الهيئات الإدارية المستقلّة، ظاهرة جديدة في نظام سياسي قديم (2): معايير الاستقلالية ومدى تكريسها في الهيئات اللبنانية


2023-05-11    |   

الهيئات الإدارية المستقلّة، ظاهرة جديدة في نظام سياسي قديم (2): معايير الاستقلالية ومدى تكريسها في الهيئات اللبنانية
رسم رائد شرف

يبقى الانفصال القانوني للهيئات المستقلّة عن تراتبية الإدارة توصيفاً نظريًّا إذا لم يقترن بضمانات معيّنة ينصّ عليها قانون الهيئة كي تعتبر استقلاليتها فعليّة وليس مجرّد إعلانا للنوايا. فبالرغم من أنّها تختلف عن المؤسسات العامّة أي أنها لا تخضع لأي سلطة وصاية وهي من أوّل وأهمّ ضمانات الاستقلالية، يبقى أنّ المنع أو الحدّ من هيمنة السلطة السياسية على الهيئات المستقلّة لا يكون ممكناً إلا إذا توفرت مجموعة من الشروط والضوابط التي سنعرض لها في هذا القسم. وتتشكل من المبادئ التالية : 

  • الطابع الجماعي (collegialité) وهو من المبادئ الأساسية لضمان استقلالية الهيئات التي تمكّنها من اتخاذ القرارات بعد نقاش عام وشفاف بين مختلف المصالح التي على الهيئات المستقلّة أن تنظمها.
  • وضع أطر واضحة لتعيين الأعضاء وهي التشاركية في تسمية المرشحين لمنصب العضوية، منع تجديد ولاية الأعضاء، تحديد شروط التمانع، طلب السيرة الذاتية الحسنة للأعضاء، مدونة السلوك يلتزم بها الأعضاء وعدم جواز إقالتهم ما يحررهم من إملاءات السلطة السياسية.
  • الموازنة المستقلّة لكلّ هيئة.

غير أن الكلمة الفصل في التعيين تبقى لمجلس الوزراء، الذي ينتقي من الأسماء المرشحة من يراهم مناسبين ما يعطيه هامشاً واسعاًواسعاً قد يستغلّه لإيصال الأشخاص الأقرب من النافذين السياسيين[1] [2].

لا بدّ من الإشارة أوّلاً أن تحصين الهيئات المستقلّة لا يعني عزلها تماماً عن الدولة لأنّ هذا غير ممكن.. إذ أنّ إذ أنّ الهيئات المستقلّة لا بدّ أن تحافظ على علاقة ما بالدولة من أجل تأمين تمويلها اللازم وتعيين أعضائها ومنحها المقومات البشريّة لإتمام عملها.

وفي هذا الصدد، سيتبيّن لنا أنه وبالرغم من استقلالية موازنات الهيئات قانوناً، أن السلطة السياسية قد أوجدت سبلاً لحرمان الهيئات المستقلّة من العائدات المحفوظة لها وأخرت تمويلها بشكل كبير وغير مبرر.

إنطلاقاً من كلّ ذلك، سنفنّد في هذا الفصل من مقالتنا جميع الضمانات المتاحة لحماية استقلالية الهيئات، مبيّنين كيف استطاعت السلطة السياسية من الالتفاف على هذه الضمانات لإبقاء الهيئات المستقلّة خاضعة لها أو مكبّلة قدر المستطاع.

الطابع الجماعي للهيئات ضمانة لاستقلاليتها

من المبادئ الأساسية لضمان استقلالية الهيئات الطابع الجماعي للهيئة أو المَجمَعِيَّة  (collegialité)، التي تمكّنها من اتخاذ القرارات بعد نقاش عام وشفاف بين مختلف المصالح التي على الهيئات المستقلّة أن تنظمها. كما أن الطابع الجماعي يبعد عن الهيئة خطر الاستئثار الفردي بقراراتها من قبل شخص واحد أو هيئة مصغرة يسهل التأثير على قراراته.

انطلاقاً من هذا المبدأ، تتراوح أعداد الأعضاء في الهيئات من خمسة أعضاء لهيئة الشراء العام، فستة أعضاء لهيئة مكافحة الفساد، وتصل حتى عشرة أعضاء لهيئة المفقودين والمخفيين قسراً وهيئة حقوق الإنسان.

يطرح هذا التفاوت علامة استفهام حول معيار المناصفة الطائفية المعتمد في تشكل جميع المجالس في كافة دوائر الدولة. إذ يبدو جليًّا أن هذا المعيار لم يؤخذ بعين الاعتبار في جميع الهيئات حيث لا يمكن تحقيق شرط المناصفة التامة في ظلّ وجود خمسة أعضاء من ضمنهم الرئيس. 

يتبيّن  أيضاً أن هذا المعيار لم يكن جوهريا في إنشاء هيئتي الكهرباء والاتصالات المؤلفتين من أربعة أعضاء ورئيس، لكن مع مرور الوقت، صار هذا المعيار مهما وصار المشرّع يعتمده في جميع الهيئات ماعدا هيئة الشراء العام. وقد يخفي إهمال هذا المعيار الجوهري للسلطة السياسية بشأن هيئة الشراء العام سلّة اتّفاقات متكاملة تحتوي على ما تحتويه من تقسيم مغانم في وظائف الدولة.

يبقى أنّ أخذ هذا المعيار بعين الاعتبار من قبل المشرّع يتناقض مع مبدأ استقلالية الهيئات إذ به تُدخل الطبقة السياسية الاعتبارات الطائفية وما يترافق معها من محاصصة إلى قلب الهيئات التي تريدها أصلاً مستقلّة.

وتأكيداً على هاجس المناصفة الطائفية في تشكيل الهيئات لدى السلطة السياسية، نجد مداخلة معبّرة للنائب جميل السيد في النقاش الذي دار في الجلسة العامة للمجلس النيابي في 26 حزيران 2019 عند التصويت على قانون مكافحة الفساد في القطاع العام المتضمن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. إذ أقرّ النائب السيّد حرفيًّا أن هيئة مكافحة الفساد مشكّلة من 6 أعضاء، ثلاثة مسيحيين وثلاثة مسلمين وبما أنّ الأعضاء يعينون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء فإننا سنقع بالمبدأ ذاته القديم الذي له علاقة بالحصص. 

وضع إطار محدد وإلزامي للسلطة التنفيذية في موضوع التعيين

            أ – التشاركية في التعيين تحد من اعتباطية السلطة التنفيذية

تهدف الأحكام القانونية المتعلقة بآلية تعيين أعضاء الهيئات إلى كبح مساعي السلطة السياسية في إدخال الزبائنية إلى الهيئات المستقلّة وتشكيلها من أشخاص قريبين منها بهدف التحكم بقرار هذه الهيئات.

أما الإطار الذي يتم التعيين من خلاله فهو يقوم على تشارك بين جهتين أساسيتين في التعيين[3]. الجهة الأولى هي الجهة التي ترشّح عددا معيّناً من الأسماء، وهي القضاء والنقابات المهنية والمجتمع المدني[4] بإستثناء الشراء العام التي يتم فيها الترشيح من قبل مجلس الخدمة المدنية[5].

أما الجهة الثانية، أي السلطة السياسية المتمثلة في المجلس الوزراء، فهي ملزمة في اختيار الأعضاء للهيئات المستقلة من ضمن لوائح الأسماء المقدمة لها من دون إمكانية الاختيار من خارجها.

غير أن هذه التشاركية لا تبعد خطر الزبائنية وتدخل السلطة السياسية في عمل الهيئات بشكل تام. إذ إن الجهات المعنية في ترشيح الأسماء قد تتعرض لضغوطات في اختيار الأسماء كما أنها قد تضم أعضاء مرتبطين بالسلطة السياسية ومستعدين لإيصال أسماء توافق مصالحها.

ونجد في هذا الإطار محاولتين للسلطة السياسية في خرق التشاركية باتخاذ قرار التعيين بعدة طرق، حيث تبيّن من مرسوم ردّ قانون مكافحة الفساد أن رئيس الجمهورية حينها ميشال عون، في تعليقاته على القانون، قد طالب بعدم انتخاب القضاة الأعضاء من قبل مجموع القضاة بل اقتراح بعضهم من قبل مجلس القضاء متذرّعاً بصعوبة القيام بهذه العمليّة الانتخابية، غير أنّ النواب اعتبروا أن هذه الحجة منتفية ولم يأخذ بالتعديل.

و يتبين أيضاً في الموضوع عينه، أنه في الجلسة العامة لمجلس النواب التي عقدت بتاريخ 21-22 نيسان 2020 وتضمّن جدول أعمالها مرسوم ردّ قانون مكافحة الفساد من قبل رئيس الجمهورية، قد تركّز النقاش حول اقتراح قدّمته النائبة بولا يعقوبيان من أجل تعديل طريقة اختيار المحامين الأعضاء في هيئة مكافحة الفساد، على أن يكون هؤلاء منتخبين مباشرة من قبل الهيئتين العامتين للمحامين في النقابتين، غير أنّه لم يؤخذ بهذا الاقتراح.

وكان لهذا الاقتراح لو صدّق عليه أن يجعل من انتقاء المحامين المرشحين أكثر استقلالية إذ إن مجلس النقابة، وهو هيئة مصغرة قد تتألف من أعضاء ينتمون إلى أحزاب سياسية نافذة، تسهل التحكم في قراراته، بينما انتخاب الأعضاء مباشرة من مجموع المحامين يشكل عائقا جديا لتمدد الهيمنة السياسية داخل النقابة.

في هذا الإطار أيضاً، من اللافت وجود دور لهيئة الرقابة على المصارف في ترشيح ثلاثة أسماء لعضويّة أحد أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وكانت المفكّرة قد علّقت على هذا الأمر في مقال سابق لها حيث اعتبرت أن هذا الأمر “مفاجئ وغير مبرر لا من الناحية المهنية ولا من الناحية السياسية أو الاجتماعية فضلا عن وجود تضارب مصالح تبعا لاحتمال تورط بعض المصارف في أعمال الفساد التي يفترض بالهيئة أن تكافحها.” وقد اعتبرت المفكرة في المقال عينه أن حصر دور النقابات المهنيّة في ترشيح الأسماء وطرحها على مجلس الوزراء ليختار من بينها يهدد استقلالية هؤلاء الأعضاء، فضلاً عن إمكانية التأثير على مجالس هذه النقابات. والحلّ لهاتين المعضلتين يكمن في تمكين النقابات المهنيّة من انتخاب ممثليها مباشرةً.

إن هذه الطريقة التشاركية جديدة ويأتي خيار الجهات المعنيّة في ترشيح الأسماء انطلاقاً من نوعيّة الخبرة المطلوبة لملء مراكز العضويّة والجهات الوطنيّة المختصّة بهذه المجالات. غير أنّه في جميع الأحوال تبقى الكلمة الفصل في اختيار الأعضاء لمجلس الوزراء الذي ينتقي من بين جميع الأسماء المقترحة عليه من يراهم مناسبين لتكوين الهيئات.

تجدر الإشارة إلى أنّ قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يمنح وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية دوراً في ترشيح ثلاثة أسماء من ذوي الخبرة في شؤون الإدارة العامة أو المالية العامة أو مكافحة الفساد ليختار مجلس الوزراء من بينهم عضواً للهيئة. وبما انّ منصب وزير الدولة ليس مثبتاً بقانون بل هو نابع من مرسوم رئيس الجمهورية عند تشكيل الحكومة، لا بدّ من تعديل القانون لإيجاد مخرج في حل تمّ تشكيل حكومة من دون وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية ما قد يعطّل تعيين عضو في الهيئة المعنيّة.

وهنا لا بد من التذكير أن نوّابا من تكتل لبنان القوي التابع للتيار الوطني الحرّ بطعن في دستوريّة قانون الشراء العام في إطار المعركة حول صلاحيات الوزير في تعيين موظفي الفئة الأولى، استهدف تحديدا المادة 78 من القانون المتعلّقة بتشكيل اللجنة. وقد فسّر المجلس الدستوري نصّ هذه المادة في موضوع اختيار مجلس الوزراء بين أسماء الناجحين على أنّه “غير واضح لأنّ البند “ي” من المادة 78 بالشكل الذي صيغ به يشوبه بعض الغموض ويثير الالتباس حول ما إذا كان رئيس مجلس الوزراء يرفع جميع أسماء الناجحين ويقترح المقبولين منهم لكل منصب وفقاً لترتيب العلامات أم أنّه يرفع فقط أسماء الذين يقترحهم، ويقتضي إزالة هذا الالتباس لتحصين النصّ بتفسيره أنّ رئيس مجلس الوزراء يرفع جميع أسماء الناجحين ويقترح المقبولين منهم لكل منصب بحسب ترتيب العلامات، عملاً بمبدأ التحفّظات التفسيرية”. وقد اعتبرت المفكرة في مقال لها أنّه بذلك، “انتهى المجلس الدستوري إلى نقض الصلاحية المقيدة لمجلس الوزراء بتعيين الحائزين على الترتيب الأعلى، في اتجاه إعطائه صلاحية تعيين أي من الناجحين مع ما يتيحه ذلك من هامش مساومات ومحاصصة.”

ب – إشكالية القبض على الهيئات المستقلة من قبل أصحاب النفوذ

لا بدّ من الإشارة هنا إلى خطورة تكمن في إشراك المنظمات المهنية والنقابات وجمعيات المتخصصين في اختيار أعضاء الهيئات المستقلّة. فتضمين مجالس أعضاء الهيئات عدداً من المتخصصين قد يؤدّي إلى خلق ضغوطات جديدة على الهيئات لا من السلطات السياسية فحسب بل أيضاً من مكوّنات المجالات التي تخضع لرقابة الهيئات. ولصاحب جائزة نوبل جورج ستيغلر (George Stigler) نظريّة في هذا المجال، وهي نظريّة الRegulatory capture، أو وضع اليد من قبل الجهات المراقَبَة على الجهة المراقِبة. وتتمحور هذه النظريّة حول قدرة تكتل أصحاب مصالح كبيرة بشكل واسع ومنظم لصبّ جهودهم في هدف تغيير مسار قرارات الهيئات الناظمة لصالحهم، بينما مجموع المواطنين أصحاب المصالح الفردية والصغيرة لا يملكون هذه القدرة للتكتل والضغط ما يضعهم في موقع الخاسر في قرارات الهيئات الناظمة. ولا بدّ لمحاربة هذه الظاهرة من إخضاع أعضاء الهيئات إلى قواعد سلوكية ومبادئ تمنع تضارب المصالح كما تضمن عدم سيطرة جهة معينة على القرار داخل الهيئة وذلك يتم بالطبيعة الجماعية والتشاركية في اتخاذ القرارات والتأكد من أن الهيئة تمثل كافة الأطياف المعنية بعملها.

            ج – منع تجديد ولاية الأعضاء يحررهم من إغراء اعتلاء المناصب

إنّ تجديد ولاية الأعضاء في جميع الهيئات غير متاح ما يشكّل ضمانة استقلالية، ما عدا هيئة الشراء العام التي يمكن التجديد لأعضائها مرّة واحدة. لكن هذا الأمر لا يكفي لاستنتاج الانتفاء الكلّي لضمانة الاستقلالية في هيئة الشراء العام. وقد سمح القانون الفرنسي الذي ينظم الهيئات المستقلة والصادر سنة 2017 بالتجديد لمرّة واحدة لأعضاء هذه الهيئات، بالرغم من التوصية الصادرة عن مجلس الشيوخ الفرنسي بعدم السماح بالتجديد.

            د – حالات التمانع تغلق أبواب الزبائنية على السلطة السياسية وأصحاب المصالح الخاصة

انطلاقاً من المخاطر المحيطة باستقلالية الهيئة واحتمال وجود تضارب للمصالح عند تعيين الأعضاء كون البعض منهم كما أسلفنا القول من قبل يكون قد سبق وأن عمل بصفته الخاصة في الحقل نفسه الذي يدخل في اختصاص الهيئة، كان لا بدّ لقوانين إنشاء الهيئات أن تتضمن جملة من الموانع في التعيين وكذلك تحديد قواعد سلوك يتوجب على الأعضاء التقيد بها.

وتتشابه هذه الهيئات في حالات التمانع التي تضعها على أعضاء الهيئات وهي عدم جواز القيام بأي عمل عام أم خاص، مأجور أو غير مأجور، خلال توليهم عضوية الهيئة، وتذكر بعض المهام على سبيل المثال وهي الجمع بين عضوية الهيئة ورئاسة أو عضوية وزارة أو مجلس نواب أو مجلس إدارة مؤسسة عامة أو رئاسة مجلس بلدي أو منصب قيادي حزبي أو عضوية مجالس النقابات أو الهيئات المرشِّحة للأعضاء.

للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد خصوصية في هذا الشأن إذ إن القانون بضيف أنه لا يجوز لعضو الهيئة أن يكون له أيّة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في أية مؤسسة خاضعة لرقابة الهيئة. كذلك يحظّر على عضو هيئة مكافحة الفساد أن يكون رئيسا أو عضوا في مجلس إدارة شركة خاصة أو مصرف أو حتى هيئة عامة أخرى.

تنص قوانين هذه الهيئات الثلاث أيضاً على منع أعضاء الهيئة من الترشح قبل سنتين كاملتين من انتهاء ولايتهم (أو قبل ست سنوات بالنسبة لهيئة مكافحة الفساد) للانتخابات النيابية أو البلدية أو الاختيارية أو أن يتولى العضو أي منصب عام سياسي أو إداري.

أمّا في ما يخصّ هيئة الشراء العام، فإن قانون إنشائها قد نصّ على عدد من شروط التمانع يفوق تلك المنصوص عليها بالنسبة للهيئات الأخرى. ونرجّح أن هذا التشدّد يعود إلى طبيعة عمل هيئة الشراء العام الذي يشمل قدراً كبيراً من التعاطي مع اللاعبين الاقتصاديين الطامحين إلى نيل المناقصات العامة حيث أنّه من المعلوم أن هذه الأعمال تحمل الكثير من مخاطر تضارب المصالح ومحاولات الرشوة وصرف النفوذ السياسي، وقد بيّنا أعلاه وفي مقالات أخرى[6] للمفكرة القانونية هول سوء الإدارة والصفقات المشبوهة في لبنان في موضوع الشراء العام.

فالمادة 79 من قانون إنشاء هيئة الشراء العام تنص، بالإضافة إلى ما تشترك فيه مع باقي الهيئات لناحية منع الجمع بين عضوية الهيئة وأي منصب رسمي أو غير رسمي آخر، على منع رئيس وأعضاء الهيئة خلال مدة ولايتهم وبعد مدة لا تقل عن سنتين من انتهائها، أن يتولّوا بشكل مباشر أو غير مباشر أي موقع مسؤولية في الشركات التي تكون قد شاركت بإجراءات شراء ضمن إطار هذا القانون خلال فترة تولّيهم صلاحيتهم. كذلك تحظّر عضوية الهيئة على من أَعلن توقفه عن الدفع أو أُعلن إفلاسه قضائيًّا، ومن صدر بحقِّه قرار تأديبي قضى بعقوبة غير التنبيه أو اللوم. كما يُحَظَّر على رئيس وأعضاء الهيئة ممارسة أي عمل آخر عام أو خاص مأجور أو غير مأجور لا سيما عضوية مجلس إدارة شركة خاصة أو مصرف، ورئاسة أو عضوية هيئة عامة، أو شركة خاصة تتوّلى إدارة مرفق عام. لكن القانون لا ينص على حالة التمانع الموجودة بالنسبة للهيئات الأخرى وهي عدم جواز الجمع بين عضوية الهيئة وعضوية منصب قيادي حزبي.

            هـ – السيرة الذاتية الحسنة للأعضاء

تتشابه هيئات حقوق الإنسان، ومكافحة الفساد والمفقودين والمخفيين قسراً بترتيبها للضوابط على الأشخاص المؤهّلين لعضويتها. فهي تنص في شروط الأهلية أن يكون المرشح متمتعاً بحقوقه المدنية وغير محكوم عليه بجناية أو جنحة شائنة ومن ذوي السيرة الأخلاقية العالية.

            و – مدونة السلوك أو القواعد الأخلاقية المفروضة على الهيئة

وأخيراً، يتضمن قانون الهيئات الثلاث مكافحة الفساد والشراء العام وحقوق الإنسان موجبا على عاتق الهيئة بوضع مدونة سلوك أو قواعد أخلاقية يلتزم فيها الأعضاء والموظفين ومن تتعامل معهم الهيئة. ويغيب هذا الموجب عن قانون الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً.

            ز – عدم جواز إقالة الأعضاء يحررهم من الانصياع إلى أوامر السلطة السياسية

يشكلّ مبدأ عدم جواز إقالة الأعضاء ضمانة مهمة تمنع السلطة السياسية من تهديد أعضاء الهيئات بحجبهم عن مناصبهم في حال رفضوا الانصياع إلى أوامرها أو تلبية مصالحها. غير أن هذا المبدأ لا يشكّل منعاً كاملاً من الإقالة بل هو يسحب هذه الصلاحية التي تعود طبيعيًّا إلى الجهة التي تسمّي ويضعها في أيدي أعضاء الهيئة كي تتم ممارستها بالتصويت بالأكثرية ضمن شروط محددة تسمح بإقالة العضو، أي أن الإقالة تخضع لآلية تحترم الطبيعة الجماعية في اتخاذ القرارات داخل للهيئة.

وهكذا يتبين أن الهيئات الثلاث (مكافحة الفساد وحقوق الإنسان والمفقودين) تتمتع بموانع خاصة بإقالة الأعضاء تعزز من استقلالية الهيئة. ففي هيئتي حقوق الإنسان والمفقودين والمخفيين قسراً، ينصّ القانون على حالات معيّنة تجوز فيها الإقالة وهي وضع صحي أو عقلي، حكم مبرم بجنحة أو جناية شائنة على أن تُعلّق العضوية حكماً فور صدور القرار الظني أو أي حكم في الجرائم المذكورة. كما يُتخذ القرار بالإقالة من الهيئة بأكثرية الثلثين على أن يرسل تبليغ القرار إلى صاحب العلاقة في مهلة ثلاثة أيّام من تاريخ صدوره. وينص القانون على أنّ مراسيم الإقالة قابلة للطعن أمام مجلس شورى الدولة في مهلة شهرين من تاريخ تبلغ القرار.

أمّا في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فلا تجوز إقالة الأعضاء إلّا بقرار من مجلس الوزراء بعد موافقة ثلثي أعضاء الهيئة ما عدا الشخص المعني. ويتمّ ذلك بطلب من مجلس الوزراء أو نصف أعضاء الهيئة وبعد استماع الهيئة إلى العضو المشكو منه. تتم الإقالة في الحالات التالية: فقدان الأهلية أو شرط من شروط التعيين أو التمانع أو التفرغ، وضع صحي أو عقلي، ارتكاب خطأ جسيم (وهذا معيار غير واضح المعالم وقد يحمل التباساً). كما تتم الإقالة حكماً بعد صدور حكم مبرم بجناية أو جنحة شائنة. ويجوز تعليق العضو بقرار ثلثي الهيئة عند صدور القرار الظني أو أي حكم في الجرائم المذكورة. وينص القانون على أنّه لا يجوز لمجلس الوزراء أن يعلّق عمل الهيئة أو يوقفه أو يحلّها في أي ظرف من الظروف بما في ذلك حالات الطوارئ والحروب.

من الجدير بالذكر أن هيئة الشراء العام لا تملك أيّة ضمانات لعدم إقالة أعضائها، غير أنها لا تمتلك في المقابلة آلية لإقالة أعضائها. ونلفت في هذا الإطار إلى أن قانون الهيئة ينص على دور نظام قانون نظام الموظفين في عملية التعيين دون أن يعطيه دوراً آخر في موضوع الإقالة.

إعداد الهيئة لنظامها الداخلي

نجد تفاوتاً كبيراً في موضوع النظام الداخلي للهيئات إذ إن بعضها يجب أن يقترن بموافقة جهة مختلفة عن الهيئة المستقلة نفسها ما قد يؤدّي إلى إعاقة عملها في ظلّ عدم التصديق على النظام الداخلي.

وفي هذا الصدد فإن تأخير العمل في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مرده وفق القيمين عليها إلى عدم بتّ مجلس شورى الدولة بالنظام الداخلي لهذه الهيئة حتى اليوم، ما قد يوصف بالتعسّف إذا ما طال أكثر، وبفعل عرقلة لهيئة مستقلّة، وللمفكرة القانونية تعليق في هذا الشأن يمكن مراجعته.  

أمّا هيئة حقوق الإنسان فإقرار نظامها الداخلي مرتبط بموافقة مجلس الوزراء ما قد يعرّضها إلى نفس إشكالية هيئة مكافحة الفساد. والأمر كذلك بالنسبة إلى هيئة الشراء العام الذي يتطلب قانونها أن يتم استشارة مجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة بشأن نظامها الداخلي، كي يتم في النهاية الموافقة عليه من قبل مجلس الوزراء.

أمّا هيئة المفقودين والمخفيين قسراً فهي الوحيدة التي لا يتطلب إقرار نظامها الداخلي تدخل أي جهة خارجية.

الاستقلالية المالية للهيئة من استقلالية موازنتها


تحصّن الهيئات استقلاليتها من خلال تمتعها بالاستقلالية الماليّة. إذ إنّ قوانين إنشاء هذه الهيئات تنصّ جميعها على تمتعها بالاستقلالية المالية، غيّر أنّها تختلف في كيفيّة تنفيذ هذا المبدأ واقعيًّا. يضاف إلى استقلالية الموازنة هذه الصلاحية الممنوحة لكلّ رئيس هيئة في الهيئات الأربع بعقد النفقات وتحريك الحساب الخاص بالهيئة التي يرأسها[7] ما يعزز استقلالية الهيئة في تصرّفها بأموالها.

وقد تمّ مؤخّراً إنشاء باب جديد في جداول الموازنة العامة تحت مسمّى باب “الهيئات الوطنية المستقلّة”، وذلك بدافع من التعديل الحاصل على قانون إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان سنة 2022، والذي أقرّ بضرورة أن يكون للهيئة موازنة خاصة ضمن باب خاص في الموازنة، بهدف حصول هذه الهيئة على المركز “ألف” في الأمم المتحدة، أي أنها متطابقة كاملاً مع مبادئ باريس أي معايير المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان[8].

قد أضيفت هيئة مكافحة الفساد، على مثال هيئة حقوق الإنسان، إلى باب الهيئات المستقلة في قانون الموازنة العامة. أمّا هيئتا المفقودين والمخفيين قسرًا والشراء العام فبالرغم من استقلاليتهما المالية فإنّ موازنتهما الخاصة تبقيان مدرجتين في باب خاص ضمن موازنة رئاسة مجلس الوزراء. 

إلّا أن الواقع يبيّن عدم استعجال لدى الحكومة والمجلس النيابي في رصد أموال لجميع الهيئات المستقلّة، ما قد يخفي نيّة في تعطيل عمل هذه الهيئات.

يتبيّن من مراجعتنا لقوانين الموازنات العامة في لبنان تأخّر غير مبرر في إعطاء الهيئات المستقلّة مستحقاتها المالية تمكيناً لها من البدء في أعمالها.

إذ فيما يخصّ الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان، وبعد أن أدرج فصل خاص بها ضمن باب رئاسة مجلس الوزراء سنة 2020 ونظراً لعدم صدور قانون الموازنة العامة لسنة 2021،  لم يخصص مبلغ لها إلّا سنة 2022[9]. وعليه، يتبيّن أن تمويل الهيئة قد تأخر أربع سنوات منذ تاريخ تشكيلها بمرسوم صادر سنة 2018[10].

أمّا فيما يخصّ الهيئة الوطنيّة للمفقودين والمخفيين قسراً، فقد تأخر تخصيص الأموال لها لأكثر من سنتين منذ تاريخ تشكيلها سنة 2020[11]، بعد أن أدرج الفصل الخاص بها في الموازنة العامة لسنة 2022 وتم تخصيص مبلغ لها[12].

و فيما يخصّ هيئة الشراء العام وهيئة الاعتراضات، فلم تتضمن الموازنة العامة الصادرة في تشرين الثاني 2022 أيّة أموال مخصصة لهما. وذلك بالرغم من بدء هيئة الشراء العام أعمالها برئاستها المؤقّتة.

وأخيراً، فيما يخصّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فقد أصدر وزير المالية قرارا بنقل اعتماد إلى هذه الهيئة في آب 2022 ويتضمن القرار ذكراً للفصل الخاص بالهيئة ضمن باب الهيئات الوطنية المستقلّة في قانون الموازنة العامة. إلّا أنّه وبعد صدور موازنة سنة 2022 في تشرين الثاني من العام نفسه، لم نجد فصل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ضمن باب الهيئات الوطنية المستقلّة، ما يثير الاستغراب.

فأمام هذا الإمعان في التأخير المتمادي في تأمين المخصصات المالية للهيئات وحرمان بعضها من هذه المخصصات كليًّا، يجد المراقب نفسه أمام عبثية إنشاء هذه الهيئات وتخصيصها بباب مستقل في الموازنة ومن ثم عرقلة عملها عبر حرمانها من التمويل الضروري. 

وفي هذا الصدد، يتبيّن لنا أن الهيئات الثلاثة (حقوق الإنسان والمفقودين والمخفيين قسراً والشراء العام) تستطيع عملا بقوانينها الخاصة تمويل نفسها من باب “التبرعات والهبات والدعم الخارجي الغير مشروطين”. وقد تبدو إمكانية التمويل هذه حلّا بديلاً عن تمويل الدولة المتعثر، إلّا أنّها، وبالرغم من معيار عدم المشروطية، تشكّل بابا للتشكيك في صدقيتها واتهامها بالتبعية للخارج ما قد يتم استغلاله من قبل الأحزاب السياسية التي تتعارض مصالحها مع عمل الهيئة.


[1] ولا بدّ من الإشارة هنا إلى الدور الذي تلعبه السلطة التشريعية في فرنسا بموجب المادة 13 من الدستور إذ يحق لها وضع فيتو على التعيينات التي يقوم بها رئيس الجمهورية، لاسيما تلك المتعلقة بالهيئات المستقلّة. وهي أداة يتفقدها البرلمان اللبناني لمراقبة التعيينات التي يقوم بها مجلس الوزراء. وحتى لو تم ايجاد مثل تلك الآلية لا شيء منع اتباع منطق المحاصصة نفسه في مجلس النواب الذي يتألف من الجهات السياسية ذاتها التي تسيطر على مجلس الوزراء.

[2] Benoît Plessix, Droit administratif général, 2e édition, Lexis Nexis, p.316

[3]  إذ يتبيّن أنّ المشرّع قد عَدَلَ عن طرق تعيين تستأثر بها الحكومة كما في هيئتي الكهرباء والاتصالات (قانونيهما صدرا سنة 2002)

[4] يتبيّن من نصوص قوانين الهيئات الثلاثة مكافحة الفساد وحقوق الإنسان والمفقودين والمخفيين قسراً أنّها تشرك أوّلاً الجسم القضائي الذي في حالتي هيئة المفقودين والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان يقوم مجلسه الأعلى بترشيح أسماء من القضاة السابقين في منصب الشرف لهيئة المفقودين والسابقين لهيئة حقوق الإنسان للعضوية، بينما في حالة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يقوم القضاة مجتمعين من القضاء العدلي والإداري والمالي بانتخاب قاضيين متقاعدين في منصب الشرف لعضوية الهيئة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى عدم التلاؤم بين سنّ الأعضاء القضاة المحتملين لاحتلال المناصب في الهيئات وبين متطلبات عملها المحتملة والتي تحتّم كامل القدرات الجسديّة وتحمّل المشقّات.
وفي هذه الهيئات الثلاثة، نجد دور لنقابتي المحامين في بيروت وطرابلس في ترشيح عدد من المحامين تطرح أسماؤهم على مجلس الوزراء ليختار من بينهم أعضاءً في الهيئات.

نجد أيضاً، وانطلاقاً من خصوصية كلٍّ من هذه الهيئات الثلاثة، دوراً للنقابات المهنيّة كنقابات الأطباء والمحاسبة والصحافة والمحررين وهيئات المجتمع المدني.

[5] في إطار آخر، يتفرّد قانون الشراء العام باستعانته بمجلس الخدمة المدنيّة لاختيار المؤهّلين لعضوية هيئة الشراء العام إذ ينص في مادته الثامنة والسبعين على الشروط  المطلوبة للراغبين في التقدم إلى عضويّة هيئة الشراء العام كإخضاع أصحاب الطلبات المقبولة إلى مقابلة شفهيّة على أن يقترح بعدها رئيس مجلس الوزراء أسماء الناجحين في المقابلة الشفهية في كلّ منصب وفقاً لترتيب العلامات، لعرضها على مجلس الوزراء ليصار إلى الاختيار من بينها.

[6] عماد صائغ، شهرزاد يارا الحجار، الشراء العام في لبنان : انحراف القانون في سبيل نسف المنافسة، المفكرة القانونية
إلهام برجس، مقابلة مع مدير عام المناقصات حينها جان عليّة، المفكرة القانونية
إيلي الفرزلي، إلغاء مناقصة السوق الحرة : هيئة الشراء العام تفرض دورها، المفكرة القانونية

[7] تنص جميع قوانين الهيئات على فتح هذه الحسابات الخاصة في مصرف لبنان

[8] UN Paris principles and accreditations، من موقع الشبكة الأوروبية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان

[9] ص 2863 في قانون الموازنة العامة في الجريدة الرسمية

[10] المرسوم رقم 3267 تاريخ 19 حزيران 2018.

[11] المرسوم رقم 6570 تاريخ 3 تموز 2020.

[12] ص 2941 في قانون الموازنة العامة في الجريدة الرسمية

انشر المقال

متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، مرسوم ، لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية