اليسار ومسألة حقوق الإنسان: بعض الملامح من التجربة والمقاربَات


2023-05-21    |   

اليسار ومسألة حقوق الإنسان: بعض الملامح من التجربة والمقاربَات

شهِدت علاقة اليَسار بمسألة حقوق الإنسان تطوّرًا منذ أواسط القرن العشرين، ممّا جعلَ المسألة الحقوقيّة تتحوّل إلى مراكز اهتمام أغلب التيّارات اليساريّة في العالم. فلم تَعُد بذلك الحريّات الفرديّة وحقوق الأقليّات والمسألة النسويّة والحقوق الإيكولوجيّة حكرًا على الفكر الليبرالي ولا مجرّد إيديولوجيا برجوازيّة تؤكّد على مجتمع الأفراد وتنفي وجود الطبقات. كان جزء لا بأس به من التقليد الماركسي ينظر إلى حقوق الإنسان بوصفها ترفًا برجوازيّا وخطرا إيديولوجيّا من شأنه إبعاد الجماهير عن جوهر الصراع الطبقي وتعطيل مهمّة تحرير العمّال من الاستغلال. لكن بدأت هذه المواقف تشهد مراجعات كان للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي دورا بارزا فيها، إذ وضّح غرامشي مفهوم المجتمع المدني داخل ثلاثيّة المجتمع السياسي والمجتمع المدني والدولة، وفكّك على ضوء هذه الثلاثية مفهوم الهيمنة ودور المثقّف وراهنيّة السيطرة على المجتمع المدني لإنتاج هيمنة ثقافيّة مضادة قادرة على مواجهة الهيمنة الثقافيّة البرجوازيّة.

وانطلاقا من الستّينات وعلى امتداد السبعينات برز إلى الوجود مفهوم اليسار الجديد، وهو يسار عملَ على تجاوز الماركسيّة الكلاسيكيّة وعلى التفكير في مسائل الحقوق المدنيّة والسيّاسيّة والنسويّة وحقوق الأقليّات والبيئة والحقّ في الإجهاض، وبدأ في الانتشار في أوروبا وأمريكا اللاتينيّة وتدعّمَ مع بروز مجموعة من المفكّرين الماركسيين الذين بدأوا يسعون إلى تطوير نهج سياسيّ أكثر انتباها لفكرة الديمقراطية، على غرار هربرت ماركوز وإرنيست بلوخ ورايت ميلز وأقطاب مدرسة فرانكفورت.

أصبحت مسألة حقوق الإنسان بذلك ضمن أولويّات اليسار وتطوّرت المعادلة من تحرير العامل من الاضطهاد إلى تحرير الإنسان من الظلم. وبالتوازي مع ذلك، تطوّرت النظريّة الماركسيّة حتى صرنا اليوم نتحدّث عن ماركسيّة إيكولوجيّة وماركسيّة نسويّة، بل إنّ هناك من يصنّف اليسار اليوم بين “يسار سياسي” و”يسار مدني” ويعتبر قضايا حقوق الإنسان أرضيّة جامعة قادرة على توحيد التيّارات اليساريّة في معارك مجتمعيّة وسياسيّة واقتصادية.

في تونس، يعتبر اليسار مكوّنا تاريخيّا داخل المشهد السياسي وله إرث يمتدّ على أكثر من قرن. فأوّل حزب شيوعيّ تونسيّ تكوّن سنة 1919 وكان عضوا في الأمميّة الثالثة وكانت له إسهامات كبيرة سواء في الفترة الاستعماريّة أو فترة ما بعد الاستقلال، لتشهد الستّينات والسبعينات تنامي المدّ اليساري بظهور اليسار العمّالي والماوي واليسار الاشتراكي الديمقراطي. وكان لهذا الزخم تأثيره على المسائل الفكريّة والنظريّة ممّا جعل اليسار التونسي يعيش نفس السجالات التي عاينها اليسار في العالم حول مسألة حقوق الإنسان، ناهيك عن أن تأسيس الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان تمّ في فترة مبكّرة وفي مرحلة سياسيّة تكثّفَ فيها الجدل حول علاقة اليسار بالسلطة القائمة وعلاقة اليسارات التونسية ببعضها البعض.

يرجع تأسيس أوّل هيكل حقوقي في تونس إلى سنة 1977، وهي الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان. هذا التأسيس جاء في ظرفيّة تميّزت بتصلّب النظام ونزوعه نحو القمع، حيث فرضَ مناخا سياسيّا منغلقا بعد حلّ الأحزاب المعارضة سنة 1963 وبعث محكمة أمن الدولة سنة 1968 وما تلاها من محاكمات شملت الحركة الطلاّبيّة والحركات اليساريّة خاصة في محاكمتي 1968 و1971. كما تميّزت فترة السبعينات ببداية التصدّع داخل الحزب الحاكم وهو ما تأكّد في مؤتمر المنستير سنة 1971 بخروج الجناح الليبرالي من الحزب بزعامة أحمد المستيري وبداية صراع الأجنحة، ضمن معركة مستعرّة حول خلافة الرئيس الحبيب بورقيبة.

قاد هذا التدهور السياسي إلى بداية انهيار إيديولوجيا “الوحدة القوميّة” التي أراد من خلالها نظام بورقيبة خلق حالة من الإجماع القسري، خاصّة بعد مؤتمر الاتحاد العام لطلبة تونس سنة 1971 والإضراب العام الذي أقرّه الاتحاد العام التونسي للشغل في 26 جانفي 1978. وقد فاقم هذا الأمر من عزلة النظام السياسي ومن اعتماده على العنف السياسي والمحاكمات السياسيّة الجائرة. من ناحية أخرى تميّز الوضع الدولي بتشجيع الولايات المتّحدة الأمريكيّة على حقوق الإنسان خاصة بعد صعود الرئيس جيمي كارتر إلى الحكم سنة 1977 وتهديده بقطع المساعدات على الدّول التي لا تحترم حقوق الإنسان.

تأسيس الرابطة وتطوّر مواقف اليسار من مسألة حقوق الإنسان

في هذه الظرفية بالذات، تمّ تأسيس الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان، فكانت مواقف التشكيلات اليساريّة حولها متباينة. إذ تداخلَت ثلاثة عوامل في بلورتها: عامل إيديولوجي تمثّل في اعتبار قضيّة حقوق الإنسان مسألة سياسيّة يجري داخلها تهميش القضايا الاقتصاديّة والاجتماعية، وعامل سياسيّ تمثّل في وطأة القمع والمحاكمات والحاجة إلى وجود هيكل حقوقي يستطيع فيه المتضررون من قمع السلطة التحرّك والدفاع عن ضحايا المحاكمات، وعامل دوليّ ثالث تَمثّل بالأساس في توجّس مجموعة من اليساريين من وقوف الولايات المتّحدة الأمريكيّة خلف هذا التأسيس إثر تبنّيها سياسة التشجيع على حقوق الإنسان في العالم، إذ تميّز الوضع الدولي بتشجيع الولايات المتّحدة الأمريكيّة على حقوق الإنسان خاصة بعد صعود الرئيس جيمي كارتر إلى الحكم سنة 1977 وتهديده بقطع المساعدات على الدّول التي لا تحترم حقوق الإنسان.

في الفترة الممتدّة بين 1976 تاريخ بدء المفاوضات بين السلطة والمؤسّسين و1985 تاريخ صياغة ميثاق الرابطة بعد المؤتمر الثاني، شهدت مواقف أغلب تشكيلات اليسار تغيّرا تجاه مسألة حقوق الإنسان. إذ باتَ لأغلب العائلات السياسيّة اليساريّة وجود داخل هياكل الرابطة، لتشهد بذلك المؤتمرات اللاحقة سيطرة يساريّة على هذه المنظّمة، إضافة إلى تأسيسهم منظّمات أخرى تُعنى بقضايا حقوق الإنسان على غرار المعهد العربي لحقوق الانسان والجمعيّة التونسية للنّساء الديمقراطيّات. ويطرح هذا التطوّر في المواقف والتبنّي اليساري للفكر الحقوقي تساؤلات حول الخلفيّات التي كانت وراء هذا الانخراط اللافت للانتباه، فهل كانت الدوافع مبدئيّة إيديولوجيّة أم أنها براغماتيّة ظرفية؟

لفهم هذه الإشكاليّة سنعود إلى لحظة التأسيس معتمدين على مواقف الفاعلين السياسيين التي قمنا بالحصول عليها من خلال جمع الشهادات[1] والتي على ضوئها تبيّن لنا وجود موقفين من تأسيس الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان: موقف مساند ومشارك مثّله الحزب الشيوعي التونسي وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وموقف رافض مثّله أنصار العامل التونسي وأنصار تنظيم الشعلة.

برَزَت فكرة تقديم مطلب الحصول على تأشيرة خاصّة بمنظّمة تدافع عن حقوق الإنسان، إثر الرّغبة في التخلّي عن تقليد قائم على فكرة تكوين لجان دفاع عن المساجين ومُحاولة إرساء هيكل قارّ يتولّى مهمة إسناد ضحايا القمع وعائلاتهم، كلّمَا قامت السلطة بحملة إيقافات ومحاكمات. في هذا السياق، يذكر مختار الطريفي الذي شغل خطّة رئيس الرّابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من سنة 2000 إلى سنة 2011، أنه “كانت هناك مجموعات سبِقَت تكوين الرابطة، وهي مجموعات دفاع في أواخر الستينات وبداية السبعينات، إبّان إيقاف مجموعة من حركة “آفاق -العامل التونسي”، حيث تكوّنَت لجان دفاع في باريس، ثم بعد ذلك لجان دفاع على النقابيين أو الطلبة بداية من السبعينات”.[2] وفي السياق نفسه أكّد الأستاذ مصطفى التليلي أنه “كانت هناك مبادرات قام بها اليسار عبر صالح الزغيدي في محاكمات 1974 و1975، إذ أسّسَ لجنة الدفاع عن المساجين السياسيين”.[3]

وبالعودة إلى مقال صدر في جريدة “الرأي” بتاريخ 6 ماي 1983، تحدث المحامي الشريف الماطري، وهو من أبرز مؤسسي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، عن هذه الفكرة، حيث يقول “وقعت أحداث عديدة منها المحاكمات التي وقعت إثر أحداث الجامعة سنة 1968، وكانت هناك العديد من الاعتقالات، و مثُل عدد من مجموعة “آفاق” أمام محكمة أمن الدولة، وقد تطوعتُ مع مجموعة من المحامين، لكن ضغوطات عديدة مُورست لمنعنا عن القيام بواجبنا. وذهب الأمر بالسلطة آنذاك إلى طرد محامين قدمُوا من فرنسا، ثم جاءت أحداث أخرى تتمثل في إيقاف أحمد بن صالح، واتصل بي وقتها المرحوم محمد بن صالح شقيق أحمد بن صالح، و طلب منّي تكوين هيئة دفاع عن أحمد بن صالح، يرأسها والدي المرحوم محمود الماطري، قلت وقتها لماذا هيئة دفاع عن أحمد بن صالح وحده؟ لماذا لا نؤسس هيئة دائمة للدفاع عن المواطن الإنسان أين ما كان ومتى وقع تعدٍّ صارخ على كرامته”. [4]

ويذكر في هذا السياق أن حسيب بن عمار[5] يُعتبر في نظر العديد الأب الروحي لمشروع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهو حسب شهادة خديجة الشريف “المؤسس الأبرز الذي يبقى المرجعية، فهو الذي اتصل بالشخصيات المستقلة، وقد كانت له أيضا اتصالات بالعديد من الشخصيات الفاعلة على الساحة الحقوقية في العالم”.[6] كان بذلك حضور عناصر الاشتراكيين الديمقراطيين طاغيا في التأسيس واستمّرت مفاوضات التأسيس سنة كاملة وافقت من بعدها السلطة على منح التأشيرة في 07 ماي 1977، على أن يتمّ تمثيل الحزب الحاكم بسبع شخصيّات تمّ إضافتها للقائمة التي تقدّمت لمطلب التأسيس وشملت 15 عضوا. وقد تكوّنت المجموعة، مثلما حدّد انتماءاتها سعدون الزمرلي من ستة مستقلين: هم فاروق بن ميلاد، عبد الرحمان هيلة، الشريف الماطري، عزيزة الوحيشي، الطيب الميلادي وسعدون الزمرلي، إضافة إلى المنجي الشّملي الذي كان قريبا من السلطة، وأربع شخصيات من مجموعة الليبراليين التي يتزعمها أحمد المستيري وهم: الهاشمي العياري، حموده بن سلامة، منير الباجي، ودالي الجازي. كما تضمنت القائمة شخصيتين محسوبتين على التيار القومي وهما: الميداني بن صالح وهشام بوقمرة. وكان هناك عبد الحميد معموري عن حركة الوحدة الشعبية، وأخيرا فتحي حفصية عن الشيوعيين.[7]

تكوّنَت الرابطة بذلك من عناصر أغلبها محسوبة على الليبراليين الذين أنشأوا فيما بعد حزب حركة الديمقراطيين الاشتراكيين. كما كان هناك ترابط بين هياكل الرابطة وهياكل هذه المجموعة، لذلك يقول خميّس الشمّاري أنه: “كانت هناك مشكلة تنظيمية، فالهيكلة الخاصّة بالرابطة كانت مشكلة حقيقية، فالرّابطة تكوّنت ضمن خريطة جغرافية مُطابقة للخارطة الجغرافية لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، كلّ فروع الرابطة في السنوات الأولى متطابقة مع فروعهم، لذلك نجد مثلاً أربعة فروع في الوطن القبلي، لأن دالي الجازي كان ماسكًا بالأمور هناك والفروع هي قربة وقليبية والحمامات ونابل”. [8]

أمّا الحزب الشيوعي التونسي فنفهم موقفه من خلال شهادة أحد قادته، هشام سكيك، الذي واكب مرحلة تأسيس الرابطة، ويذكر في هذا الصدد قائلا: “قام حسيب بن عمّار بالاتصال بالحزب الشيوعي عن طريقي، فقد كنت على اتّصال به باعتباره مدير جريدة “الرّأي”، وكنت دائم التوجّه إلى الجريدة لنشر البلاغات والمقالات. وبعد أن عَرَضَ عليّ هذه الفكرة، أي رابطة حقوقيّة تعدّدية تجمع عناصر ذات توجّهات مختلفة، وذكر لي أساسا مجموعة الـ(MDS) والمناضلين الديمقراطيين المستقلّين المعروفين، طلب منّي دعوة الحزب الشيوعي التونسي إلى المشاركة، وبطبيعة الحال لم نتردّد”[9].

شكّلت عملية حظر الحزب الشيوعي التونسي عن النشاط في 1963 دافعا جعل نظرة هذا الحزب للمبادرة إيجابية، لأنها تُمثّل محطة نضالية في إطار المعركة الديمقراطية. يقول هشام سكيك في السياق نفسه: “لم نتردّد، لاعتقادنا أنّ المعركة الديمقراطيّة كانت من أولوياتنا منذ منع الحزب من النّشاط، فالمعركة الأساسيّة كانت حول الديمقراطيّة والحريّات.”[10] أمّا بقيّة اليسار فقد كان موقفه في سنوات التأسيس سلبيّا، وقد برّرَ السيد خميس الشماري ذلك بأنه “نتيجة لعدة عوامل، فقد كان اليسار يعتبر أن مسألة حقوق الإنسان مسألة شكلية وبرجوازية، إذ كانت في أذهانهم قطيعة بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية”. [11] كما كانت قراءة اليسار للظرفية الداخلية في تلك الفترة تتميز بالتوجس معتبرا إياها “مناورة قام بها النظام وجماعته لإقصاء الحقوق الحقيقية، على أساس أن هذه الحقوق هي سياسية، في حين أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست مضمنة داخل العملية”.[12] أما فيما يخص قراءة اليسار للظرفية العالمية، فقد كان رافضًا لهذه المبادرة ولم يرغب في التعامل مع المؤسسين خصوصا وأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقف وراءها بقيادة “جيمي كارتر”، “ممّا جعل المسألة في أذهان اليسار تبدو مشبوهة”[13]

وعن الموقف داخل الجامعة وفي تناغم مع كل هذه المواقف، يذكر مصطفى التليلي الذي كان ينشط ضمن الهياكل النقابية المؤقتة في الاتحاد العام لطلبة تونس، أنهم كانُوا “يعتبرون الدعوة إلى الديمقراطية آنذاك والدعوة إلى حقوق الإنسان تندرج ضمن إستراتيجية دولية للإمبريالية الأمريكية، وكنّا نعتبر أن الرابطة والديمقراطيين الاشتراكيين وريقات “كارتريّة” جديدة. فموقف اليسار الجديد أي أنصار منظمة “العامل التونسي” وأنصار “الشعلة” كان سلبيا في مسألة حقوق الإنسان”. [14] لكنّ هذه المواقف بدأت تتغيّر خاصة بعد الدور الذي لعبته الرابطة في الدفاع عن ضحايا الانتهاكات، خاصة بعد أحداث الخميس الأسود وقضيّة البترول المغشوش وأحداث الخبز. فقد نجح الرابطيون في التوفيق بين المرجعيّة المدنيّة والسياسيّة من جهة والمرجعيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة من جهة أخرى، فاستطاعت بذلك استقطاب مجموعة هامة من العناصر اليساريّة والنقابيّة.

وتنقسم الآراء حول التحاق اليسار بالرابطة إلى قسمين: قسم أوّل يعتبر أنّ اليساريين بدأوا يشعرون بأهميّة الدور الذي لعِبته الرابطة في مساندة ضحايا القمع، لذلك حاولوا الدخول لاحتلال مواقع بغاية استغلالها ضدّ القمع. وقسم ثان يتزعّمه حمودة بن سلامة اعتبر أنّ اليساريين أرادو السيطرة على الرابطة وتحويلها إلى حزب سياسي معارض حيث يقول: “في الثمانينات أصبحت الرابطة في خانة المعارضة وتحت سيطرة اليسار. فمجموعة خميّس الشماري ومحمد الشرفي وعبد الكريم العلاّقي وفرج فنيش رغبت في الدخول إلى الرابطة، وهو ما رفضته مجموعة الديمقراطيين الاشتراكيين لأنهم يساريون”[15]. وهو ما أدّى إلى بروز أزمة فرع تونس الذي حاول كل من محمد جمور وناجي شلّف وراضية النصراوي تأسيسه، لكنّ الهيئة المديرة التي يسيطر عليها الديمقراطيون الاشتراكيون رفضت بعث هذا الفرع لأنّ الفرع سيتحول -في نظرهم- إلى مرتبة الهيئة المديرة. كما شجّعت الهيئة المديرة في إطار بحثها عن التوازن داخل الرابطة دخول المجموعات القريبة من الاتجاه الإسلامي. وفي هذا الصدد يصف صلاح الدين الجورشي، الذي صعد إلى الهيئة المديرة سنة 1982، هذا الاتجاه قائلا: “بالنسبة لي تمّ ترشيحي باعتباري أمثّل وجهة نظر إسلاميّة تقدّميّة.”ّ[16]

ويمكن فهم الوزن الذي بدأ اليسار يُشكّله داخل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من خلال الدّور الذي لعبه في صياغة ميثاق الرابطة، والذي مثّل حاجزا أمام الضغط والحضور الإسلامي داخل الرابطة. ترأّسَ لجنة الصياغة محمّد الشرفي وأكّد بذلك الميثاق على جملة من المبادئ العلمانيّة وفرض ما يسمّى بالبنود الأربعة وهي: مناهضة الإعدام، وإقرار حق التبنّي، والمساواة بين الجنسين، وحق زواج المسلمة بغير المسلم، وهو ما جعلَ الأطراف “المحافظة” داخل الرابطة تندّد بهذا الميثاق وتنشر بيانا في جريدة الرأي وَردَ فيه: “اتصلت بالرأي العريضة التالية: نحن الممضين أسفله، بعد اطلاعنا على الميثاق الجديد للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان نستنكر ونندد بشدة بما جاء في الفصل الثامن المتضمن لإباحة زواج المسلمة بالكافر، والفصل التاسع الذي يبيح الردة عن الإسلام، نذكر بأن هذين الفصلين يتضاربان مع ديباجة الدستور وفصله الأول ومع ديباجة الميثاق نفسه ونؤكد أن هذين الفصلين يطعنان في الصميم الشعور الديني للشعب التونسي المسلم، وننادي بشطب وإلغاء هذين الفصلين فورا.”[17]

هكذا شهدت فترة الثمانينات إقبالا متناميًا من قبل قوى اليسار على النضال الحقوقي وهي العشريّة التي بدأ فيها اليسار المدني في التشكّل في تونس، وبدأ في الظهور جيل جديد اكتسب ثقافة حقوقيّة وبدأ في تأسيس منظّمات حقوقيّة ومنظّمات مناهضة التعذيب.

اليسار وتبنّي النضال الحقوقي في مواجهة قمع نظام بن علي

شهدَت فترة نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي تطوّرا ملحوظا للحركة الحقوقيّة بتونس، حيث أقبلت العناصر اليساريّة على إنشاء عديد المنظّمات والهيئات الحقوقيّة التي لم تكن وليدة مناخ سياسيّ منفتح، بل على العكس من ذلك وجدت القوى السياسيّة المعارضة نفسها مجبرة على مقاومة القمع من داخل حقل النضال الحقوقي.

في بداية فترة حكمه، حاول نظام بن علي احتواء الحركة الحقوقيّة بتونس، فعمل على استقطاب بعض رموزها وتقليدهم حقائب وزاريّة على غرار محمّد الشرفي وسعدون الزمرلي وحمّودة بن سلامة. بالمقابل قام بملاحقة العناصر المناوئة، لتشهد بذلك الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان أزمتان عميقتان: الأولى سنة 1992، حين حاول وزير الداخلية الأسبق عبد الله القلاّل سنّ قانون جديد للجمعيّات يمكّن السلطة من تصنيف الرابطة كجمعيّة ذات صبغة عامة لتسهيل تدجينها، وهو ما أدّى إلى تجميد نشاطها لمدّة شهر وإلى إغلاق مقرّاتها بسب رفض هذا القانون الذي تمّ التراجع عنه بعد تعرّض السلطة لضغوط دوليّة[18]. أمّا الأزمة الثانية فقد ارتبطت بالمؤتمر الخامس. فقد أدّى الاقتراع الذي تمّ ليلة 30 أكتوبر 2000 إلى فوز قائمة “الوفاق الرابطي” بجميع مقاعد الهيئة المديرة وهي قائمة لم تضمّ أيّ عضو منتم للحزب الحاكم، ممّا دفع مجموعة من الخاسرين في المؤتمر إلى رفع قضيّة استعجاليّة يوم 25 نوفمبر 2000 لغلق مقرّ الرابطة وتعيين حارس قضائي عليها، وهو ما استجابت له المحكمة. كما تمّ في 12 فيفري 2001 إصدار حكم بابطال المؤتمر الخامس للرابطة وكلّ القرارات الصادرة عنه والهيئات المنبثقة عنه وتكليف الهيئة المديرة السابقة بإعادة عقده.[19] وهو ما أدخل الرابطة في أزمة لم تنته إلاّ بسقوط نظام بن علي في جانفي 2011.

كان الانغلاق السياسي وتصاعد وتيرة القمع والتضييق على الحريّات وحق التنظّم والتجمّع دافعا إلى مزيد إقبال العناصر والتنظيمات اليساريّة على تطوير الحركة الحقوقيّة وتأكيد الوزن المتنامي لليسار الحقوقي والمدني، الذي ربط بين النضال السياسي والاجتماعي، بل واستفاد من عامل التحرّر من إكراهات وضوابط الفعل السياسي التي عاشها “اليسار السياسي”. في هذا السياق، رَبَطَت المناضلات النسويّات بين النضال من أجل حقوق النساء والمطالبة بدمقرطة النظام، فكانت هذه العمليّة بداية تبلور حركة نسويّة خارج “نسويّة الدولة” عبر تأسيس الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات، التي قدّمت تصوّرا علمانيّا لوضع المرأة وطالبت بالمساواة التامة بين الجنسين واعتبرت تكافؤ الفرص شرطا أساسيّا لتحقيق الحريّة في كنف العدالة[20].تمّ الاعتراف القانوني بالجمعيّة في 6 أوت 1989، وهو تتويج لجملة من المحطّات التي بدأت سنة 1978 بتكوين النادي الدراسي لوضع النساء داخل النادي الثقافي الطّاهر الحدّاد، مرورًا بتكوين اللجنة النقابيّة للمرأة العاملة داخل الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1982، ثمّ بعث صحيفة نساء لكسر جدار الصمت وبداية بثّ المقاربة النسويّة[21].كما شهد جانفي 1989 تأسيس جمعيّة النساء التونسيّات من أجل البحث والتنمية، والتي ضمّت مجموعة من الباحثات المهتمّات بإنتاج معرفة نقديّة حول أوضاع النساء.

أمّا في مجال رصد انتهاك حقوق الإنسان وخاصة مسألة التعذيب وأمام انغلاق المجال السياسي وتعدّد موجات القمع ضدّ الناشطين والمعارضين للنظام تمّ في أفريل 1988 افتتاح فرع منظّمة العفو الدوليّة. وفي سنة 1989 وفي إطار توثيق الانتهاكات وتقديم المساعدة القانونيّة ونشر الوعي الحقوقي، تمّ تأسيس المعهد العربي لحقوق الإنسان. إثر ذلك أسّست الناشطة الحقوقيّة اليساريّة راضية النصراوي في سنة 2003 الجمعيّة التونسيّة لمناهضة التعذيب، بهدف الكشف عن ممارسات التعذيب والتشهير بها،[22] لتشهد سنة 2007 إرساء الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام برئاسة الناشط السياسي والحقوقي شكري لطيف.

لقد انخرط جزء واسع من اليساريين في الحركة الحقوقيّة، إمّا تأسيسا للمنظّمات أو مشاركة فيها، وهو ما يجعلنا نلاحظ التغيير الحاصل في المواقف من المسألة الحقوقيّة التي عاينّا نفورا منها في نهاية السبعينات، ثمّ تعاملا براغماتيّا معها طيلة الثمانينات، ليتحوّل الموقف بعد ذلك إلى إيمان بالمسألة الحقوقيّة، حتى صرنا نتحدّث عن “يسار حقوقيّ” و”مدني” يُولي المسألة الحقوقيّة أولويّة مطلقة. فكيف تعامل اليسار بعد الثورة وبعد انفتاح فضاءات الفعل والتغيير والممارسة مع المسائل الحقوقيّة، خاصة في ظل صعود الإسلام السياسي إلى سدّة الحكم في 23 أكتوبر 2011؟

اليسار وحقوق الإنسان بعد الثورة، بين الالتباس والدّفاع الصّارم

أمام الانفتاح الذي شهدته البلاد بعد الثورة وطي صفحة حظر المعارضة ومنع النشاط السياسي على الأحزاب والتشكيلات اليساريّة شهدت البلاد دينامية اجتماعية وسياسيّة وحقوقيّة، فكانت الفترة التي تَلَت الثورة فترة صراع ومواجهة مع قوى الإسلام السياسي الصاعدة إلى الحكم والساعية إلى الدفاع عن تصوّرها الخاص للدولة والمجتمع والدستور.

أدى الضغط المتواصل الذي مارسته القوى المدنيّة والسياسيّة الديمقراطيّة إلى تحجيم النزعات الأصولية العنيفة، وتمكّنت من خلق حالة دنيا من التوافق مع حركة النهضة الإسلامية داخل المجلس التأسيسي، أدّت إلى فرض دستور 2014 الذي ضمن مبدأ مدنيّة الدولة وإقرار جملة من الحقوق المدنيّة والسياسيّة والفرديّة، مع تصوّر مقبول حول وضعيّة المرأة دعّم حضورها في مختلف جوانب الحياة السياسيّة والتشريعيّة.

في خضم تصاعد النضال الحقوقي بين سنتي 2011 و2013، شهد اليسار المدني نموّا متواصلا، حيث تعدّدت مبادرات إنشاء الجمعيّات والمنظّمات والحركات الحقوقيّة في تونس في تلك الفترة. هذا الانفجار الجمعياتي ساهم بدور كبير في الدفع بالحركة الحقوقيّة إلى أقصاها مستفيدا من الإقبال الكبير على النشاط داخل المجتمع المدني.

أما موقف اليسار السياسي -مُمثّلاً أساسا بالجبهة الشعبية- من بعض القضايا الحقوقية فقد كان مُلتبِسًا. وفي هذا السياق سنحاول تتبّع موقف اليسار من تقرير لجنة الحريّات والحقوق الفرديّة والمساواة. يتضمن تقرير اللجنة المتكون من 230 صفحة والذي دُفع سنة 2018 توصيات ومشاريع قوانين وُصفت بكونها مثيرة للجدل، على غرار المساواة في الإرث وإلغاء المهر والعدة، وإلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء تجريم المثلية الجنسية. وقد لقيَ هذا المشروع معارضة قويّة صاحبها تكفير للقائمين عليها، حيث أعلنت التنسيقية الوطنيّة للدفاع عن القرآن والدستور والجمعيّة التونسيّة للعلوم الشرعيّة والجمعيّة التونسيّة لأئمّة المساجد في بياناتها عن رفضها القاطع لهذا التقرير واصفة إيّاه بالمنافي للإسلام والمهدّد للسلم الأهلي. في المقابل، أعلنت الأحزاب الليبراليّة واليساريّة عن دعمها لهذا المشروع، لكنّ الدعم اليساري رآه البعض محتشما وغير كافٍ. في هذا الإطار، أكّدت السيدة بشرى بالحاج حميدة[23] أنّ موقف الجبهة الشعبيّة كان محتشما للغاية وأرجعت ذلك إلى حسابات سياسيّة ضيّقة وتكتيكات انتخابية صرفة. وهو ما نفاه الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيّة حمّة الهمّامي حين قال: “إنّ اليسار التونسي بصفة عامة والجبهة الشعبيّة بصفة خاصة لا خيار أمامها سوى الدّفاع عن الحريّات العامة والخاصة.[24]

في هذا السياق، أرجع الكاتب التونسي يوسف الصدّيق الارتباك الذي صَاحبَ موقف بعض اليساريين إلى أن “الأحزاب لم تعُد هي التي توجّه المجتمع بل أصبحت تُساير ما يطلبه، ليس في إطار تلبية رغباته بل لربح أصوات انتخابية قد تتّهمها بالزندقة وحتّى الإلحاد إن تشبّثت بالدفاع عن مقوّمات الحريّات أو المساواة”[25]. وهذا الخوف داخل بعض الأحزاب المحسوبة على اليسار يمكن تفسيره أيضا بالخشية من تفكّك الوحدة الدّاخليّة في صورة الانخراط بشكل واضح في تبنّي هذا المشروع. وهو ما نلاحظه في الانقسام الذي شهده حزب التيّار الديمقراطي (وسط اليسار) حسب ما أكدته لنا الناشطة النسويّة اليساريّة أسرار بن جويرة، التي كانت في الوفد الذي كوّنته الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات للتفاوض مع الأحزاب من أجل تبني قضيّة المساواة في الميراث، والذي لقي دعما من حزب التيّار الديمقراطي في نهاية المطاف. وهذا الدعم تسبّب فيما بعد في أزمة استقالات داخل الحزب.[26]

قد يُفسّرُ اختلاف التعامل مع ملف تقرير لجنة الحريّات بين اليسار السياسي واليسار المدني باختلاف التقييم والتقدير لمسألة الحريّات، حيث تؤكّد رئيسة الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات السابقة خديجة الشريف في ندوة نظّمتها جمعيّة نشاز[27]“أنّ المجتمع المدني كان هو من يُبادر دائما في مسائل الحريّات الفرديّة، فاليسار المدني كان دائما متقدّما على اليسار السياسي”.

ختاما يمكن القول أن التتبّع الكرونولوجي لتاريخيّة علاقة اليسار بمسألة حقوق الإنسان كشف لنا وجود مسار انطلق منذ السبعينات وما زال متواصلا إلى الآن. وقد شهدت فيه المواقف تطوّرا ملموسا ومرتبكا في بعض الأحيان. في البدايات كان موقف اليسار من قضايا حقوق الإنسان متردّدا بين الرفض والقبول المحتشم خاصة مع تأسيس الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان. لكنّ ثمانينات القرن الماضي تميّزت ببروز نزعة براغماتيّة ميّزت موقف اليسار من المسألة الحقوقيّة التي أصبحت معركة جوهريّة في الصراع مع النظام المتصلّب. لكنّ هذا التعامل البراغماتي تغيّر شيئا فشيئا ليصبح تعاملا مبدئيا خاصة بعد تشكّل يسار مدني حقوقي ركّز مجهوداته في النضال الحقوقي، فنجح بذلك في خلق تمايز مع اليسار السياسي، تمايز لم يحُل في بعض الأحيان دون خلق محطات تعاون وتنسيق بينهما، رغم أسبقيّة اليسار الحقوقي دائما في طرح المبادرَات الحقوقية الجريئة.

      لقراءة المؤلف الجماعي كاملا وتحميله، اضغط هنا


[1]  جميع الشهادات الواردة في المقال مقتطفة من مقابلات أجراها الكاتب مع فاعلين حقوقيين وسياسيين في الفترة الفاصلة بين سنتي 2013 و2014، في إطار إعداد رسالة ماجستير في التاريخ المعاصر حول خفايا تأسيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان.

[2] مقتطف من شهادة مختار الطريفي.

[3] شهادة مصطفى التليلي.

[4]جريدة الرأي: عدد 215، 6 ماي 1983، ص7.

[5] حسيب بن عمار، سياسي تونسي تقلَّد عدة مناصب سياسية في الدولة الاستقلالية آخرها وزير دفاع سنة 1971، ثم انشقّ عن الحزب الحاكم لينضمّ إلى حركة الديمقراطيين الاشتراكين، كان من أبرز المساهمين في تأسيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان. 

[6] شهادة خديجة الشريف.

[7] .2009/09/30، (1240): Réalités

[8] شهادة خميّس الشمّاري.

[9]     شهادة هشام سكيك.

[10]   المرجع نفسه.

[11]   شهادة خميّس الشماري.

[12]  شهادة مختار الطريفي.

[13]  شهادة خميّس الشّمّاري.

[14]   شهادة مصطفى التليلي.

[15] شهادة فتحي بن سلامة.

[16] شهادة صلاح الدين الجورشي.

[17]  الرأي: 6 سبتمبر 1985.

[18]  محمد أكرم هويمل: الرّابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان: مرحلة التأسيس كلية العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة بتونس، 2014، ص118.

[19] محمد مزام : الرّابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان: كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس، تونس،2010، ص70، ص71.

[20] النساء والجمهوريّة من أجل المساواة والديمقراطيّة: الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات، تونس،2008، ص7.

[21] المرجع السابق: ص8.

[22] المنذر الشارني: التعذيب بعد الثورة: بين منع القانون وتواصل الممارسة، في، انتهاكات حقوق الانسان بتونس 1956/2013 بين الذاكرة والتاريخ، المغاربية لطباعة وإشهار الكتاب، تونس،2014،ص295.

[23] ورد بمقال في صحيفة العرب في 28/07/2018 بعنوان: “لماذا يتجنّب اليسار التونسي ملفّ الحريّات؟”.

[24] المرجع السابق.

[25] المرجع السابق.

[26] شهادة أسرار بن جويرة.

[27] ندوة بعنوان: فضاءات اليسار: اليسار المدني واليسار السياسي: أية علاقة؟

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية