انتشار الوباء يخفّف الوصم بحقّ السوريين: مفوضية اللاجئين تسهم في تأهيل 7 مستشفيات حكومية


2021-02-04    |   

انتشار الوباء يخفّف الوصم بحقّ السوريين: مفوضية اللاجئين تسهم في تأهيل 7 مستشفيات حكومية
أطفال يلعبون أمام خيمتهم في مخيم غزة للاجئين السوريين في البقاع الغربي. (داليا خميسي)

يأتي صوت هنادي من وراء الهاتف فرحاً خاصّة وأنّها تجيب على سؤال حول أوضاع المخيّم الذي تعيش فيه مع نحو 500 لاجئ سوري على الأقل، في ظل التفشّي الشديد لوباء كورونا حالياً: “الحمدالله نحن بألف خير”. ليست هنادي ومخيّمها مع بقية اللاجئين بألف خير لأنّهم لم يسجّلوا إصابة واحدة بكوفيد 19 فقط، بل لأنّ علاقتهم بالمحيط “عادت طبيعية”، وفق ما تقول. في بداية انتشار كورونا، كانت موظّفة المستوصف في إحدى البلدات البقاعية، حيث يقع المخيّم، “تصرخ باللاجئين كلّما وصل أحدهم إلى الباب طلباً لدواء أو خدمة طبية “إنت يا سوري/ة خلّيك بعيد”، وفق ما تروي هنادي. أما اليوم فالموظفة نفسها صارت تعامل اللاجئين كما بقيّة اللبنانيين “شكلها عرفت إنّه مش نحن جبنالهم المرض”، تقول بسخرية. صارت تمنع المرضى، سوريين كانوا أم لبنانيين من الدخول بلا كمامة، وتحضّ الجميع على المحافظة على مسافة أمان. وما تقوله هنادي نسمعه من أشخاص آخرين صبّت شهاداتهم في الاتّجاه نفسه وذلك بخلاف ما كنّا سمعناه في الأشهر الأولى للجائحة. فكأنّما تطوّر هذه الجائحة وانتشارها وزيادة المعرفة بشأنها كلّها عوامل أدّت إلى تراجع إمكانية وصم المخيّمات السورية أو اللاجئين السوريين بها، هم الذين وُصموا وما زالوا بأشياء كثيرة مكروهة تماماً كما يحصل عادة مع الفئات التي يتوجّس الرأي العام منها ومن وجودها.

وفيما كان وصم اللاجئين اتّخذ سابقاً شكل تدابير جماعية بحق المخيّمات عند الاشتباه بأي إصابة، تشير الشهادات التي تمّ توثيقها إلى تراجع هذا النوع من التدابير مؤخراً، وإن استمرّت العقوبات الجماعية ضد هؤلاء لهذا السبب وذاك، كما حصل بعيد مقتل أحد أبناء بلدة بشري أو بعيد خلاف شخصي انتهى إلى إحراق المخيم 9 في بحنين، شمال لبنان.

ومع مراعاة ما تقدّم، تحاول هذه المقالة الإحاطة بما وثقّناه من شهادات من لاجئين سوريين في فترات زمنية مختلفة، تظهيراً للتحوّلات في كيفية التعاطي مع مخيمات اللاجئين في زمن كورونا.

 

عودة إلى نيسان 2020:

علبة بنادول تتسبّب بطرد عائلتين

أوائل نيسان 2020، خرج فتى سوري من خيمة أهله، في إحدى المناطق الزراعية في محافظة جبل لبنان، ليشتري علبة بنادول من الدكان الصغير القريب من تجمّع يضمّ نحو خمسين عائلة سورية. ما أن عاد إلى خيمته حتى تبعه نحو 10 شبّان متطوّعين لمساعدة البلدية في تنفيذ إعلان التعبئة العامة المطبق في البلاد منذ 15/3/2020، والذي ترجمته بعض السلطات المحلية بمنع تجوّل السوريين القاطنين في نطاقها البلدي. أراد متعقّبو الفتى التحقيق في السبب الذي دفع العائلة إلى شراء البنادول “البنادول يعني في أعراض إنفلونزا، يعني ممكن حدا من بيناتكم معه كورونا”. وإذ اعترض أب العائلة على هذه الرقابة المتشددة: “كل الناس بيوجعها راسها”، اندلع، حسب جاره، إشكال تطوّر إلى تضارب. لم يكتفِ المتطوّعون بضرب أفراد العائلة وعددهم نحو ثمانية أشخاص، بل طلبوا من البلدية ترحيلهم من المنطقة تحت طائلة التوقّف عن مساعدتها. انْصاعت البلدية لطلبهم وأمرت صاحب البيت، مع عائلته وعائلة ابنه المتزوّج بالمغادرة، برغم مكوثهم في البلدة منذ سبع سنوات. ولم يتمكّن هؤلاء من حمل أغراضهم معهم حتى.

في قصة مشابهة ولكن لم تصل حدّ الترحيل من البلدة، يروي لـ”المفكرة” مواطن من إحدى البلدات العكارية ما حدث مع لاجئ سوري يعاني من عوارض الإنفلونزا قصد صيدلية البلدة التي يعيش فيها لشراء دواء يساعده في تخفيف الاحتقان الذي يعاني منه. وما إن عاد هذا اللاجئ إلى حيث يسكن حتى ضرب حراس البلدية ومعهم بعض السكان طوقاً حول المبنى طالبين من سكّانه السوريين الحجر الصحي لشكّهم في إصابته بكورونا. أرغم الرجل على الذهاب إلى مستشفى رفيق الحريري في بيروت لإجراء فحص كورونا. بعد الفحص، طلبت منه المستشفى العودة إلى بيته وحجر نفسه ريثما تظهر النتيجة. لم يكن اللاجئ يملك أجرة طريق العودة، ما اضطرّه إلى جمع المال من جيرانه وأقاربه لإعادته إلى البلدة وسط هرج ومرج ومراقبة للتأكّد من عدم خروجه، وطبعاً تداولت كلّ البلدة أنّ فلاناً مصاب بكورونا رغم أنّ “ذلك غير صحيح”.

وفي الوقت الذي يعتبر فيه كثير من اللبنانيين والمسؤولين أنّ التضييق يطال السوريين واللبنانيين، تحدّث شاب يعمل في خدمة نقل المياه في إحدى مناطق جبل لبنان، عن تمييز سلبي ضد السوريين تحديداً “مثلاً نعمل كسوريين ولبنانيين في شركة تنورين للمياه. تسمح البلدية للبنانيين بالتوجّه يومياً بشكل طبيعي إلى العمل في الشركة وتمنع السوريين”، ليسأل “أليس هذا القرار عنصرياً؟”، مؤكّداً أنّ المياومين في الشركة يتقاضون 30 ألف ليرة عن كل يوم عمل. “من وين بدنا نجيب لنعيش، وهل الكورونا تصيب السوري ولا تصيب اللبناني؟ أم أنهم يعتبروننا موبوئين ومرضى لمجرد انتشار الكورونا في لبنان”. 

 عشرون شرطياً إضافياً لحراسة 15 ألف سوري

بلدية أخرى وظفت عشرين شرطياً إضافياً لمراقبة اللبنانيين وضبط تحركاتهم، وفق ما يقول موظف في إحدى المنظمات الدولية لـ”المفكرة”. ويؤكد أنّ بلدية تلحياة في سهل عكار، على سبيل المثال لا الحصر، وظّفت عشرين شرطياً إضافياً لحراسة نحو 15 ألف لاجئ سوري يقطنون في نطاقها البلدي في مناطق قعبرين وكفرملكي والمقيطع وتلحياة موزّعين على 141 مخيماً يضمّ كلّ منها ما بين 4 إلى 150 خيمة. ويقفل هؤلاء مداخل التجمّعات السورية ويتركون مدخلاً واحداً يسمحون فيه بالخروج للضرورة القصوى فقط “مثلاً إذا بدنا نروح ع الحكيم لازم نجيب معنا تقرير طبي حتى يخلّونا نرجع نفوت ع خيمتنا”، وفق ما تؤكد لاجئة في المخيم لـ”المفكرة”.

مصدر في بلدية تلحياة يضع إجراءتها في إطار المحافظة على المجتمع من سوريين ولبنانيين “منع التجوّل يسري على الجميع، ونحن نسمح بخروج شخص ليشتري حاجيات بقية القاطنين في المخيم عند الحاجة”.

 ترحيل جماعي لسكّان 50 خيمة

بتاريخ 14 نيسان 2020، منعت خليّة الأزمة في بلدية غزّة في البقاع الغربي لاجئة سورية من العودة إلى المخيّم 011 الذي كانت خرجت منه للتبضّع في بلدة برّ الياس استعداداً لتجهيز منزلها بعد عقد قرانها على أحد أبناء المخيّم نفسه. وإذ تذرّعَت الخليّة بتنفيذ قرار التعبئة العامّة وحظر التجوّل إلّا للضرورة، قامت العروس في سيارة تقلّها مع أمّها وأربعة أشخاص آخرين بدخول المخيّم بعد الالتفاف على الحاجز أمامه فلحق بهم شبّان خليّة الأزمة الذين تعاركوا مع شبّان من المخيّم ما أدّى إلى وقوع جرحى من الطرفين نتيجة إطلاق النار والتضارب بالعصي والسكاكين والحجارة.

وإثر الحادث، نُشر فيديو يظهر تجمهر مجموعة من الشبّان السوريين وهم يضربون بعنف أحد عناصر الخلية، وهو ما استنفر شبان البلدة وأهلها الذين طالب بعضهم بالثأر من المعتدين وطرد كامل المخيّم الذي يضمّ 50 عائلة لاجئة من البلدة نهائياً.

وعليه، اجتمعت بلدية غزّة الأربعاء في 15 نيسان 2020 واتّخذت القرار الرقم 5 بـ”إزالة المخيّم المذكور بالسرعة القصوى خارج منطقة البقاع الغربي، وإزالة أي خيمة بعدما يتم التعرف إلى صاحبها بأنه شارك في الإشكال حتى لو كانت من خارج مخيم عبدو كلينتون”، وذلك “تفادياً لأي مشكلة قد تحصل مستقبلاً ودرءاً لأي ردة فعل قد يقوم بها شبان البلدة أو من أهل المخيم”.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، بعد أن فشل اللاجئون في المخيم في العثور على مكان يستقبلهم في ظلّ رفض جميع المناطق استقبال لاجئين جدد في زمن كورونا، وكذلك منع تجوالهم، وبعد أن استبشروا خيراً بما نقل عن رفض وزير الداخلية قرار البلدية بإخلاء المخيم، هاجمت مجموعة من أبناء بلدة غزة المخيّم حيث تجدد الإشكال. وقام المهاجمون بتمزيق وهدم عدد من الخيم وضرب بعض أهله ممّن شاركوا في الإشكال في اليوم السابق ومن بينهم شاويش المخيم عبد الحجة وصهره عوض محمود السويران.

وخلال الإشكال، قامت بلدية غزة، وفق ما أكد رئيسها محمد المجذوب لـ”المفكرة”، بالاتّصال بالجيش اللبناني في المنطقة لضبط الوضع وهو ما حصل. وعلمت “المفكرة” من مصادر مطلعة أن الجيش قبض على عدد من الشبان اللبنانيين المشاركين في إطلاق النار في اليوم الأول، ومن المعتدين بالضرب على بعض أهل المخيّم في اليوم الثاني، وركّز نقطة أمنية بالقرب من المخيم لمدة 24 ساعة بعد الإشكال. وأوضح المصدر أن الجيش أبلغ المعنيين أنّ لا إجلاء للمخيّم في ظلّ الوضع الراهن ولا عقوبة جماعية للاجئين فيه.

ولكن ما حصل لم يمنع هروب الغالبية الساحقة من سكان المخيم. وقال أحد اللاجئين لـ”المفكرة”: “لم يبقَ سوى عائلة واحدة أو عائلتان كحدّ أقصى داخل المخيم. لقد خافت العائلات من اعتداءات جديدة وهرب الجميع”. ووصلت إلى “المفكرة صور” تظهر الدمار الذي حلّ ببعض الخيم في المخيم، كما فيديو يظهر المخيم خالياً من سكانه. يومها نام عدد كبير من عائلات اللاجئين على ضفاف الليطاني، أو تلطوا في حقول القمح، بعدما لم يجدوا من يؤويهم.

التفشّي الشامل للوباء وقلّة الإصابات بين اللاجئين تخفّف الوصم 

تقول إيمان عبدالله محمد، وهي عضو لجنة المخيمات في قعبرين في سهل عكّار، إنّ الوضع حالياً أفضل بكثير ممّا كان عليه سابقاً “خصوصاً أنّ حالات تفشّي كورونا هي أكبر بكثير بين اللبنانيين عنها بين السوريين”. ويشير علي طه من بلدية تلحياة في عكار، إلى أنّ 20 شرطياً بلديّا ًكانت عيّنتهم البلدية في بداية انتشار كورونا لضبط أمور المخيمات في البلدة، توقفوا اليوم عن القيام بهذه المهمة وانتقل سبعة منهم إلى مركز الحجر الصحي الذي أقامته المفوضية بعدما قدمت البلدية المبنى. واستعاضت البلدية عن مراقبة المخيّمات بتشكيل لجان من اللاجئين في المخيمات الـ141 الموجودة في نطاق تلحياة لتنظيم أوضاعها وحماية سكانها، بالتنسيق مع المفوضية والمنظمات الشريكة”. وعليه تقول إيمان محمد “ننشر التوعية بين اللاجئين ونوزّع منظفات وكمامات عندما تتوفر، ونرشد من لديهم عوارض لإجراء فحص PCR، وكذلك الحجر وكيفيته”. ومن 250 خيمة تعمل معهم إيمان، لم يصب بكورونا سوى لاجئتين اثنيتن، لم يستلزم وضعهما الاستشفاء.

يقول أحد اللاجئين الذي أصيب بكورونا في البقاع إنّه حجر نفسه في منزله “كنّا إذا كرّبنا ما نسترجي نعطس، اليوم الوضع أفضل”. ولا ينكر الوصم الذي يتعرض له مريض كورونا “طبعاً الناس بتخاف من مريض كورونا وهيدا حقّها، أنا كمان بخاف”. لكن المختلف اليوم، كما تقول ابنته، “المريض لبناني كان أو سوري العالم بتعامله كأنه جربان أو شي حرامي أو كأنّه جاب المرض عن قصد ورح يمرّض كلّ الحي”. وتفسّر ذلك بزيادة أعداد المصابين بكورونا “العالم مرعوبة من كورونا ومن العدوى وهيدا طبيعي”. وهو ما يوافق عليه علي طه من بلدية تلحياة، مشيراً إلى أنّ اللبنانيين أدركوا مع الوقت أنّ كورونا لا تصيب السوريين فقط “بل للحقيقة الإصابات بين اللبنانيين أعلى بكثير، يمكن السوريين عندهم مناعة أكتر منّا”.

سهير، اللاجئ السوري في إحدى بلدات جبل لبنان، يدلي بشهادة ذهبت في الاتجاه نفسه. يعطي مثالاً على ذلك إنّه قصد أمس دكّانة الحي الذي يسكن فيه وكان قد نسي وضع كمامته “ومع هيك طلب مني صاحب المحل إبقى برا وناولني الأغراض”. يقول سهير الذي يسكن في تجمّع يضمّ مئة خيمة للاجئين “أوّل كورونا كانت خليّة الأزمة التابعة للبلدية تحاصرنا وتمنعنا نطلع حتى عَ شغلنا، اليوم ما عاد حكي معنا شي”. وسهير يسكن في المخيم الذي وقعت فيه قصة علبة البنادول التي كانت المفكرة قد وثقتها: “وين كنا ووين صرنا”، يقول سهير، جار العائلتين اللتين طردتا إثر إشكال البنادول: “صحيح ما رجعو جيراننا عالمخيم، بس هلأ ما بقى في تمييز ضدّنا بموضوع كورونا، إذا ممنوع التجوّل فممنوع ع الكلّ”. ويستثني سهير ما يسمّيه بـ”الأمنيات”، موضحاً أنّ البلدية تسأل وتدقّق في أوضاع أيّ لاجئ “بيروح وبيجي كتير أو بيزوره غرباء، وهذا حقّهم، بدهم يدقّقوا بالوضع الأمني وبعتقد هالشي مطلوب من المخابرات أو الجيش” كما يقول.  

وفي سياق التأكيد على تراجع الوصم عن اللاجئين بخصوص كورونا، تؤكّد الناطقة الإعلامية باسم المفوضية دلال حرب لـ “المفكرة” أنّ المفوضية “تشهد تضامناً من اللبنانيين تجاه السوريين من خلال أنشطة المراقبة التي تقوم بها حيث تدعم العائلات اللبنانية جيرانها من اللاجئين خلال هذا الوقت الصعب في جميع أنحاء لبنان”. ولفتت حرب إلى أن “أكثر أنواع الدعم ومبادرات التضامن التي يتم الإبلاغ عنها بشكل متكرّر تتمثل بمساعدة اللاجئين على شراء الطعام ومشاركته والسماح لهم بالشراء بالدين والموافقة على خفض الإيجارات أو تأجيل دفعها”.

مناعة أم قلّة فحوصات؟

تبيّن أرقام وزارة الصحة اللبنانية وجود 226948 إصابة في لبنان لغاية مساء الثلاثاء 12 كانون الثاني 2021، ووفاة 1705 شخصاً، بينما تؤكّد مفوضية اللاجئين لـ”المفكرة” أنّه منذ ظهور الإصابة الأولى بكوفيد 19 بين اللاجئين السوريين في نيسان 2020، تمّ تسجيل 2409 إصابات بين السوريين لغاية الآن (12 كانون الثاني 2021)، توفّي من بينهم 76 شخصاً، في حين تمّ إدخال 335 مصاباً إلى المستشفى. مع العلم أنّ اللاجئين السوريين يشكّلون نحو ثلث سكان لبنان حالياً.

يردّ محمود، وهو مدير مشروع في إحدى الجمعيات العاملة مع اللاجئين في إحدى المناطق اللبنانية، قلّة الإصابات بين اللاجئين إلى انخفاض أعداد فحوصات PCR “مرّة بشغلنا لقينا عوارض كريب قوي على عدد كبير من سكّان أحد المخيمات وما حدا راح عمل فحص ورجعوا صحّوا كلّهم”. ويعيد الأمر إلى تجنّب اللاجئين دفع مبلغ “50 ألف ليرة قيمة الفحص في مستشفى الحبتور في جرد عكار، و150 ألف في مستشفى حلبا”. ولكي يصل الّلاجئ من سهل عكار إلى مستشفى الحبتور عليه “أن يدفع نحو 50 ألف أجرة التاكسي، لذلك لا يتّصل بالمفوضيّة لإجراء الفحص إلّا من يشعر بعوارض تستدعي الاستشفاء”. ويدعم محمود كلامه بفحص المناعة الذي أجرته الجامعة اللبنانية الأميركية مع مستشفى رزق لخمسين عيّنة عشوائية في حلبا مؤخراً إذ تبين “أن 12 شخصاً من أصل خمسين شخصاً قد أصيبوا بكورونا وشفيوا من دون أن يعرفوا ذلك، يعني 22% من بينهم”، كما يؤكد محمود، مشيراً إلى أنّ العيّنة شملت لبنانيين وسوريين. وحول التهرّب من كلفة فحص كورونا، تشير الناطقة الإعلامية في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين دلال حرب لـ”المفكرة” إلى أنّ المفوضية تتكفّل بتغطية فحص كورونا وكذلك استشفاء من يحتاج لذلك من بين اللاجئين بنسبة 100%. وهي تؤكّد أنّ هذه التغطية تشمل جميع السوريين المتواجدين في لبنان سواء المسجّلين مع المفوضيّة، وهم لا يتجاوزون 50% من عددهم، أو غير المسجّلين منهم وفق اتفاق المفوضيّة مع وزارة الصحة. ويؤكّد المشرف على خطّة الاستجابة للأزمة السورية في لبنان في وزارة الشؤون الاجتماعية عاصم أبي علي لـ”المفكرة” وجود “ما لا يقلّ عن مليون ونصف المليون نازح سوري في لبنان”. ويردّ قلّة الفحوصات بين اللاجئين “ربما إلى كون 20% فقط من السوريين يملكون إقامات نظامية كما تقول المفوضية”، مضيفاً إليه الخوف من وصم مريض كورونا أو من تظهر عليه العوارض.

المفوضيّة تسهم في تجهيز سبع مستشفيات حكومية

تؤكد دلال حرب، الناطقة باسم المفوضية، أنّ الأخيرة بذلت ومنذ شباط 2020 ولغاية اليوم “الجهود لإعادة تأهيل وتوسيع سبع مستشفيات حكومية في كل من بيروت وصيدا وبعلبك ورياق وزحلة وطرابلس وحلبا، وبناء مرافق مخصّصة لتوسيع المستشفيات أو إعادة تأهيل الأقسام الموجودة غير المستخدمة وتجديدها بمعدّات طبية ستبقى للمستشفيات ليستفيد منها اللبنانيون واللاجئون معاً”.

في المقابل، وأمام اتسّاع رقعة انتشار الوباء وكثرة الحالات التي تستدعي الاستشفاء، تدور نقاشات اليوم بين بعض اللبنانيين حول ضرورة تخصيص المستشفيات لاستقبال المرضى اللبنانيين فقط بكورونا، وفق ما وثّقه أحد الناشطين في منظمة حقوقية لـ”المفكرة” “عم يقولوا لازم المفوضية تعملّهم مستشفى يتحكّموا فيها، والّلي فينا مكفّينا، ومستشفياتنا مش سايعتنا إلنا”. 

هذه المعطيات لا تجد صداها عند اللاجئة السورية في سهل عكار سحر. تروي صديقة سحر لـ”المفكرة” تفاصيل الأيام الصعبة التي قضتها الأخيرة إثر اكتشاف إصابتها بكورونا بالصدفة. سحر مسجّلة لدى المفوضية، وحددت لها الطبيبة بداية الشهر المنصرم موعد ولادتها بعد عشرة أيام. لذلك كان عليها أن تقصد مستشفى الحبتور في جرد عكار، وتحديداً قرب أحرار، لتجري فحص الدم اللازم. دفعت سحر خمسين ألف ليرة لإجراء الفحص وعادت إلى منزلها. بعد يومين، هاتفتْها المستشفى وطلبت منها تأمين وحدتي دم كونها ستخضع لعملية قيصرية. ركب زوجها التاكسي مع متبرّعين من اللاجئين ودفع خمسين ألفاً للتاكسي و150 ألف لحفظ وحدتي الدم في برّاد المستشفى.

يوم ولادتها قصدت سحر المستشفى لتفاجأ بضرورة إجرائها فحص PCR قبل الدخول، وعليه انتظرت أمام المستشفى حتى ظهور النتيجة. لسوء حظها جاءت نتيجتها إيجابية، فطردتها المستشفى على الفور ورفضت طبيبتها إجراء العملية لها. وبعد توسّل زوجها وخوفه من مضاعفات عدم إجراء العملية لزوجته التي حان موعد ولادتها، نصحتها الطبيبة بالتوجّه إلى المستشفى الحكومي في طرابلس. استأجرت العائلة تاكسي من جديد وقصدت طرابلس. هناك فعلاً أجرى لها أحد الأطباء العملية ومن ثم طُلب من الوالد الذهاب بطفله إلى منزله في المخيّم في قعبرين في سهل عكار بعدما كشف عليه طبيب الأطفال وتأكد أنه بخير، مما اضطرّ العائلة إلى إيداع الرضيع لدى جارتهم ريثما تعود أمه إلى المنزل. لكن سحر اضطرت لدفع 650 ألف ليرة للمستشفى بعد بقائها فيها يوماً إضافياً إثر العملية، بدل 225 كانت ستدفعها فرق تغطية المفوضية لولادتها في الحبتور. 

90% من اللاجئين تحت خط الفقر المدقع

ترى حرب أنّ سنوات من “النزوح وانعدام الحلول، والأزمة الاقتصادية العميقة في لبنان والأثر المدمّر لفيروس كورونا المستجدّ، دفعت اللاجئين إلى وضع أسوأ من الفقر واليأس، حيث يعيش “نحو 90% من اللاجئين السوريين في لبنان الآن تحت خط الفقر المدقع، في مقابل 55% في 2019، إضافة إلى زيادة ديونهم، وفقاً لتقييم هشاشة اللاجئين السوريين لعام 2020 (VaSyR).

وتبيّن دراسة أطلقتها المفوضية والبنك الدولي بعنوان “مضاعفة سوء الحظ: التغيّرات في مستوى الفقر منذ ظهور فيروس كورونا المستجد حول اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة” في كل من الأردن وإقليم كردستان العراق ولبنان، أنّ الأخير كان الأكثر تضرّراً بين البلدان الثلاثة بفيروس كورونا، حيث تفشّى الوباء في بلد يعاني بالفعل من الانهيار السياسي والإقتصادي، وارتفاع التضخّم وتراجع الناتج المحلي الإجمالي.

وتشير المعطيات إلى أنه بعد فترة وجيزة من انفجار مرفأ بيروت، من المتوقّع أن يقع ثلث اللبنانيين في دائرة الفقر ومعهم ما يصل إلى 840.000 لاجئ سوري جعلهم كوفيد 19 أكثر عرضة للخطر. وبعدما تفصّل حرب في إجراءات المفوضية لمواجهة الفقر وكورونا حيث تمكنت من تخفيف الفقر بنسبة 8%، تشير إلى أن اليأس بين اللاجئين يؤديّ إلى مشكلات خطيرة في الصحة العقلية وزيادة الضغط على قدراتهم للتعامل مع سنوات من النزوح. وتستشهد بما وثقته “المفكرة” لتشير كيف يدفع اليأس اللاجئين إلى حافة الهاوية، حيث أضرم لاجئ سوري النار بنفسه مؤخراً في البقاع، وتوفي بشكل مأساوي من الحروق، نتيجة وضعه. وتؤكّد أنه، في الأشهر القليلة الماضية، شهد مركز الإتصال التابع للمفوضية زيادة ملحوظة في الإبلاغ عن نوايا الانتحار وإيذاء النفس بين اللاجئين.

أية استجابة لبنانية رسمية لوضع اللاجئين؟

يرى عاصم أبي علي، المشرف العام على خطة الاستجابة للأزمة السورية في وزارة الشؤون الإجتماعية، أنّ السوريين هم جزء من المجتمع ويعانون المعاناة ذاتها التي يعانيها اللبنانيون، نافياً تسجيل أيّ انتهاكات متعلّقة بكورونا بحقّ السوريين في المخيّمات وخاصة انتهاكات جماعية. “قد تحصل بعض الخلافات، ولكنها خلافات شخصية على مشاكل عامة مرتبطة بالوضع الاقتصادي أو المنافسة على سوق العمل أو لها علاقة بالإيجار”، كما يرى. ويلفت إلى أنّ قرارات البلديات كانت تشمل اللبنانيين والسوريين “حتى أنّ البلدات التي أقفلتها الوزارات المختصّة طُبّقت إجراءاتها على اللبنانيين والسوريين وليس السوريين فقط”.

ويقول إنّ “النازحين السوريين هم جزء من اهتمامات خطة الاستجابة للأزمة ولجنتها في السرايا الحكومية “وتم العمل مثلاً على تسيير مستوصفات جوّالة إلى عدد كبير من المخيمات، وآخرها في حزيران 2020 حيث تمّ إجراء نحو 4000 فحص كورونا جاءت نتيجتها كلّها سلبية يومها”.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، تحقيقات ، جائحة كورونا ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مجلة ، مجلة لبنان ، منظمات دولية



لتعليقاتكم