الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية القوانين تعجز عن القرار


2016-04-25    |   

الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية القوانين تعجز عن القرار

كشف موقع الصباح نيوز أن الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين أنهت مساء يوم 22-04-2016 تداولها في مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء لعجزها عن اتخاذ موقف بسبب عدم التوصل لأغلبية تحسم الموقف في دستورية أو عدم دستورية المشروع  في صياغته التي صادق عليها مجلس نواب الشعب بجلسة يوم 23-03-2016.

تمنع أحكام القانون الأساسي للهيئة[1] التي تفرض أن تكون جلساتها سرية من التوصل في المدى المنظور لتفسير واضح لحالة تعطل القرار الذي وصلت لها الهيئة. ويؤشر هذا الأمر إلى أن الاعتماد الصارم لمبدأ سرية المفاوضة في عمل القضاء الدستوري كان اختيارا سلبيا خصوصا وأن هذه السرية تم خرقها بتسريبات إعلامية قد تفقد الهيئة القضائية ما كان يفترض فيها من التزام بالدستور والقانون.

أصدرت الهيئة بمجرد أن عهدها رئيس الجمهورية بمشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بداية الشهر الرابع من سنة 2016 قرارا تحضيريا يقضي بمطالبة مجلس نواب الشعب بأن يمدها بتفاصيل واجراءات احالة قانون المجلس الاعلى للقضاء على الجلسة العامة والمصادقة عليه. أثار حينها هذا القرار ردة فعل سلبية إذ دعا اثره رئيس مجلس نواب الشعب  بشكل وصف بالعاجل مكتب رئاسة المجلس  للتداول. قرر مكتب رئاسة المجلس التشريعي أن يحيل أمر البت في الطلب الى الجلسة العامة للنواب في مؤشر يدل على توجه نحو إخراج الصراع مع الهيئة للعلن[2]. لاحقاً، تم التراجع عن هذا الموقف المتشنج ليستبدل بقرار لم يعلن عنه يقضي برفض تنفيذ الحكم التحضيري بدعوى "أنه ليس من صلاحيات الهيئة معرفة كواليس التصويت على مشروع القانون، وأن مهامها تقتصر فقط على تحديد دستورية القانون من عدمه"[3].

كان يفترض بالتالي أن ترتب الأغلبية التي اتخذت القرار التحضيري أثرا قانونيا على امتناع السلطة التنفيذية عن الاستجابة لحكمها ولكن هذا الامر لم يتحقق بما يفرض طرح السؤال حول خلفيات ومسببات انهيار الأغلبية بالهيئة الدستورية.

يفرض غياب المستندات التي قد تكشف سبب عجز الهيئة عن التوصل لقرار في شأن مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء، طرح الفرضيات التي يمكن أن تفسر ذلك. وبالإمكان تقديم فرضيتن: الأولى، تتعلق بتغيير تركيبة الهيئة أثناء نظرها في مشروع القانون، والثانية تكمن في إخفاق الهيئة في عملها على مشروع القانون.

الفرضية الأولى: أثر التحوير في منصب الرئيس الأول للمحكمة الادارية على توزان الأغلبية

يعتبر الرئيس الأول للمحكمة الإدارية بحكم صفته النائب الأول لرئيس الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين ويكون بذلك أحد أعضائها الستة. وسجل خلال مدة النظر لثالث مرة من الهيئة في مشروع القانون الأساسي للمجلس الاعلى للقضاء تحوير في شخص من يتولى هذا المنصب. بلغ الرئيس محمد فوزي بن حماد بنهاية الشهر الثالث من سنة 2016 نهاية المدة التي سبق وأن مدد له فيها بالعمل بعد بلوغه سن التقاعد القانوني. وتولت بتاريخ 01-04-2016 رئاسة الحكومة التونسية تعيين القاضي الإداري الرئيس عبد السلام مهدي قريسيعية خلفا له. وقد يكون بالتالي موقف العضو الجديد العامل الذي يفسر انهيار الأغلبية داخل الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين.

يفترض هذا الطرح أن يكون الرئيس الأول للمحكمة الادارية المنتهية مدة خدمته جزءاً من الأغلبية التي توصلت عند تعهد الهيئة بمشروع القانون إلى إصدار حكم تحضيري. وهي الأغلبية التي يبدو أنها كانت تستعد للتصريح بعدم دستورية مشروع القانون بدعوى عدم احترام مجلس نواب الشعب للشروط القانونية الإجرائية في تعهيد الجلسة العامة بنظر موضوعه، كما يؤشر على ذلك منطوق القرار التحضيري. ويفترض في هذه الحالة أن يكون الرئيس الأول للمحكمة الإدارية الجديد عامل التعادل بين الأغلبية السابقة والأقلية التي عارضت الحكم التحضيري وكانت تعتبر أن جميع المؤاخذات الدستورية تم تجاوزها في مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء.

يبدو ربط انهيار الأغلبية ذات الموقف السلبي من دستورية مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بتغيير تركيبة الهيئة الدستورية فرضية واردة. لكن هذه الفرضية لا يمكنها أن تقصي فرضية أخرى تعارضها تجد في فشل الهيئة في نظر مشروع القانون بشكل يحترم القانون المحدث لها و مكانتها الدستورية المبرر لموقفها النهائي.

الفرضية الثانية: الفشل في اتخاذ موقف بالأغلبية سببه فشل في إدارة إجراءات نظر مشروع القانون

لم تتوصل الهيئة في نهاية الأمر بما طلبت من مؤيدات من المجلس التشريعي. واستغرق ترقب الهيئة الدستورية تنفيذ قرارها التحضيري كامل الآجال القانونية لنظر الهيئة في أصل مشروع القانون التي يفرضها الفصلان 21 و23 من قانونها الاساسي[4]. حوّل سهو الهيئة عن الالتزام بالاجراءات والشكليات القانونية في عملها الهيئة التي كان يفترض أن تكون الحامية لعلوية الدستور إلى هيئة يتهمها جانب من الفقه بخرق القانون. وقد يكون هذا الانحدار إلى خانة خرق الاجراءات مصدر الحرج الذي لحق الأغلبية بالهيئة التي كانت تستعد لاعلان نفسها حامية للاجراءات القانونية الأساسية.

يفترض هذا الطرح أن يكون عضو أو أكثر من الأغلبية التي كانت متحمسة للتصريح بعدم دستورية اجراءات سن مشروع القانون الأساسي للمجلس الاعلى للقضاء قد اعترف بانتهاء الآجال القانونية لبت الهيئة في مشروع القانون بما أدى لتوزان في المواقف بين الأعضاء. .وقد يكون هذا التغيير في تركيبة المواقف داخل الهيئة مخرجا تم ترتيبه لتجنب التصريح بالتقصير في عمل الهيئة القضائية.

يصعب ترجيح أي من الفرضيتين أدت لحالة توازن المواقف من دستورية مشروع المجلس الأعلى للقضاء داخل الهيئة الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين. وقد يمكن حفظ الهيئة لمحاضر جلساتها الذي يفرضه الفصل 17 من قانونها الاساسي[5] الباحثين لاحقا وبعد مرور الآجال الواجبة لرفع السرية عنها من فهم ما يستحيل الجزم به آنيا.

وأيا كانت الفرضية التي أدت للموقف المفاجئ، فإن العجز عن إصدار القرار أشر على فشل المشرع الذي اختار أن يكون عدد أعضاء الهيئة ستة أي عددا زوجيا[6]على تصور الآليات الكفيلة بتحقيق أغلبية داخل الهيئة تمنع انكارها للعدالة. كما أشر ذات العجز عن كون تجربة الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين لم تصل إلى درجة من النضج المفترضة في الهيئات القضائية الدستورية، هذا النضج الذي يؤمل أن تصل المحكمة الدستورية الى الوصول له من خلال حسن استفادتها من تجربة الهيئة التي ستخلفها بمجرد ختم رئيس الجمهورية لقانون المجلس الأعلى للقضاء وتركيز هذا المجلس الذي سينتخب ثلث أعضائها.



[1]          قانون أساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل 2014 يتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين
 

[2]       يراجع مقال " فصل جديد من الصراع حول المجلس الأعلى للقضاء في تونس: صراع المؤسسات يهدّد الدستور " محمد العفيف الجعيدي  منشور بموقع المفكرة القانونية

[3]يراجع مقال المجلس الأعلى للقضاء: قرار البرلمان حول مراسلة هيئة مراقبة دستورية القوانين – منى حرزي صحيفة الشارع المغاربي –عدد 16-04-2016

[4]يفرض الفصل 21 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل 2014 المحدث للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين على هذه الهيئة ان  تتخذ قراراتها في أجل عشرة أيام قابلة للتمديد بقرار معلل مرة واحدة لمدة أسبوع  فيما يسحب الفصل 23 من ذات القانون اجل الفصل 21 على الهيئة في صورة تعهدها بمشروع قانون بناء على رد رئيس الجمهورية له بعد قرار اول منها بعدم دستورية وهي صورة الحال

[5]ينص الفصل في فقرته الثانية على أنه  تدوّن محاضر الجلسات في سجل خاص مختوم يمضيه رئيسها                                                       

[6]ينص الفصل 04 من القانون الاساسي عدد   المحدث للهيئة على انها تتركب "
طبقا لأحكام الفقرة 7 من الفصل 148 من الدستور من:الرئيس الأول لمحكمة التعقيب رئيسا، الرئيس الأول للمحكمة الإدارية عضوا ونائبا أولا للرئيس، الرئيس الأول لدائرة المحاسبات عضوا ونائبا ثانيا للرئيس،  ثلاثة أعضاء من ذوي الاختصاص القانوني يعينهم تباعا وبالتساوي بينهم كل من رئيس المجلس الوطني التأسيسي أو مجلس نواب الشعب ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، "
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دستور وانتخابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية