الهيئة الوقتية للقضاء مكسب هام رغم الهنات


2013-04-29    |   

الهيئة الوقتية للقضاء مكسب هام رغم الهنات

وسيلة كعبي
صادق المجلس الوطني التأسيسي التونسي يوم 24 أفريل 2013 على قانون الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي. وأبدت الأطراف القضائية مواقف متباينة تجاه مشروع القانون اذ رحبت به جمعية القضاة واعتبرته تتويجا لنضالاتها، فيما تمسكت نقابة القضاة برفضه وأكدت عزمها على التصدي له لكونه يسمح لغير القضاة بالتحكم في المسارات المهنية للقضاة. وذات التصدي جابهت به عمادة المحامين القانون بعدما أصدرت بلاغا دعت فيه المحامين لعدم الترشح لعضوية الهيئة لعلة أن القانون في صيغته النهائية أقصى هيئة المحامين كهيكل مهني من تركيبة الهيئة وهو أمر تعده تهميشا لها.
وبعيدا عن تجاذبات الهياكل المهنية والمواقف التي صاغتها، حاولت القاضية التونسية السيدة وسيلة الكعبي أن تقدم قراءة لقانون هيئة الاشراف على القضاء العدلي في مقال لها نشر بصحيفة الطريق الجديد التونسية وتتولى المفكرة القانونية اعادة نشر المقال بالنظر الى أهميته (المحرر).
بمائة وواحد وخمسين صوتا صادق المجلس الوطني التأسيسي على مشروع قانون الهيئة الوقتية للقضاء العدلي المنصوص عليها بالقانون المنظم للسلط العمومية. ورغم طول المدة التي استغرقها النقاش حول مشروع قانون الهيئة الذي آل الى اسقاطه ثم اعادة النظر فيه من جديد بعد ستة أشهر، وما  عرفته الساحة القضائية من تحركات مختلفة من اضرابات واعتصامات ورفع الشارات الحمراء احتجاجا 
على التأخير  في انشاء الهيئة، فإن يوم 24/04/2013 سيبقى حدثا هاما في تاريخ القضاء والقضاة  التونسيين، بعد أن كانت مصائرهم ومسيرتهم المهنية بيد مجلس أعلى للقضاء مثل على مدى عقود أداة  في يد السلطة التنفيذية وجسم عدم استقلالية القضاء في أبشع مظاهرها، كما جسد ارتهان القضاء 
للسلطة السياسية المستبدة. إن ما رافق انشاء الهيئة من تجاذبات داخل المجلس الوطني التأسيسي وفي أوساط القضاة وما برز من صعوبة في ايجاد توافقات عند مناقشة العديد من الفصول أشاع الخشية من اسقاط المشروع ثانية، الا أن 
الوعي بوجوب انشاء الهيئة،  باعتبارها استحقاقا دستوريا، مكن في الاخير من تجاوز العراقيل.
توافقات هامة
ودون الخوض في بعض التغييرات المحدثة على مستوى صياغة بعض الفصول وترتيبها، فقد تم التوافق صلب
 الفصل السادس من المشروع على تركيبة الهيئة وذلك بالمحافظة على عدد القضاة المنتخبين 
(10) وعلى عدد القضاة المعينين بصفاتهم (5)ونص الفصل على تواجد خمسة أساتذة جامعيين في 
القانون من ذوي أقدمية لا تقل عن 15 سنة، يكون من بينهم بالضرورة محاميان لدى التعقيب بأقدمية لا تقل عن
 عشر سنوات ويجمعان بين التدريس والمحاماة، كما يشترط فيهما الكفاءة والحياد والنزاهة.
كما تم بمقتضى الفصل 16 الاستغناء عن’الناشط الحقوقي‘ وبذلك أصبحت الهيئة، عندما تنتصب   كمجلس تأديب، قضائية بحتة، وهو تحوير يستجيب لمطالب القضاة الرافضين أن يضم مجلس التأديب   أعضاء من السلطة التنفيذية أو التشريعية لما في ذلك من خطر التوظيف السياسي لتأديب القضاة.
ولعله من الجدير بالملاحظة أن الفصلين 9 و18 من المشروع، ورغم اقرارهما في جلسة سابقة، فإنه تمت اعادة 
النظر فيهما تطبيقا لأحكام الفصل 93 من النظام الداخلي للمجلس الوطني التأسيسي الذي يمكن من العودة لمناقشة  فصل وقع اقراره اذا طلب ذلك ممثل الحكومة أو رئيس اللجنة المعنية أو مقررها العام
 بناء على ظهور عناصر جديدة تهم الموضوع قبل الانتهاء من المداولة حول المشروع المعروض.
وقد وقع بمقتضى الفصل 93 المذكور التخلي عن الصيغة المقترحة بخصوص سحب منع الترشح
 لعضوية الهيئة على كل من انقلب على جمعية القضاة سنة 2005 باعتبارها صبغة عامة من شأنها 
تسليط عقوبة جماعية على عدد كبير من القضاة وهو مطلب جمعية القضاة التونسيين الذي تقدمت به 
الى رئاسة المجلس الوطني التأسيسي، كما تم بمقتضى الفصل 18 تحديد نوعية الجنح التي يمكن 
اعتبارها موجبة لرفع الحصانة والمؤاخذة الجزائية وهي الجنح القصدية والمخلة بالشرف.
 ونواقص حقيقية
إن هذا القانون، رغم ايجابياته العديدة التي تمثل ضمانات هامة بالنسبة للمسار المهني للقضاة فيما يتعلق بنقلتهم 
وترقيتهم وتأديبهم، الا أن ذلك لا يمكن أن يحجب نواقص ورغبة في الحد من صلاحيات الهيئة 
وذلك بعدم تمكينها من مراجعة قرارات الاعفاء التي تتخذ في شأن بعض القضاة دون تمكينهم من
 الضمانات الكافية للدفاع عن أنفسهم.
إن ما قدم من تفسيرات بخصوص عدم امكانية تعهد الهيئة بالنظر في ملف الاعفاءات سبق تعهد 
المحكمة الادارية بها والخشية من تضارب القرارات رأي غير مقنع ولا أساس له، خاصة أن مصادقة 
الهيئة على الاعفاءات ثم مراجعتها اذا رأت وجاهة في ذلك لا تمنع المحكمة الادارية من البت بانعدام 
موضوع القضية.كما أن تحديد صلاحيات الهيئة يتمثل في الابقاء على اختصاص وزير العدل بصفة حصرية بإحالة الملف التأديبي عليها.
ولا شك أن تقييم قانون الهيئة الوقتية للقضاء العدلي سيبقى محل جدل في أوساط القضاة ومحل مراوحة 
بين القبول به مع ابداء بعض الاحترازات وبين رفضه كليا.
إن التعاطي السليم والعقلاني مع هذا القانون هو الدفع في اتجاه التعجيل بتركيز الهيئة رغم بعض الهنات
وذلك بتحديد موعد قريب لانتخاب أعضائها حتى تتمكن من البدء في أشغالها والقيام بمهامها التي لن 
تكون هينة، خاصة امام كثرة المشاكل التي يعيشها القطاع وقيمة الرهانات المطروحة ونحن في مرحلة 
تأسيس لسلطة قضائية مستقلة.
إن قانون الهيئة ليس هدفا في حد ذاته، بقدر ما  يمثل مدخلا لمسار اصلاح المنظومة القضائية وهو 
مطمحنا جميعا.
 
قاضية، مستشارة لدى محكمة التعقيب
المصدر:صحيفة الطريق الجديد (تونس)عدد  325 بتاريخ 27 أفريل 2013

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية