انتدابات الوزير مشاريع وهمية تخفي مخططات مستقبلية


2014-01-23    |   

انتدابات الوزير مشاريع وهمية تخفي مخططات مستقبلية

اختار وزير العدل التونسي أن تتضمن كلمته في افتتاح محاضرات التمرين للمحامين المتمرنين يوم 18/1/2014 اعلانه "عن عزمه انتداب 533 قاضيا جديدا خلال سنتي 2014 و2015 في الرتبتين الثانية والثالثة من بين المحامين المباشرين والاساتذة الجامعيين". وبدا الاعلان في ظاهره وفي تبريره المعلن مشروعا طموحا غايته "دعم سلك القضاة باعتبار حاجته لتطعيمه بعدد من القضاة لمواجهة تراكم الملفات"، غير أن غياب أي أثر لكلفة المشروع المعلن في مداولات الموازنة العامة لوزارة العدل وحصول الاعلان بعد استقالة الحكومة يطرحان السؤال حول خلفية الاعلان ومدى جديته.

وقد سعى وزير العدل من خلال الإعلان الى تأكيد اعتزامه تفعيل القانون الاساسي للقضاة عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14/07/1967 الذي يجيز له الانتداب المباشر لأساتذة جامعيين ومحامين للعمل بالقضاء دون حاجة للانتداب عن طريق المناظرة. ويكون بذلك قد أعلن فصلا ثانيا لسعيه التدخل في التعيينات القضائية بعد ان فشل في مواجهة الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في خصوص تفعيل ذات القانون في تعيينات سامي القضاة. وانتهى الوزير هذه المرة الى ايجاد تحالفات له في حربه قوامها المحامون الذين كانوا يطالبون سابقا بالاعتراف الفعلي بحقهم في الالتحاق بالقضاء بشكل يساوي بينهم والقضاة الذين يلتحقون بالمحاماة. وبدا بالتالي اعلان الوزير سعيا الى تذكية الصراع بين المحامين والقضاة، ومحاولة لاستخدام نفوذ المحامين السياسي للالتفاف حول تفرد الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي بصلاحية تسمية القضاة.

ويبدو أن التصريح في بعده الحقيقي مشروع سياسي لبرنامج صراع موضوعه مستقبل القضاء. فعدد القضاة المعلن اعتزام انتدابهم والرتب القضائية التي ذكر انه يستهدفها يكشف عن سعي خفي لتغيير تركيبة القضاء في رتبه العليا باعتماد آليات انتداب تسمح للسياسي بتخير القضاة الجدد وفق معايير يمكنه عدم الافصاح عنها عملا بما لديه من سلطة تقديرية. وهذا الأمر يرجح أن اعلان الوزير هو بمثابة بالون لاختبار ردود الفعل على تصور يدرس في مختبرات السياسيين للاستيلاء على القضاء تحت غطاء مجابهة ضغط العمل.

وخلافا لتصورات المسؤول الحكومي، فان اعلانه لم يجد قبولا في الاوساط الحقوقية ولدى الاساتذة الجامعيين الذين أبدوا خشيتهم منه بعدما تبين لهم أن الغاية منه هي خدمة فئة سياسية تسعى للسيطرة على القضاء. كما واجه طلبة كليات الحقوق ذات المشروع باحتجاجات واسعة بعدما اعتبروه اعتداء على حقهم في الالتحاق بالقضاء ولم تفلح تطمينات الوزير لهم في انهاء رفضهم للمشروع.

ادى الارتجال في حديث اصلاح القضاء الى تغذية الخشية من المساعي لإفساده، كما اعاد الارتجال الصراع بين القضاة والمحامين الى واجهة الاحداث بعد تلاحمهم في الدفاع عن استقلالية القضاء في مشروع الدستور. ومنعت مبالغة الطرف الحكومي في سعيه لإغراق القضاء "بعناصر منتقاة" من التناول الرصين لاستعمال انتداب الخبرات القانونية كأداة لتطوير القضاء وتحديثه، فكانت السياسة سببا في الازمة وعائقا أمام الاصلاح. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية