اليمن وقضاؤه بين الشرعية الدستورية وشرعية اللجان الثورية (1/2)


2015-03-20    |   

اليمن وقضاؤه بين الشرعية الدستورية وشرعية اللجان الثورية (1/2)

في غضون الشهرين الماضيين، تسارعت وتيرة الأحداث السياسية واحتدمت بتقديم رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء استقالتهما، وعدم قدرة البرلمان عقد اجتماعه للبت فيها. وفي موازاة ذلك، أصدرت حركة انصار الله إعلاناً دستورياً وفق وصفها له[1]، تضمن تشكيل مجلس رئاسي من خمسة أشخاص –حتى الان لم يسمّ أي منهم- وتم تعطيل العمل بنصوص الدستور التي تتعارض مع نصوص الإعلان، وكذلك حل البرلمان. تبعا لذلك، يقرر الرئيس منصور هادي الرجوع عن استقالته بعد تمكنه الانتقال الى محافظة عدن، ليعلن صنعاء عاصمة محتلة بيد حركة لانصار الله، معتبرا أن الحركة قد قامت بانقلاب ضد الشرعية وأن جميع القرارات الصادرة منذ تاريخ 21سبتمبر الماضي باطلة دون استثناء[2]. وردا عليه، اعتبرت اللجنة الثورية لانصار الله الرئيس هادي فاقداً للشرعية بمجرد تقديم استقالته، وتمسكت بشرعيتها الثورية. وفي وسط هذه التفاعلات، اتخذ مجلس الأمن قرارا باستمرار وضع اليمن تحت البند السابع، واستمرار الاعتراف بشرعية هادي كرئيس لليمن[3].

وفي ظل هذه الأزمة السياسية الحادة والتي أدت الى تعطيل دور السلطتين التشريعية والتنفيذية،  يتعين البحث عن موقع القيادات القضائية منها؟ فهل ستتصرف بحيادية حفاظا على استقلال القضاء وفق ما طالب به نادي قضاة اليمن[4] أم ستنجر الى محاولة استرضاء طرفي النزاع وخدمة مصالحهم على تباينها؟

ومن هنا، يقتضي التوقف عند القرارات التي أصدرها مؤخرا مجلس القضاء الاعلى بشؤون القضاة وتعيينهم ونقلهم. كما تحتل ذات الاهمية تلك المهام التي يقوم بها النائب العام، ولا سيما فيما يتصل بمحاكمة كبار مسؤولي الدولة. كما يبرز التأثير بالغ الاهمية الذي يسببه هذا الوضع على استمرار القضاء الدستوري مجسداً بالدائرة الدستورية التي يترأسها رئيس المحكمة العليا، وكذلك القضايا الادارية المنظورة امام المحاكم الادارية ضد مؤسستي الرئاسة ومجلس الوزراء. وعلى ذات القدر من المسؤولية يثور التساؤل عن مدى وجود دوره ايجابي لنادي القضاة  لابتداع ادوات تساهم بإيجاد حلول لإنهاء الازمة.
 
أي دور للقضاء؟
بالطبع، دور القضاء وقدرته على اداء دور في التخفيف من حدة الأزمة والانقسام السياسي، يعتمد على مدى تمتعه بالثقة والقدرة على بسط سلطانه وحماية المشروعية، وفيما اذا كان اصلا مستقلا من عدمه.

 فمن غير المتصور ان نسلم به كملاذ وحيد وهو يعاني من الضعف ومن تبعية قيادته لجهات أخرى -سلطة أو مكون سياسي-. ففي هذه الحالة، يكون  مطالبا بأن يُحافظ على  استمرار خدمة العدالة بصورتها البسيطة، والتي تعبر عنها بالفصل في الخصومات الناشئة بين افراد المجتمع، وذلك بانتظار أن يستعيد ثقته بنفسه وقدراته.

ويكون من اللازم استشعار القوى السياسية لخطورة زج القضاء في صراعهم الاني، وما يشكله من خطورة على ما تبقى من معالم الدولة، مهما كانت نظرتهم السلبية اليه.
 
موقف مجلس القضاء من أزمة الشرعية
بغض النظر عن الوصف الذي يمكن اسقاطه على المشهد الراهن، يتفق الجميع على أن العاصمة صنعاء تحت سيطرة فعلية لجماعة انصار الله، وباعتراف رئيس الجمهورية والذي اعتبر جميع القرارات التي صدرت خلال هذه الازمة باطلة.

واذا كنا لا نستغرب ان لا يكون لمجلس القضاء الاعلى دور ريادي في هذا المجال، يستوقفنا من جهة أخرى تسرعه في اصدار حركة تنقلات مستعرة ومجزأة وعلى دفع، للقضاة واعضاء النيابة في عموم أنحاء الجمهورية، تحت مسوغ سد الشواغر، ـخلال الشهرين الأخيرين. وتكاد ان تشمل هذه القرارات قوام ثلث حركة قضائية شاملة. وهذا الكم الكبير للقرارات، لا نملك تفسيرا منطقيا له في هذا التوقيت، إلا أن ثمة مساع لاستدعاء الصراع السياسي الى داخل القضاء، والزج برجاله في آتونه.

ويأتي اعتقادنا من خلال تفحص المعايير التي بنيت عليها، والتوقيت الحرج الذي صدرت فيه، ونعرج عليها من  خلال الملاحظات الآتية:

الملاحظة الاولى: تصنيف القضاة ضمن انتماءاتهم الطائفية والعنصرية والمناطقية
وسط اتهام القضاة وناديهم لمجلس القضاء عدم اعتماده للمعايير الموضوعية الشفافة في الحركة، سيكون من المتوقع أن تلقى هذه القرارات الرفض المدعوم بمبررات الوضع الاستثنائي. وقد يستدعي ذلك تحفيز أي جهة سياسية ترغب في التدخل بالشأن القضائي، كي تتقمص دور المنقذ لتخليص القضاء من الدور السياسي والحزبي، الذي يحاول المجلس ارساءه من خلال هذه القرارات[5] .

ولا نجد من حرج ان نسلم بحقيقة استغلال المجلس للوضع المضطرب لتمرير هذه القرارات دون اعلان رسمي رغم انها تتعلق بتعيين رؤساء محاكم ونيابات استئناف في المحافظات دون ان نلحظ أي معيار موضوعي لهذه التعيينات. بل تجلى الطابع السياسي من خلال تكريس الطابع التشطيري لليمن، عبر حصر وتخصيص الوظائف القضائية في المحافظات الجنوبية على قضاة ينتمون للجنوب فقط، وقصر تولي قضاة الشمال على محافظات الشطر الشمالي، وهو معيار تفكيكي خطير.

وعلاوة على هذا التوزيع الكارثي فقد ظهر بوضوح مسعى الى دغدغة مكون انصار الله ، واستدرار رضاه، بتسمية قضاة لمحافظة صعدة، حاضرة نشأة هذا المكون، ممن نسبوا ظلما اليه  ولا جريرة لهم الا القابهم الهاشمية.

من هنا يمكن القول ان هناك هدف تفكيكي لشريحة القضاة بعد ان اثبتت انتخابات نادي القضاة تماسكها، وعدم تبعيتها للسياسيين، فجاء جواب المجلس بتصنيفهم طائفيا وعنصريا ومناطقيا في وضع خطير نعيشه، مهددا وبحق  لوحدة الصف القضائي.

الملاحظة الثانية: سد شغور أم افتعاله؟ 
لا يفهم من الغاية التي أعلنها مجلس القضاء لتمرير هذه القرارات والتي وصفت بسد الشواغر الا السعي لجعل جميع المحاكم والنيابات شاغرة، على اعتبار أنها ستؤدي الى زيادة الاحتقان وتحول القضاء الى بؤرة صراع سياسي بين الشرعيتين الدستورية والثورية. وبالطبع سيقودنا هذا الأمر الى حصر القيادة القضائية بزاوية ضيقة كانت في غنى عن التموضع فيها. كما سيكون عليها الافصاح عن الشرعية التي استندت عليها تلك القرارات، وبالتالي موقفها من شرعية الاعلان الدستوري الذي صدر من الجهة المهيمنة على العاصمة، ولا احسب  انها تملك اجابة.

وفي ظل التسليم بان المجلس يمارس مهامه من صنعاء، تبقى الخشية كبيرة من أن يكون قد عمل على نزع الولاية القضائية من رؤساء المحاكم والنيابات الذين استبدلهم بحركة التنقلات، من دون تمكين القضاة المعينين من مزاولة اعمالهم. ومبعث هذه الخشية يكمن في رجحان أن ترفض المحافظات الخارجة عن سيطرة انصار الله، والتي اعلنت دعمها للرئيس هادي، هذه القرارات لصدورها  من عاصمة تقع تحت حكم الحوثيين. وحتى لو تصورنا تمكّن هؤلاء من ممارسة مهامهم؛ فإن الشك سيظل قائما حول صحة ولايتهم في ظل اعلان الرئيس أنها قرارات باطلة وفاقدة الشرعية.

وفي المقابل، لا ريب ان الخشية ذاتها متحققة في المحافظات التي يسيطر عليها انصار الله. ويبرز ذلك من نواحٍ عدة، منها ان هذا المكون يدرك التوجه السياسي والمحاصصة الحزبية التي شكل بها مجلس القضاء عام 2012، والتي كان هو مغيبا عنها ولم يشارك فيها. وهذا الأمر قد يدفعه الى وصم هذه القرارات بأنها تأتي امتدادا لسياسة السيطرة على هذه المحاكم والنيابات من قوى حزبية أقصيت عن الحكم وتعمل من خلال هذه التعيينات على عصمة ذاتها من المساءلة. ومن هذا المنظار، يكون المجلس وبحق قد ساهم في  النيل من القضاة الذين عينهم في هذا الوقت الحرج، وزجهم بهذه المواقع رغما عنهم.

ومن ثم لنا ان نتساءل كيف سيكون مصير المعينين ان تم التشكيك بشرعية تعيينهم من احدى الجهات لحظة انجلاء الازمة؟ وهل ستعتبر نوايا المجلس حسنة، أم أن أعماله تهدف الى خدمة لأجندات من ولاه[6]؟، اننا هنا ندق ناقوس الخطر جراء هذه الاعمال التي ترشح عن تجاهل للوضع الاستثنائي واثاره ستطال الوطن باسره .

اخيرا، يمكننا أن نختم هذا الجزء بضرورة التعامل مع المرحلة بحيطة ودقة. فقد كان بمقدور المجلس الاستمرار بأعماله الاعتيادية، دون اتخاذ قرارات غير اعتيادية لا تتناسب مع الوضع الراهن، وبما يكفل استمرار المحاكم بإداء مهامها وحسب. وطالما وقد اثبت عجزه في الماضي بانتزاع استقلاله، فلم ينذر اليوم نفسه للدخول كفاعل في الازمة بهذا الشكل المثير للنقد والادانة؟

 ولا شك ان دخوله في لعبة الحصول على رضى الاضداد، ومحاولة التقارب من متناقضين، لن ينتج عنه الا توريث المزيد من الكوارث، ولا يُقرأ منه الا اصرار على استجداء رضى الاطراف السياسية المتصارعة، لأجل المحافظة على بقاء شخوصهم ولو نتج عنه تدميرٌ لما تبقى من بنية قضائية.



[1]نص الاعلان الدستوري الذي صدر عن اللجنة الثورية التابعة لانصار الله في صنعاء بتاريخ  6 فبراير 2015http://almasdaronline.com/article/67600
[3]مجلس الامن الدولي يدعو الاطراف اليمنية الى تسريع الحوارhttp://www.saadahpress.net/news-24250.htm
[4]بيان نادي قضاة اليمن بتاريخ [25/فبراير/2015]http://www.sabanews.net/ar/news389351.htm
[5]خطاب النادي الموجهة الى رئاسة مجلس القضاء منشور على موقع المفكرة القانونية
[6]خطاب نادي قضاة اليمن المنشور على موقع المفكرة القانونية مرجع سابق. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، بلدان عربية أخرى



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية