اليسار التونسي والجامعة: قراءة في مآزق الارتباط


2023-05-25    |   

اليسار التونسي والجامعة: قراءة في مآزق الارتباط

أزمة اليسار موضوع مُجترّ، كُتِبَت في تقييم أسبابها واستقراء سُبل تجاوزها محاولات كثيرة لا يسمح هذا الإطار بجردها بجدّية. بل سأكتفي في الأسطر القادمة برصد مظاهر علاقة مأزومة بين اليسار والجامعة والحركة الطلّابيّة. ولعلّ تغيير زاوية النظر سيُساعدنا على طرح أسئلة أنجع لفهم الواقع. ربّمَا يَكمن أوضح مؤشر عن تأزّم هذه العلاقة في ربط محنة اليسار التونسي بتدهور النضال الطلّابي كمّا ونوعا، ممّا أضعَف تدفّق المناضلين على التنظيمات اليساريّة. هذا بالإضافة إلى الإدانة الشائعة التي تُدافع عن فكرة “عجز القوى اليسارية عن الخروج من الجامعة”، وبلغة أخرى يُلَخّص الإشكال عادة في عجز اليسار عن بلوغ “النضج السياسي” الذي يُعتقد أنه مطلوب كي تنجح السياسة اليساريّة على المستوى الوطني، أو التخلّص من “المراهقة السياسية”، أو ما يطلق عليه “الرومنسيات التي عفّ عنها الزمن”، أي الأحلام الثورية للستينات والسبعينات التي مَيّزت النضال الطلّابي الحَالم وغير الواقعي. فكيف للجامعة أن تكون سبب المشكل ومكمن الحلّ أيضا؟ سيحاول المقال طرح هذا السؤال بأشكال متعدّدة من أجل تعميق التفكير فيه، من دون السعي إلى تقديم إجابات ناجزة أعتقد أنه وجب إنضاجها كمحصّلة لنقاش جماعي معمّق. سأستهلّ المقال بتقديم نوعيّة العلاقة التي تربط اليسار بالحركة الطلّابية قبل أن أتوقف عند خصائص التنشئة السياسيّة التي يتلقاها اليساريّون في الجامعة، لأناقش في مرحلة تالية معاني فكرة فك الارتباط بين اليسار والجامعة، لأنهي قراءتي بالدفاع عن أحد هذه المعاني.

اليسار التونسيّ كأحد تعبيرات الحركة الطلّابيّة

من المفيد أوّلاً وقبل الخوض في أوضاع الحركة الطلّابيّة التونسيّة التساؤل عن مَعانِي وتبعَات تعليل أزمة اليسار بالصعوبات التي تعيشها هذه الحركة. أيّ معنى لأن يكون سبب أزمة قوة اجتماعيّة مَا كامنًا في صعوبات تعيشها كتلة اجتماعية أخرى؟ يؤدّي هذا أساسا إلى اعتبار العلاقة بين الطرفين عضوية، أي أن الوضع الصحّي للحركة الطلّابيّة ضرورة حياتية لليسار والعكس صحيح أيضا.

ربّما تحتاج مُساءلة هذه القناعة إلى الإقرار الموضوعي بأن الجامعة كانت حقّا المزوّد الرئيسي وشبه الحصري لليسار التونسي بالمناضلين والمناضلات. وتكفي مراجعة السيرة الذاتية لقياديي التنظيمات اليسارية الحالية للتأكد من مركزيّة النضال الطلابي فيها. هذا بالإضافة إلى أن دور بقيّة الروافد الاجتماعيّة التي قد تزوّد القوى اليساريّة بالمناضلات والمناضلين هامشي جدّا. فدور الرافد العمّالي شبه منعدم، كما أن الرافد الثقافي مُلحق كلّيّا بالحركة الطلّابية، في حين تغيب كلّ القوى الأهليّة غير الطلّابية عن هذا المشهد. أما علاقة عاملات وعمال الفلاحة باليسار فهي تقريبا منعدمة. وبالإمكان الاسترسال في تعداد علاقة اليسار بمختلف الفئات الاجتماعية طلبا لمزيد الدقّة، غير أن الأهمّ في رأيي هو الخروج باستنتاج يؤكد ضحالة وانعدام الوجود الاجتماعي لليسار التونسي خارج الجامعة، وقد كان هذا هو الحال منذ ستينات القرن المُنصرم. فالحركة الطلّابية التونسيّة -خلافا لفكرة رائجة- لم تكن يوما رافدا من روافد اليسار، بل إن العكس هو الصحيح. إذ أن اليسار كان أحد تعبيرات الحركة الطلّابيّة، وإن كان له نشاط غير جامعي في النقابات ومنظمات المجتمع المدني والفضاء السياسي الاحترافي فإن هذا النشاط قد تطوّر تدريجيّا مع الوقت.

خصائص التنشئة السياسيّة الطلّابيّة اليساريّة

في سياق استقراء النشأة الاجتماعية والسياسية للتنظيمات اليساريّة[1] التونسيّة الناشطة في الجامعة، يُمكن ضبط جملة من الخصائص التي سَاهمت في نحت الخطوط العريضة لما اصطُلحَ على تسميته بالعائلة اليساريّة التونسيّة. تتحدّد الخاصيّة الأولى بالموقع الاجتماعيّ لعناصر هذه القوّة السياسيّة، بوصفهم أفرادًا ينحدرون من أصول اجتماعية متنوّعة ولهم تقديرات متباينة لتموقعهم الاجتماعي المستقبلي، غير أن ما يُعطيهم حدًّا أدنى من التناغم الاجتماعي -اللازم لتجربتهم المشتركة في الحركة الطلّابيّة- هو الرّصيد المعرفي والثقافي المشترك المُترَاكم الذي يُميّزهم ويُشعِرهم بالتميّز عن أولئك الذين لم يبلغوا التعليم الجامعي. أما الخاصيّة الثانية فهي المَعيش اليومي الطلّابي كتجربة جماعيّة يتفاعلون فيها بشكل مُكثّف لعدة أعوام، ولن أبالغ إن اعتبرتها تجربة استثنائيّة غالبًا ما تَترُك أثرًا ملحوظا في حياة من مرّوا بها. والخاصيّة الثالثة هي فرادة الالتزام الطلّابي كإطار محدّد لتعلّم ممارسة السياسية في تونس قبل عام 2011، وتُزوّد هذه التجربة صاحبها بزاد نظري وعملي وعلائقي ورمزي خاصّ، يَختلف عن الخبرات المُكتسبة من مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى.

ولهذهِ الخصائص تبِعَات حاسمة على التجارب السياسيّة اللاحقة لأصحابها، وتترُك أثرا في التنظيمات التي يُواصلون النضال فيها أو يلتحقون بها. إذ أنّ مركزيّة تجربة التعليم كإطار “موضوعي” جامع لهذه العناصر أعطىَ البعد النظري والخَطابي والرمزي في النضال السياسي التونسي وزنا كبيرا. في المقابل، ظلَّ البعد العملي والميداني مُهمّشًا في الإرث اليساري التونسي. وبالمقارنة مع هذه التجربة، فإنّ تجارب يساريّة أخرى نشأَت في فضاءات العمل أو الأحياء أو النقابات، وأعطتْ قيمة اعتباريّة مُغايرة لمختلف المهام النضاليّة. ويبلغ الاختلاف أقصاه في تجارب بلغت حدّ معاداة “الترف الفكري” والعمل النظري. ليس الهدف هنا المفاضلة بين إحدى هاته المدارس اليساريّة، بل التذكير بتاريخيّة نشوء النزوع “الثقافوتي”[2] المبالغ فيه لدى اليسار التونسي.

هذا بالإضافة إلى أن قضاء وقت طويل سويّا وعيش تجارب حياتيّة عميقة مشتركة يَخلق بين المناضلين صداقات ورفقة وحميميّة لا تنفصم عُراها بسهولة، وهو ما يساهم في تشكيل “مجموعات أُلفَة” تتّسم بدرجات عالية من الانسجام الذي يتداخل فيه السياسي والفكري بالعاطفي، وحتّى الأسَري. ولا تقتصر هذه الديناميّة الحياتية على المدى الطويل فقط على المنتمين لنفس التنظيم، بل قد تضمّ هذه المجموعات أولئك الذين عاشوا التجربة الطلابية في نفس الفرع الجامعي، وأحيانا -بأكثر ندرة- حتّى أولئك الذين عاشوا تجارب سياسيّة متزامنة، مع شرط تواتر اللقاءات بينهم[3]. وقد تتشكّل مجموعة ما في الجامعة لتتركها فيما بعد وتؤسس تنظيما أو تترك الجامعة لمواصلة النضال السياسي صلب نفس التنظيم السياسي الذي انتمت إليه أثناء نشاطها الجامعي. لكن الأمر سيّان في الحالتين باعتبار أن العلاقات الشخصيّة الصّلبة التي تشكلت بين العناصر اليساريّة الطلّابيّة ستَلعب دورا كبيرا في نحت أسلوب اجتماعها في تجربتها السياسية خارج الجامعة. يبرز ذلك مثلا في الانغلاق النسبي لهذه المجموعات وصعوبة انفتاحها على عناصر من روافد أخرى، وتحويل الثقة الشخصيّة بينها إلى عامل تنظيمي مؤثر، وقد يفسّر هذا جزئيّا انحسار الاستقطاب اليساري في العناصر الطلّابيّة.

وتتمة للخاصيّتين السابقتين، فإن التمرّس على العمل السياسي في الجامعة التونسيّة قبل عام 2011 مَكّنَ أجيالا متعاقبة من تعلّم آليات نضال وطرق تنظّم وأشكال احتجاجيّة غير مُتاحة بنفس القدر خارج أسوار الجامعة. ليس بالغريب بعد إدراك هذا، أن نفهم سبب هيمنة الخُطب العامة (يُطلق عليها الاجتماع العام في التقليد الطلّابي التونسي) على النشاط اليساري في تونس، رغم بداية تقلّص أهمّيتها خلال السنوات الأخيرة. كما أن انفتاح الجامعة النسبي على النشاط السياسي وهامشية تأثيرها في الدورة الاقتصادية جعلا الخطاب اليساري الطلاّبي ينحو بسهولة أكبر نحو التحريض المباشر والمُزايدات الكَلامية. هذا بالإضافة إلى أنّ التجربة الجامعيّة تُزوّد صاحبها بشبكة علاقات سياسيّة لا يُمكن نسجُها بسهولة خارج أسوار الجامعة. ورغم الإمكانيات الكامنة التي تمنحها هذه الشبكة، فإنها قد تتحوّل أحيانا إلى فخّ يُطوّق صاحبها، أو بعبارة أخرى تتحوّل إلى فضاء معرفي (espace épistémique) منغلق.

إنّ العلاقة العضويّة بين اليسار التونسي والحركة الطلّابية مسألة واقعيّة تُثبتها المعطيات، وليس لهذه العلاقة من تبرير سياسي طبعا، فاليسار كحركة سياسية قادر على النشوء خارج الجامعة وعلى الانتشار في كل فضاءات الحياة الاجتماعيّة مثلما تُخبرنا بذلك التجارب المقارنة في كل أنحاء العالم. إضافة إلى أن الطلاّب كفئة اجتماعية لا تحتوي خصائص تؤهّلها للعب أدوار أساسية في تغيير المجتمع ثوريّا، بسبب غياب التناغم الطبقي صلبها. لا ينفي هذا التنوع الطبقي قدرة الحركة الطلابيّة على مدّ الحركة الثورية بعناصر فاعلة ولا يُلغي قدرتها على لعب أدوار سياسيّة، لكنّها حتما غير قادرة على لعب الدور المحوري في الحركة الثوريّة، ولعلّ التجارب التاريخيّة المتعدّدة لا تترك مجالا كبيرا للشك في كل هذا.

فك ارتباط اليسار بالجامعة: هل هي ضرورة؟

بالعودة إلى الانتظارات المُتناقضة التي يُعلّقها اليسار التونسي على الجامعة -والتي انطلق بها هذا المقال- فإنّي سأُصَدِّقُ الرأي القائل بأن أزمة اليسار التونسي تكمن في عجزه عن تجاوز تجربة الجامعة. أعتقد حقّا أنها أحد أسباب أزمة اليسار. لكن ما أعنيه بهذا الموقف ليس ما يُراد منه عادة، حيث دأبَ المدافعون عن هذا الرأي بتفسير هذا الجانب من الأزمة بالعجز عن بلوغ “النضج السياسي” الذي يُعتقد أنه مطلوب كي تنجح السياسة اليساريّة على المستوى الوطني، وعادة ما يدعو أصحاب هذا الموقف إلى ضرورة التخلّص من “المراهقة السياسية”.

وقبل أن أوضّح ما أعنِيه بربط أزمة اليسار بالجامعة، أرى أنه من الضروري التفاعل مع التأويل الرائج لهذا الرّبط. إن وصم النضال الطلّابي بـ”المراهقة السياسيّة” يشي باحتقار دفين لهذه التجربة وثرائها وقدرات الشباب في تلك المرحلة العمرية. وماذا تعني “المراهقة السياسية” في نهاية الأمر غير العجز عن الاستغلال الأمثل للإمكانيات المُتاحة للحركة بسبب إسراف في الانجراف خلف العواطف والنّزعات غير المحسوبة؟ من نافل القول طبعا بأن إقرارا كهذا يؤكّد جهل أصحابه بواقع النضال الطلّابي وبزاد المرونة التكتيكية ورهافة الإحساس بميزان القوى التي يلقّنها النضال الطلّابي لكل من مرّوا به. لكنّي أعتقد أن أصحاب هذا الرأي يدعون اليسار الطلابي إلى التحوّل من “المراهقة السياسيّة” إلى “الواقعية والنضج”. وهذان المصطلحان يوضّحان القصد السياسي الفعلي من إطلاق صفة المراهقة. فالواقعيّة تَعني في هذا القاموس السياسي التخلّي ببساطة عن مشروع التغيير الجذري للرأسمالية والإمبرياليّة والابتعاد عن محاولات التمايز الثوري عن آليّات العمل والتنظّم المهيمنة داخل المنظومة الرأسمالية السائدة. فالخطابات الثوريّة التي لا زالت حاضرة في الجامعة مزعجة في هذا السياق، لأنها تُعيق ترسّخ هذا الاتجاه، رغم أنّه في الحقيقة قطع أشواطًا من الهيمنة داخل تنظيمات اليسار التونسي.

يحتاج تعليل المأزق الذي يعيشه اليسار التونسي، الذي اصطلح على تسميته بـ”أزمة الحركة الطلابية”، بدوره إلى المساءلة. لابد أن نُشير أوّلاً إلى غياب الاتّفاق حول معاني الأزمة بين الذين تناولوا واقع الحركة الطلّابيّة. لكن يبدُو في الوقت نفسه أن تقلّص تأثير الحركة الطلّابية في الطلاب والجامعة يحظى بحدّ أدنَى من القبول لديهم. ويمكن تفسير صعوبة تحديد معنى لهذه “الأزمة” بأن مصطلح الأزمة في حدّ ذاته ليس مفهوما تحليليا نافعا، بل مصطلحا انطباعيّا وغائيّا، إذ يُنتِج التفكير “الأزموي” حَجبًا للظاهرة المدروسة أكثر من فهمها والكشف عنها. وتعُود أول التحاليل لأزمة الحركة الطلّابية التونسيّة إلى أواسط خمسينات القرن الماضي في بعض المقالات المنشورة في جريدة الطالب التونسي، الصوت الرسمي للمركزية الطلابية حينها. ومن نافل القول أن هذه الأزمة فرضَت نفسها كحجر زاوية كلّما تصدّت دراسة مَا لواقع الحركة الطلّابية. كما أن كلّ أجيال المناضلين الذي مرّوا بالجامعة كانوا مسكونين بهاجس الإحساس بتلاشي الحركة الطلّابية كلّما غادروها. فكيف لهذه الأزمة التي دامت عمرا كاملا -منذ الخمسينات- أن تسعفنا في فهم ظاهرة الحركة الطلابية؟ هل يعني هذا أن الحركة الطلّابية لا تعيش صعوبات جمّة اليوم أو أنها لم تجتز مشاق ومخاطر في السنوات السابقة؟ طبعا لا، ما يعنيه هذا أن “الأزمة” ليست المدخل الأمثل لتحليل هذه الصعوبات. والأزمة كمفهوم غير مفيد أيضا لتحليل واقع اليسار التونسي. لهذا أجدني شديد التحفظ من استعماله في هذا السياق. إذ يفترض ذلك أن اليسار التونسي كان له عصر ذهبيّ سابق للأزمة، وهو ما يُجانِب الصّواب تمامًا. لكن الأخطر في رأيي يتمثّل في التّبعات الوَخيمة التي تأتي من مطابقة الرؤى الماضويّة المشدودة إلى زمن سالف مُتخيّل مع الحلّ السياسي الذي يُرجى منه إخراج اليسار من هذا الوضع: أي إعادة إحياء الماضي الذهبي. لهذا اكتفيت في هذا المقال باستعمال الأزمة وصفيّا لا تحليليّا، لنعت العلاقة التي تجمع اليسار التونسي بالحركة الطلّابيّة.

في أفق علاقة صحّية بين الطرفين

ما أعنِيه بضرورة تجاوز اليسار لتجربة الجامعة، هو بالأساس نقل المجهود الفكري والتنظيمي والسياسي من الجامعة إلى فضاءات اجتماعيّة أخرى وإعطاء الجامعة الدّور الذي تستحقّه كأحد الفضاءات المكمّلة -الثانويّة للعمل الثوري، لا نواته وطليعته ومجاله الأساسي. ويعني هذا منطقيا داخل كلّ تنظيم يساري أن تصبح شؤون الجامعة شؤونا قطاعية ثانوية لا تخصّ غير مناضليه الطلّابيين، عوضا أن تكون -مثلما هي اليوم- مجالا استراتيجيا للتنظيم، تتدخّل فيها حتّى القيادة الوطنيّة. إضافة إلى أن المناسبات الداخلية الكبرى للحركة الطلّابية لا يجب أن تتحول إلى رهانات حيويّة للتنظيمات يُبالغ في الاهتمام بها، مُقابل التخلي عن تحالفات سياسيّة وطنيّة أوسع. ويعني تجاوز اليسار الجامعة فيما يعنيه أنّ حجم المناضلين الطلّابيّين يجب أن تكون نسبته ثانوية مقارنة ببقية مناضلي التنظيم في القطاعات الاجتماعية الأخرى.

إنّ دُخول الحركة الطلّابيّة في مواجهة مع النظام ورفع جزء منها شعارات مناهضة للإمبرياليّة والرأسماليّة في ستينات وسبعينات القرن الماضي كانت مرحلة من بين مراحل متعددة مرّت بها الحركة الطلّابية التونسية، وكانت ممكنة بسبب توفّر ظروف وعوامل مُحدّدة. لكن التعسّف الذي وقعَ في قراءة طبيعة هذه الحركة عمَّم الوضع الاستثنائي للنشأة بشكل مبالغ فيه، وحَوّلَه إلى إحدى خصائصها المكونّة.

وفي ختام هذا المقال فإنّي سأجَازف بالتأكيد على فوائد تقليص اليسار لمكانة الحركة الطلّابية بناءً على ما سبق من تحليل، وليس ذلك بالهيّن طبعا، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة العضوية بينهما والتي سبق أن أشرت إليها. غير أن فوائد هذا التحوّل -حسب اعتقادي- ستكون إيجابية بالنسبة لليسار والنضال الطلّابي أيضا. فاليسار سينفتح حينها على بقيّة المجتمع ويخرُج من عزلته التي فرضَها على نفسه بشكل لا إرادي، أمّا الحركة الطلّابيّة فإنها قد تجد نفسها متحرّرة من صراعات ورهانات تنظيمية تتجاوزها، ممّا يجعل نضالها السياسي أكثر ارتباطا بواقع أعضائها والمنتمين إليها.


[1] لن أتوقّف في هذا المقال على تجربة الحزب الشيوعي التونسي. إذ نشأ الحزب في ظل الاحتلال الفرنسي وخضع في نشأته إلى وضعية محلّية (احتلال مباشر) ودوليّة (ثورة أكتوبر، نهاية الحرب العالميّة الأولى وسقوط الإمبراطوريّة العثمانية…) ومجتمعيّة (عمّال ومهمّشون ومثقفون أوربيّون غير فرنسيّين، مستعمرون فرنسيّون، يهود أوربيّون، تونسيّون من خلفيات دينيّة وثقافية متنوّعة، مغاربيّون…) شديدة التباين عن المسار الذي عاشته بقيّة تنظيمات اليسار التونسي التي نشأت بعد الاستقلال.

[2] لا يعني التركيز المفرط على الصراعات المفهومية والجدل التاريخي شَرطا وجود ثراء فكريّ. إذ أن أبرز الإضافات التي حصلت تاريخيّا للفكر اليساري توافقت مع اتقاد في النضالات الميدانيّة وقلّما حصل وصيغ مفهوم ثوري أو فكرة ثوريّة في مكان يفتقر لعمل جماعي ثوري مؤثّر.

[3] قد يشمل ذلك الانتماء إلى نفس المكتب التنفيذي أو عضويّة لجنة وطنيّة أو لعب دور قيادات جهويّة لتنظيماتهم أو المشاركة في تنسيقيّات أو الاشتراك في تنظيم تحركات احتجاجية جهوية أو وطنيّة، إلخ.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حراكات اجتماعية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية