امتياز ضريبي لـ”رسل العدالة” مقابل تجريدهم من الحرية

امتياز ضريبي لـ”رسل العدالة” مقابل تجريدهم من الحرية

تقدّم النائب جورج عدوان باقتراح قانون يرمي إلى إعفاء المحامين من الضريبة على القيمة المضافة، وذلك عبر إضافة الخدمات التي يقدّمها المحامون إلى الاستثناء على الخضوع لهذه الضريبة بموجب المادة 16 من القانون 379/2001. كما وينصّ الاقتراح على بدء العمل بمفعول رجعي به منذ العام 2020. الأسباب الموجبة للاقتراح تعتبر أنّ المحاماة مهنة تهدف إلى تحقيق رسالة العدالة والدفاع عن الحقوق وتُسهم في تنفيذ الخدمة العامّة ما يبعدها عن الطابع الاقتصادي للمهن الأخرى. وقد أضافت الأسباب الموجبة أنّ تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية أدّى إلى جعل رقم الأعمال المحدّد للخضوع للضريبة على القيمة المضافة (100 مليون ليرة) رقما سهل التحقيق، بخاصة أنّ رقم الأعمال يُحتسب للمكتب ككل وليس للمحامي الفرد فيه. كما أضافت بأنّ تكليف المحامي بهذه الضريبة سيزيد من الأعباء على المحامي والموكّلين في آنٍ معا ما يؤدّي إلى استغناء بعض الموكلين عن توكيل المحامين وما يحمل من مخاطر على الحقوق.

وقبل إبداء ملاحظاتنا على هذا الاقتراح، يجدر لفت النظر إلى أمرين:

  • إن هذا الاقتراح سبق وأن دُرس في لجنة التشريع في نقابة المحامين. وقد وُجّه كتابٌ بشأنه من نقيب المحامين في بيروت ناضر كسبار إلى رئيس مجلس النواب نبيه برّي طالبا إدراجه في أوّل جلسة يعقدها المجلس النيابي. وفي حين سارع النائب عدوان تبعا لذلك إلى تقديم هذا الاقتراح، يلحظ أنه  لم يقدّمه بصيغة المعجّل المكرّر، مما سيفرض إحالته إلى اللجان النيابية قبل أن يتم عرضه على الهيئة العامّة لمجلس النواب خلافا لما طالب به نقيب المحامين.
  • إن النائب عدوان عاد وتقدم مع النائبين غادة أيوب وجورج عقيص في تاريخ 8/2/2023 باقتراح قانون لرفع الحد الأدنى للتكليف بالضريبة على القيمة المضافة إلى ملياري ليرة، أي ما يعادل بحسب سعر صرف الدولار حالياً حوالي 20000 دولار سنوياً، أي ما يعادل أقل من ثلث الحد الأدنى بالدولار والذي كان معمولا به قبل انهيار العملة الوطنية. 

خدمات المحاماة تؤدي رسالة عدالة؟ 

تطلب نقابة المحامين منح امتياز للمُحامين من الضريبة على القيمة المُضافة، باسم رسالة العدالة التي يحملُها المحامون. إلا أن هذه الحجة تقبل الانتقاد من زاويتين: أولا، أنها تفترض أن جميع خدمات المحاماة هي خدمات تروم العدالة مما يفرض تطبيق الامتياز على المحامين بصفاتهم هذه بمعزل عن ماهية الخدمات التي يقدمونها. بذلك، تستفيد خدمات المحاماة التي قد تقدّم لصالح المصارف أو مرتكبي الإثراء غير المشروع من هذا الامتياز بناء على افتراض أنها تروم العدالة، مثلها مثل الخدمات التي قد يقدمها محامون بهدف الدفاع عن الحقوق والحريات أو الفئات الهشة أو المهمشة. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد هو اشتمال تعريف الخدمات الخدمات الاستشارية كما خدمات الترافع أمام المحاكم وغياب أي رقابة فعلية من قبل النقابة على التزام المحامين بقول الحقيقة في القضايا التي يتوكلون فيها أو أيضا التزامهم بعدم استخدام الوسائل غير المشروعة في الدفاع عن وجهات نظر موكليهم.

أيحتاج رسل العدالة إلى امتيازات ضريبيّة أم إلى الحرية للدفاع عنها؟

ما يلفت أيضا هو التناقض الحاصل في منطق نقابة المحامين. ففيما تبادر إلى المطالبة بامتياز للمحامين بحجة أنهم رسل عدالة، فإنّها تسارع بعد أسابيع قليلة إلى تجريدهم من حقوق أساسيّة وتحديدا حرية التعبير، وذلك بموجب القرار الصادر عن مجلس النقابة في 3 آذار 2023. فكيف توفق النقابة بين تصورها لدور المحامين على هذا الوجه وصولا إلى المطالبة بمنحهم امتيازا ضريبيا وبين فرضها رقابة مسبقة على حريات من تعدهم رسلا؟ فهل تتحقق رسالة العدالة بتجميع الأموال ومنع الخزينة العامة من اقتطاع أي منها أم بضمان حرية الدفاع عن العدالة في وجه كل نافذ؟ من البين أن تزامن هذين الأمرين إنما يدل على أن الإدلاء برسالة العدالة ليس سوى ذريعة لتحقيق امتيازات ضريبية يستفيد منها كبار المحامين بشكل خاصّ، امتيازات قد تساعد مجلس النقابة على الانقضاض على الحرية التي لا رسالة عدالة من دونها. 

معالجة انهيار العملة بامتياز ضريبي للمحامين أم بتصحيح أصول التكليف بالضريبة للجميع؟ 

أخيرا، يبرّر النائب عدوان منح الامتياز لفئة المحامين بتدهور سعر الصرف فيما يتعلّق بأرقام الأعمال المطلوبة للتكليف بالضريبة على القيمة المضافة، من دون أن يولي أي اهتمام للفئات والمهن الأخرى كافة.  هذا المنحى بدوره غير مقنع وبخاصة أن عدوان وآخرين تقدموا كما سبق بيانه باقتراح قانون آخر برفع الرقم الذي على أساسه يتم التكليف. فما معنى أن يخص عدوان هذه الفئة باقتراح على حدة؟ وألا يفتح هذا الاقتراح الباب واسعا أمام سائر المهن للمطالبة بإعفائها من الضريبة على القيمة المضافة بحجة أنّها تؤدّي هذه الرسالة أو تلك؟

خلاصة:

يتبين مما تقدم ضعف الأسس التي انبنى عليها الاقتراح. ولهو من الأجدى العمل على رفع رقم الأعمال الذي بموجبه يتم تكليف الفرد بالضريبة على القيمة المضافة من دون منح أي امتياز خاص للمحامين عملا بمبدأ المساواة أمام القانون. أما القول بأن المحامين رسل عدالة لتبرير الإعفاء، فهو يفرض ربط الإعفاء بطبيعة الخدمة المقدمة ومدى ارتباطها بالعدالة من دون افتراض أن جميع خدمات المحامين كذلك. وهو يفرض علاوة على ذلك احترام حريتهم بالتعبير لعدم جواز قمع حرية من يفترض أنه كذلك. 

للاطّلاع على اقتراح القانون، إضغطوا هنا

انشر المقال



متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، المهن القانونية ، المرصد البرلماني ، البرلمان ، إقتراح قانون ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية