصين”.

كما أكد البلاغ على “رفع مقترحات التعديلات التي ستنبثق عن هذه المشاورات التشاركية الواسعة، إلى المؤسسة الملكية في أجل أقصاه ستة أشهر، وذلك قبل إعداد الحكومة لمشروع قانون في هذا الشأن، وعرضه على مصادقة البرلمان”.

ملاحظات عامة حول المبادرة

تكرّس هذه المبادرة محورية الإشراف الملكي على ملف تعديل مدوّنة الأسرة بالمغرب كمجال ما يزال محفوظا للمؤسسة الملكية في إطار تفعيل مؤسسة إمارة المؤمنين، رغم ما ينص عليه الدستور من كون هذا المجال يدخل ضمن الولاية العامة للبرلمان الذي تبقى له سلطة التشريع.

وغالبا ما يبرر الفقهاء الدستوريون  هذا التوجه بالرغبة في إبقاء هذا الملف في معزل عن التجاذبات السياسية بين الفرقاء ، خاصة أمام تواجد تيارين أحدهما ينتصر للمرجعية الكونية، والآخر يتشبث بالمرجعية الدينية، وهو ما يبرر اللجوء الى التحكيم الملكي؛

كرست المبادرة الإبعاد التدريجي لملف تعديل مدونة الأسرة من سلطة العلماء وهم “رجال الدين” من الفقهاء الذين كان لهم دور محوري في لجنة إعداد مدونة الأحوال الشخصية في صيغتها الأولى لسنة 1957، حيث تم اعتماد لجنة فقهية محضة من علماء جامعة القرويين وقضاة المحاكم الشرعية، وهي لجنة لم تضم أي امرأة، ومدونة الأسرة لسنة 2004 والتي عرفت بدورها هيمنة واضحة للعلماء، مع تمثيلية محدودة لبعض أساتذة القانون، ولثلاث نساء من بينهن قاضية ورئيسة جامعة وأستاذة في الطبّ[1].

في المقابل، تمّ اللجوء في المبادرة الحالية إلى لجنة إشراف مشتركة تجمع وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وهو ما يعني أن الأمر يتعلق بلجنة قانونية تخصّ المجال القانوني، لا لجنة من الفقهاء.

تمّ حثّ لجنة الإشراف الثلاثية على إشراك المؤسسات الدستورية المعنية وهي المجلس الوطني لحقوق الانسان و المجلس العلمي الأعلى ووزارة التضامن وهو ما يعني إعطاء الأولية للمؤسسات الدستورية عوض الأشخاص، بحيث أضحى رأي العلماء المعتمد هو الرأي الصادر عن المجلس العلمي الأعلى باعتباره مؤسسة دستورية، إلى جانب رأي المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، والقطاع الحكومي المكلف بالمرأة. وبذلك تم الانتقال من لجان يهيمن عليها الفقهاء إلى لجان قانونية، تأخذ بعين الاعتبار أن الأمر يتعلق بقانون بغض النظر عن مرجعيته.

في نفس السياق، تمّ التأكيد على أن تشمل المشاورات المجتمع المدني والباحثين، وذلك تفعيلا للمقاربة التشاركية. وقد سبق للجمعيات النسائية أن اتخذت زمام المبادرة بالدعوة الى تعديل مدونة الأسرة قبل عدة سنوات، سواء من خلال رفع مطلب الإصلاح الشامل والتعديل الجذري، أو إثارة المواضيع الراهنة من قبيل ولاية الأم على الأطفال، و اختلاف الدين في الزواج، و تزويج الطفلات، و تعدد الزوجات، فضلا عن إشكالية نظام الإرث[2].

 ويطرح في هذا المجال أكثر من سؤال حول صيغة المشاورات التي سيتم اجراؤها مع مكونات المجتمع المدني وما إذا كانت ستقتصر على طلب مذكرات الجمعيات الحقوقية، أم ستمتدّ إلى تنظيم جلسات استماع لها على غرار المنهجية المعتمدة من طرف لجنة إعداد النموذج التنموي الجديد، أو اللجنة العليا المكلفة بالحوار الوطني والتي لجأت إلى تنظيم جولات حوار جهوية. كما تطرح أسئلة أخرى حول نطاق هذه المشاورات وما إذا كانت ستقتصر فقط على الجمعيات الوطنية أم سيشمل جمعيات مغاربة العالم وكذلك جمعيات الأجانب بالمغرب والذين تواجههم عدة مشاكل تتعلق بتنازع القوانين وبتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية، وبتطبيق قوانينهم الشخصية.

يلاحظ أنه تم تحديد مدة لعمل اللجنة أقصاها ستة أشهر، مع التأكيد على أن مخرجاتها ستحال على الحكومة لإعداد مشروع قانون يتعلق بتعديل مدونة الأسرة، وأنه سيحال على البرلمان لمناقشته والمصادقة عليه في إطار مسطرة التشريع العادية، وهو توجه تدريجي نحو إضفاء صبغة التشريع العادي علىى مدونة الأسرة، بعدما كانت تصدر قبل 2004 في إطار ظهائر ملكية دون عرضها على أنظار البرلمان.

يلاحظ أن المبادرة لم تحدد المواضيع التي سيشتمل عليها عمل اللجنة، وهو ما يعطي حرية أكبر لها من أجل تحديد هذه المواضيع على ضوء ما ستسفر عنه المشاورات مع المؤسسات الدستورية ومع مكونات المجتمع المدني، رغم أن خطاب العرش لسنة 2022 سبق وأن حدد سقفا لهذه التعديلات حينما أكد أنها “لن تحلّ ما حرّم الله، ولن تحرّم ما أحلّ الله”، وأنها ستتم في إطار “مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية”.

مواضيع ذات صلة

المغرب يفتح ورش مراجعة مدونة الأسرة بعد 18 سنة من صدورها

ورشة لتعديل مدوّنة الأسرة في المغرب: أيّ توافق بين المرجعيّتين الحقوقية والدينية؟

جلسة مساءلة حول تمكين المرأة في البرلمان المغربي: 13000 حالة زواج قاصرات سنويا

تنسيقية المناصفة في المغرب تأخذ زمام المبادرة : مقترح قانون لإقرار المساواة في الإرث

من أجل الارتقاء بأقسام قضاء الأسرة الى محاكم متخصصة في الأسرة بالمغرب

سابقة في اعمال آلية التظلم للأطفال بالمغرب: الجمعيات تطلب الانتصاف لطفلة ضد مقرر قضائي

هكذا يبرر القضاة تزويج الطفلات في المغرب

هل يرفع المغرب الحظر القانوني على الزواج عند اختلاف الدين؟

محكمة النقض بالمغرب تمدّد أجل سماع دعوى الزوجية: تشجيع زواج الطفلات؟

أي دروس لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في المغرب؟ إصلاح نظام الميراث نموذجا

مكانة الشريعة الإسلامية في تشريعات المغرب في ظل الدستور الجديد: استيعاب التناقضات في إطار التوافق وتحكيم “أمير المؤمنين


[1] أنظر لمزيد من التفاصيل :

-أحمد الخمليشي: من مدونة الأحوال الشخصية الى مدونة الأسرة، مطبعة المعارف الجديدة بالرباط، طبعة 2012.

-زهور الحر: اصلاح قانون الأسرة بالمغرب، المسار والمنهجية، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، طبعة 2015.

[2]– حول مطالب الجمعيات النسائية بتعديل مدونة الأسرة، أنظر:

-أنس سعدون: وضعية المرأة المغربية على ضوء منهاج عمل بيجين، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه بكلية الحقوق بطنجة، 2017-2018.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، قرارات إدارية ، الحق في الحياة ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية