الهلع والقانون في زمن الكورونا


2020-03-14    |   

الهلع والقانون في زمن الكورونا

عصف الهواء الأصفر بصيدا. المرض وصل إليها من حجّاج فرنسيس راجعين من أورشليم… الحمّى انتقلت من ملابس الحجّاج الأربعة وأبدانهم والخواتم الذهب في الأصابع إلى أجسام الرجال الذين تولوا عملية الغسل والدفن… الكوليرا انتشرت هنا، حيث سوق الحسبة، أولاً. وعندما هبّت نسائم البحر انتقلت الكوليرا إلى أعماق صيدا. حارة اليهود، التي تجاور حارة الروم الكاثوليك، تلقت الموجة القاتلة في صدرها… الأحياء الإسلامية حاولت أن تعزل نفسها عن المرض. لكن هذه الأحياء القديمة تتداخل. ثم أن الكل يختلط بالكل في الأسواق. والمريض لا يُعرف دائماً. مرّات يكون الواحد مريضاً وهو ذاته لا يدري أنه مريض. أعراض الكوليرا تشبه أعراض أمراض كثيرة مألوفة… لا تفكر أنه الهواء الأصفر… تحسب أنه الرشح أو هي ضربة شمس. ثم يقوى المرض.

مساء الأحد، لدى تواجدي في أحد المطاعم في شارع الجمّيزة وصلتني رسائل إخبارية تفيد بإقفال الحانات والمطاعم والمقاهي في مختلف مناطق بيروت (مناطق بدارو والجمّيزة ومار مخايل إلخ.) من قبل الأجهزة الأمنية، بحجة الوقاية للحد من إنتشار فيروس الكورونا (أي الكوفيد-19 – COVID-19) الذي بدأ يتفشى في لبنان منذ أسبوعين (في أواخر شهر شباط). فمع تفشي الفيروس عالمياً ووصوله إلى لبنان، تزايدت المطالب الشعبية من الحكومة لإتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة للحد من إنتشاره. ومع تفاقم الأخبار عن حالات جديدة بالإصابات يومياً، زاد الخوف العام وصولاً إلى الهلع، مهما كثرت نداءات “لا داعٍ للهلع”. خرجت من المطعم إلى الشارع وسرت نحو منزل أصدقائي في منطقة الجعيتاوي في الأشرفية، مروراً بشارعي غورو (الجمّيزة) وأرمينيا (مار مخايل). بيروت بدت ليل الأحد كمدينة منكوبة يجتاحها الوباء. الشوارع فارغة تماماً والمؤسسات مقفلة بالكامل. “لا داعٍ للهلع”. البلد مهلوعة كلها أمام عدوّ غير مرئيّ يصطاد الضحايا، الواحدة تلو الأخرى. تذكرت قصّة زهرة البارودي نقوزي التي هربت مع أولادها من مدينة صيدا الموبوءة إلى بيروت في منتصف القرن التاسع عشر أيام الكوليرا آنذاك، مثلما رواها ربيع جابر في ملحمته “بيروت مدينة العالم”[1].

زهرة البارودي نقوزي ترملت. زوجها ناظر مسلخ صيدا كان أول من مات في “حي القلعة”… دفنته وألبست أولادها كل ما في البيت من ثياب… ثم خرجت بهم من صيدا المنكوبة، وقطعت الهضاب والرمال حتى بلغت “خان الأوزاعي”… كانت تسابق الشمس، وتخشى دوريات الإنكشارية. تخاف أن تؤمر بالرجوع إلى صيدا.

خلال رحلتي المسائية نحو الجعيتاوي، إنتابتني تساؤلات عديدة حول كيفية الخروج من هذه المحنة وكيفية حسن إدارة مثل هذه الأزمات الصحية (والتي غالباً ما تتخذ طابعاً وجودياً) وحول الدور الذي يلعبه الخوف والهلع فيها. “إنقضى على الثورة…” قال لي أحد رفاقي، “من يجرؤ أن ينضم إلى مظاهرة بعد اليوم؟”، أضاف متسائلاً. من يجرؤ على الخروج إلى أي مكان عام؟ تساءلت في سرّي. وهل يتم توظيف هذا الخوف سياسياً؟ لا أنكر أنني شعرت بتشاؤم وخوف شديد ليلها. لا منفذ. “لا داعٍ للهلع”. البلد أُقفلت وفي صباح اليوم التالي، وتبعاً لإرتفاع عدد المصابين مجدداً، علت مطالب إيجاد خظر للتجول. “لا داعٍ للهلع”. وإبتداء من الثلاثاء، تلقى بعض الأجراء تعليمات بالمكوث في منازلهم مع تخفيض جديد لمعاشاتهم. “لا داعٍ للهلع”. ومنذ بدء إنتشار الفيروس في لبنان، لم يتوان أحد عن تداول أسماء المصابين وسيراتهم الذاتية أحياناً، في ظل لا مبالاة جماعي إزاء خرق حقوق هؤلاء بالخصوصية وبالكرامة الإنسانية، وما قد ينتج عن هذا الأمر من وصم قد يلاحقهم لسنوات.

[وصلت زهرة البارودي نقوزي إلى بيروت]. نزول العائلة الجديدة في “حارة البارودي” زرع ذعراً في بيروت. المرأة جاءت بأولادها من مدينة يفتك بها الهواء الأصفر!… كبرت القصص في بيروت فضُرب الحجر الصحي على البلد ولم تعد القوافل تجيئ من جهة الأوزاعي. كأنه الغول دخل المدينة! هذه المنحوسة! هذه المنحوسة!… بدأ الذعر في قلب بيت الحاج عبد الرحيم [أخوها لزهرة الذي استقبلها في منزله في بيروت] قبل أن ينتشر كحلقات الماء في بيروت… الخوف خبط البلد. خبطها بالكف على رأسها.

“لا داعٍ للهلع”. لكن الهلع استقر في أجواف البلد. نهار الأربعاء، صنفت منظمة الصحة العالمية فيروس الكورونا بالجائحة (أي وباء قاتل عابر للحدود). الهواتف تقتظ برسائل متعلقة بالكورونا. الناس تُقصف بها على مدار الساعة، ومعها يتفاقم الهلع. فهناك ما يدعو للهلع. لا بل، هناك ما يدعو للهلع أيضاً من الهلع نفسه (ومن إحتمال استغلاله وتوظيفه) ومما قد يترتب عنه من تداعيات إقتصادية وإجتماعية، ولا سيما حقوقية مزمنة، قد تصمد وتدوم حتى بعد زوال الكورونا من حيواتنا. الأمر ليس بديهياً. فالهلع يُبعد الحكمة عن القلوب[2]. كيف عسانا إذاً عقلنته في زمن الجائحة الوجودي؟ وما هي الأطر القانونية لحسن إدارة مثل هذه الأزمات وضبط تداعيات الهلع على خيار دروب صناعة القرار؟

القانون تحت إختبار الوباء

في سنة 1957، في ظل تفشي وباء “إنفلونزا آسيا” آنذاك، صدر قانون الأمراض المعدية في لبنان[3] في عهد الرئيس كميل شمعون، واضعاً قواعد تنظيمية، لا تزال سارية المفعول، بشأن صلاحيات الإدارة الرسمية في زمن الأوبئة للحد من تفشي الأمراض الإنتقالية. وإذ هدد الوباء البلد وأخذ ينتشر فيها وكانت وسائل الوقاية المحلية غير كافية، كما هي حالتنا اليوم، توجّب على وزارة الصحة العامة أن “تستصدر مرسوماً” تعين فيه التدابير التي من شأنها أن تحول دون إنتشار الوباء، كما تحدد فيه صلاحية كل سلطة أو إدارة من السلطات والإدارات الرسمية التي يعهد إليها تنفيذ تلك التدابير، على أن تُمنح السلطة اللازمة للتنفيذ، وذلك لأجل معين. وقد حدد القانون أن عاتق تكبد نفقات التنفيذ يقع على الحكومة، سواء كانت للأشخاص أو للمعدات واللوازم الطبية وغير الطبية، مع الإشارة إلى وجوب تحمل البلديات الكبرى، ربع هذه النفقات. هذا فضلاً عن نفقات المكافحة المتعلقة بالتبخير والتطهير ودفن الموتى. وهنا لا بد من الإشارة إلى ما يتم تداوله إزاء تكلفة فحوصات الكورونا (ووضع الحكومة الحالية سقف لها، بحدود 150.000 ل.ل.)، ومدى مخالفة هذا الأمر إذ ذاك لنص قانون سنة 1957 المذكور.

أما بشأن التدابير التي يقتضي إتخاذها من قبل الحكومة، وفي حال ترك قانون 1957 هامشاً واسعاً للحكومة لإتخاذ التدابير الضرورية والمتلائمة مع نوع الوباء أو المرض المعدي الذي يتم محاولة الحد من تفشيه ودرئه، إلاّ أنه نص بالمقابل على تدابير إلزامية، تشكل الحد الأدنى الذي لا يحق للحكومة أو للإدارات الرسمية إلاّ أن تعتمدها، وهي تتجلى على الشكل التالي:

  • عزل المصابين إجبارياً وإتخاذ التدابير الوقائية فوراً وبصورة إجبارية وفق قرار يصدره وزير الصحة العامة مبيناً جميع التفاصيل لكل مرض على حدة. وفي حين حددت المادة 6 من القانون ماهية الأمراض التي تستوجب مثل هذا التدبير (مثل الكوليرا والطاعون والتيفوس الوبائي والحمى الصفراء والتيفوس الجرذي إلخ.)، ومن البديهي أن الكورونا غير مشمول بها لعدم وجوده سنة 1957. غير أن المادة 11 من نفس القانون تنص على أنه يحق لوزير الصحة العامة بناء على إقتراح المدير العام أن يصدر قراراً بإجراء التعديل اللازم على لائحة الأمراض الإنتقالية المبينة في القانون وعلى لائحة الأمراض المتوجب عزل المصابين فيها المبينة في المادة 6 المذكورة أعلاه.
  • ولوزارة الصحة العامة، عندما يتخذ المرض الإنتقالي شكلاً وبائياً في قرية أو مدينة أو منطقة (وهي حالتنا الراهنة تبعاً لتصنيف الكورونا بالجائحة وفق ما تقدم)، الحق بأن تقيم نطاقاً صحياً على المكان الموبوء وتمنع الدخول إليه أو الخروج منه والتجمعات فيه. وهو أمر لا تزال الوزارة والحكومة عموماً مطالبة أن تقوم به من قبل الشعب الهلعان، لا سيما في ظل تقاعسها عن إقفال المؤسسات والإدارات الرسمية وتالياً ما ينتج عن هذا الأمر من سريان للمهل القانونية ومن إلزام للمواطنين بالمثول أمامها تفادياً لمرور الزمن. مع الإشارة إلى ما يتم المناشدة به إزاء إتخاذ مثل هذه التدابير لتسطيح منحى أعداد المصابين بفيروس الكورونا (“flatten the curve”)، ونجاح هذا الأمر في بلدان أخرى إجتاحها الوباء.
  • كما للإدارة أن تتخذ التدابير اللازمة بحق المخالطين (أي من تخالط مع مصابين). غير أن القانون لم يحدد ماهية هذه التدابير محيلاً الأمر إلى قرار وزاري (ظرفي)، تحدد فيه الإجراءات المقتضية لكل مرض على حدة.
  • فضلاً عن ذلك، ينص القانون على وجوب إخبار السلطات الصحية عن الأمراض الإنتقالية، واضعاً هذا الموجب على عاتق الطبيب المعالج، وأيضاً على عاتق كل من أفراد الأسرة (“رب العائلة” وفق نص القانون) أو الوصي أو مختار المحلة أو مدير المؤسسة الصناعية أو التجارية وكل هيئة رسمية أو خاصة تعني بشؤون صحية أو اجتماعية، لدى إشتباههم بإصابة بمرض إنتقالي لديهم، الذين عليهم إستدعاء طبيباً للتحقق من المرض والإخبار. وفي حين حدد القانون ماهية الأمراض التي يتوجب الإخبار عنها (والكورونا غير مشمول بها)، غير أن المادة 11 المذكورة أعلاه أجازت في هذا الأمر أيضاً لوزير الصحة العامة أن يصدر قراراً يعدل فيه لائحة الأمراض الإنتقالية المبينة في القانون والواجب الإخبار عنها.

بالإضافة إلى ما تقدم، يعاقب قانون سنة 1957 أي مخالفة لأحكامه، لعقوبة قد تصل إلى ستة أشهر حبس، لا سيما في حال إهمال الطبيب عن الإخبار عن أحد الأمراض الإنتقالية أو التعمد بإخفاء حادثة مرض إنتقالي أو مخالفة أو عرقلة تدابير العزل وسائر التدابير الوقائية أو نقل المصابين بدون إشراف السلطات الصحية المختصة أو حتى في حال إعطاء أو بيع أو عرض للبيع أو نقل فرشاً أو ملابس مريض مصاب بمرض انتقالي تستدعي مكافحته بالتبخير أو بالتطهير، كما وإستيراد أمتعة مستعملة دون إخضاعها للتبخير أو التطهير. وقد حاول مشرع سنة 1957 ضمان فعاليّة التدابير الوقائية وجعلها إلزامية على الجميع.

الحقوق تحت إختبار الوباء

ظلّ [جيران عبد الرحيم، أخوها لزهرة البارودي نقوزي] على ذعرهم. حتى بعد أن شكلوا وفداً ودخلوا على الحاج عبد الرحيم وطلبوا إخراج الأرملة من الحارة، حتى بعد تلك الساعة وخروجهم من عنده وعيونهم في التراب، حتى بعد ذلك لم يفارقهم الخوف.

هنا، أود التنويه بثلاثة ضوابط أساسية يقتضي الحرص عليها مهما تفاقم الهلع، أو بالأحرى الحرص عليها من تداعيات هذا الهلع وإبعاده للحكمة عن القلوب، تشكل هي الأخرى خطوطا حمراء (إذا صح التعبير) للحد من تداعيات الوباء الحقوقية والإقتصادية والإجتماعية، هي التالية:

1- حقوق المصابين والمرضى:

في حين يوجب قانون سنة 1957 الإخبار عن حالات الإصابة، إلا أن هذا الموجب يقتضي أن ينحصر بالحالة بحد ذاتها وبشكل مجرد عن هوية المصاب، حرصاً على خصوصيته (وهو أمر أعود إليه مرة أخرى أدناه). فقانونا الآداب الطبية[4] وحقوق المرضى والموافقة المستنيرة[5]، يلزمان الطبيب بالسرية المهنية، جاعلين منها ركيزة من ركائز النظام العام[6]. فلكل مريض يتولى العناية به طبيب أو مؤسسة صحية، الحق في أن تحترم حياته الشخصية وسرية المعلومات المتعلقة بها (وتالياً هويته). وفي حال كان المريض تحت رعاية فريق للعناية الطبية في مؤسسة صحية، يعتبر هذا الفريق مؤتمناً على المعلومات المتعلقة به، ويكون ملزماً أيضاً بالسرية المهنية[7]. وتشمل السرية المهنية المعلومات التي يفضي بها المريض للطبيب، وكل ما يكون قد رآه الطبيب أو علم به أو اكتشفه أو استنتجه في سياق ممارسة مهنته أو بنتيجة الفحوص التي أجراها. لا بل، لا يكفي إعفاء المريض طبيبه من السرية المهنية لإسقاط هذا الموجب، إذ يبقى الطبيب ملزماً بمراعاة مصلحة المريض ومقتضيات النظام العام. وعلى هذا الأساس، تنص المادة 579 من قانون العقوبات اللبناني على معاقبة كل “من كان بحكم وضعه أو وظيفته أو مهنته أو فنه، على علم بسرّ وأفشاه دون سبب شرعي أو استعمله لمنفعته الخاصة أو لمنفعة” بعقوبة تصل إلى سنة حبس.

من ناحية أخرى، وفي حين يمنع القانون القيام بأي عمل طبي أو تطبيق أي علاج، من دون موافقة الشخص المعني المسبقة، إلا أن الأمر يكون على خلاف ذلك في حالتي الطوارئ والاستحالة[8]، وهو أمر يشمل حتماً الإصابة بفيروس الكورونا، لا سيما بالعطف على أحكام قانون سنة 1957. بالمقابل، يحق لكل مريض يتولى أمر العناية به طبيب أو مؤسسة صحية، بأن يحصل على المعلومات الكاملة حول وضعه الصحي[9].

أخيراً على الأطباء في زمن الأوبئة ألا يتخلوا عن المرضى الذين يقومون بمعالجتهم إلاّ بعد تأمين إستمرار هذه المعالجة بأفضل الطرق الممكنة، وأن يلبّوا طلب نقابة الأطباء والمسؤولين الصحيين للمشاركة التطوعية في حملات التلقيح العامة وفي إسعاف المصابين، فضلاً عن التقيّد بالقوانين والأنظمة المتعلقة بالأمراض السارية[10].

2- حقوق العمّال في زمن الكورونا:

مع تفشي حالات المصابين بفيروس الكورونا وتفاقم الهلع المرتبط فيه، ذهب بعض أصحاب العمل نحو إتخاذ إجراءات صارمة بحق أجرائهم، تراوحت بين إلزام هؤلاء بالمكوث في منازلهم مع تخفيض معاشاتهم أو حسم أيام المكوث في المنزل بالكامل من المعاش منعهم من السفر أو فرض على من عاد من السفر مؤخراً حجراً ذاتياً لمدة 14 يوم في منزله وحسم أيام مكوثه في المنزل إما من أيام العطلة السنوية المستحقة وإما من معاشه في حال لم يتبقَّ له أيام تعطيل (وهو تحديداً ما صدر في تعميم أحد أكبر المصارف في لبنان). ونظراً لما تشكل إجراءات مماثلة من مخالفة لحقوق العمّال ولقانون العمل، يقتضي تسجيل الملاحظات التالية:

  • لا يجوز تكبيد الأجراء فاتورة الهلع المتأتي من فيروس الكورونا، وبالتالي، في حال ألزم صاحب عمل أجيراً يعمل لديه المكوث في المنزل وقاية (مهما كان قراره صائبا)، فلا يحق له بالمقابل حسم أيام مكوثه في المنزل من معاشه، لتعارض هذا الأمر مع أحد مكونات عقد العمل الجوهرية (أي الأجر) ومع مبدأ “لا عمل دون مقابل”؛
  • فضلاً عن ذلك، وفي حال تواجدت أسباب جديّة للحجر الصحي، فيقتضي إذ ذاك إعمال أحكام المادة 40 من قانون العمل، المتعلقة بحق الأجير بإجازة مرضية وبالتعويض عنها وفق الشروط المحددة في تلك المادة (مثلاً: نصف شهر بأجر كامل، ونصف شهر بنصف أجر، للأجير الذي قضى في الخدمة مدة ثلاثة أشهر وأكثر حتى سنتين إلخ.)؛
  • من ناحية أخرى وفي حال لم يسمح أو لم يتمكن صاحب العمل من تبني سياسة “العمل من المنزل” (لأي إعتبار)، فمن المهم التذكير أنه يقع على عاتقه موجب عامّ بتأمين بيئة سليمة للعمل وتأمين الوقاية والسلامة والصحة المهنية في مكان العمل عملاً بأحكام المرسوم رقم 11802 الصادر في 30/01/2004 والمتعلق بتنظيم الوقاية والسلامة والصحة المهنية في كافة المؤسسات الخاضعة لقانون العمل. هذا فضلاً عن وجوب إلتزامه بإرشادات الحكومة بشأن الوقاية من الوباء (آخرها صدر منذ أيام عن الحكومة الحالية)، وعطفاً على أحكام قانون سنة 1957 المذكور أعلاه في هذا الإطار. هذا مع الإشارة إلى أنه وفي حال إصابة أي أجير خلال دوام العمل بفيروس الكورونا، وفي حال توفرت الظروف الكافية لمعرفة مصدر إنتقال الفيروس وتبين أنه مرتبط بقيام الأجير بعمله أو على إثره، فيترتب على صاحب العمل مسؤولية التعويض للأجير جراء إصابته تلك إنفاذاً لأحكام قانون طوارئ العمل، الصادر بموجب المرسوم الإشتراعي رقم 136 في 16/09/1983.
  • أما بشأن منع الأجراء من السفر لدواع شخصية ضمن إطار عطلهم السنوية، فهنا يقتضي إعمال أحكام الفقرة الثانية من المادة 39 من قانون العمل، التي تنص حرفياً على الآتي: “لصاحب العمل أن يختار تاريخ هذه الإجازات بحسب مقتضيات الخدمة”. بمعنى آخر يقتضي أن يتم التنسيق بين صاحب العمل والأجير ضمن هذا الإطار، على ألاّ ينتج عن رفض صاحب العمل الموافقة على إستفادة الأجير من إجازته السنوية، تعسف أو حرمان للأجير من حقه هذا.

3- في مخاطر وصم المصابين:

[العدوى لم تصب لا زهرة ولا أولادها]. الطبيب كرّر كلامه تحت التوتة ثم تحت الجميزة، رافعاً صوته ليُفهم الجميع – في هذه البيوت المرتجفة عند حافة “طريق عبد الجواد” – أن الهواء الأصفر لم يستوطن الحارة. ومع كل هذا لم يقع الأمان في القلوب. الخوف بيسرٍ يقع. الأمان لا… ظلَ الجيران على ذعرهم… وطلبوا إخراج الأرملة من الحارة.

فضلاً عما تقدم إزاء موجب الطبيب والعاملين في القطاع الصحي في المحافطة على سرّ المهنة وتالياً عدم إفشاء معلومات خاصة بالمرضى والمصابين (أو هويتهم)، يقتضي التذكير بحق هؤلاء بالخصوصية وبالكرامة الإنسانية (وهي حقوق لصيقة بهم) وفق ما هو منصوص عليه في العهود الدولية[11] الموقعة من لبنان، والذي يترتب منه موجب عامّ بوجه الجميع (من وسائل إعلامية وصولاً إلى مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي عموماً إلخ.) بإحترام هذه الحقوق وعدم خرقها، على عكس ما أمكن مشاهدته مع إنتشار فيروس الكورونا من تداول لأسماء المصابين الثلاثية، فضلاً عن تداول لسيرة بعضهم الذاتية ومعلومات تتعلق بأفراد أسرهم.

فلخرق حقّ المصابين بالخصوصية وبالكرامة الإنسانية تداعيات خطيرة ومزمنة إزاء وصمهم إجتماعياً، لأجلٍ قد يدوم ويلحق بهم حتى بعد زوال الكورونا من حيواتنا. ومن المهم التنويه هنا أيضاً بمفاعيل الوصمة إزاء تهميش بعض الفئات الإجتماعية التي قد تكون الأكثر هشاشة في هذا الإطار (لاجئين وعمّال أجانب وحتى قاطني الضاحية الجنوبية لبيروت)، وهو أمر ترافق مع تفشي وباء الكورونا في مختلف أنحاء العالم وتفاقمت معه نمطيات عنصرية أحياناً (مثل ما يواجهه الرعايا الصينيون في بعض البلدان الأوروبية، وفق ما تم توثيقه في الإعلام). زهرة البارودي نقوزي تبقى موصومة في باقي رواية ربيع جابر، حتى بعد تأكيد الأطباء عدم إصابتها بالكوليرا. فالهلع يبعد الحكمة عن القلوب. لكن هل يمكن إعادة توجيهه للحفاظ على سلامة الحكمة؟

الهلع تحت إختبار المسؤولية

[إذاً، ظلّ جيران عبد الرحيم] على ذعرهم… ماذا يصنعون؟ كفّوا عن النظر إلى تلك الجهة، جهة البيت الأبيض بالقنطرة الحجر العالية. أقفلوا النوافذ الغربية والشمالية. وصاروا يغسلون ثيابهم كل يوم، ويغسلون رؤوسهم كل يوم، ويرفعون إلى السماء الصلاة. وإذا تنفسوا جربوا أن يتنفسوا الهواء من جهة سوق الفشخة.

تفشي الهلع كان أسرع من تفشي الكورونا. سببه الأساسي يعود إلى مواجهة خطر وجودي داهم غير مرئي وغير مألوف. فيتم البحث عن منقذ (في ردة فعل تلقائية غرائزية متآتية من رغبة الإحتماء بالأهل خلال الطفولة)، لنجد هذا المنقذ (الدولة) مربكاً وعاجزاً إلى حد ما عن إتخاذ قرارات سريعة وفعّالة ومطمئنة لدرء الخطر. “لا داعٍ للهلع”. وإذ بالهلع يتفاقم. نحن أمام اللا شيء. ونحن أمام الإنعدام، وفق النظرة الهايدغرية للهلع (من الفيلسوف الألماني، مارتين هايدغر – Martin Heidegger). غير أن الإصطدام باللا شيء لا يوقف الهلع. فالهلع هو طاقة. طاقة سوف توجه ذاتها للبحث عن منفذ والخروج ممن يئن تحتها. لا مكان لها طويلاً داخله. وفي غياب أي توجيه حاكم نحو منفذ، تتجه هذه الطاقة نحو أكثر المنافذ التي يسهل الوصول إليها، والتي غالباً ما توجد في قعر غريزة الإنسان حيث تنعدم الحكمة.

إنطلاقاً من ذلك، تتجلى نمطيات قد تبدو عقلانية في الظاهر، إلا أنه سرعان ما يتبين أنها مجرد درء للمسؤولية، لأن المسؤولية مخيفة (وهو أمر أعود إليه أدناه). وهنا أود الإشارة إلى ثلاثة أنماط أساسية تجلّت من الهلع من الكورونا، يقتضي إعادة النظر والتفكير بهما:

1- الهروب هلعاً من المسؤولية ورميها على بعض المصابين، فيتم وصمهم وتداول أسمائهم والتحليل والحكم على أنماط حيواتهم، لا سيما تبعاً لتخالطهم بعدد ملحوظ من الأشخاص قبل معرفتهم بإصابتهم، الأمر الذي أدى أحياناً إلى عدوى المخالطين بالكورونا. ولكن، في ظل شح المعلومات التوعوية الكافية في أول أيام الوباء (وهي مسؤولية تقع أساسياً على السلطات الصحية في الدولة)، فهل يعقل التوقّع من أول المصابين بالفيروس التكهّن بإصابتهم والتيقظ الفوري إزاءها وإزاء سبل الوقاية وحماية الآخرين؟ الأمر ليس بسيطاً جراء ما يتم من محاولة لتحميل هؤلاء عبء أمر يعجزون عنه ومن وصمهم لمجرد إصابتهم بالفيروس ولميولهم الإجتماعية الطبيعية (“فلانية كثفت لقاءاتها الإجتماعية” إلخ.). هذا النمط الأول من اللاعقلانية الغرائزية، أمكن تسجيله أيضاً إبتداء من منتصف ثمانينات القرن الماضي إزاء المصابين بفيروس فقص المناعة البشري (HIV)، حيث تم الحكم عليهم إجتماعياً بسبب ميول بعضهم الجنسي ونمط حياتهم، ما أدى تالياً إلى وصم شريحة واسعة من المثليين لسنوات عدة أسفرت بدورها عن تفاقم إضطهادهم وتهميشهم التاريخي.

2- المطالبة بإعلان حالة طوارئ وحظر التجوّل، وهو أمر يختلف تماماً عن الحجر الصحي (الذي يشكل إجراء يجيزه قانون سنة 1957) وعن إعلان حالة الطوارئ الصحية (التي تندرج هي الأخرى تحت إطار عنوان لسياسة الحكومة لمواجهة الأزمة الصحية وليس لوضع قانوني معيّن). فإن إعلان حالة الطوارئ (بالمعنى القانوني للكلمة) وحظر التجول، لحظهما المرسوم الإشتراعي رقم 52، الصادر في 5 آب سنة 1967، والمتعلق بإعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية. ووفق هذا القانون، تعلن حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية في جميع الأراضي اللبنانية أو في جزء منها عند تعرض البلاد لخطر مداهم ناتج عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة أو أعمال أو إضطرابات تهدد النظام العام والأمن أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة. وهي تُعلن بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء على ان يجتمع مجلس النواب للنظر بهذا التدبير في مهلة ثمانية أيام وان لم يكن في دور الانعقاد. وعندها تتولى السلطة العسكرية العليا صلاحية المحافظة على الأمن وتوضع تحت تصرفها جميع القوى المسلحة. وفي حين يتبين أن أزمة جائحة الكورونا لا تستوفي الشروط القانونية لإعلان حالة الطوارئ هذه، يبقى أنه يقتضي تعريف كلمة “كارثة” الواردة في المادة الأولى من المرسوم الإشتراعي المذكور لإزالة أي إلتباس بهذا الشأن. فكلمة “كارثة”، وإن كانت واردة في عدد من النصوص القانونية اللبنانية (مثل قانون المفقودين والمخفيين قسراً وقانون إعفاء ورثة اللبنانيين الذي قضوا في كارثة الطائرة الجزائرية من رسوم التقاضي ورسوم الفراغ والانتقال وقانون إعفاء ورثة اللبنانيين الذين قضوا في كارثة الطائرة الاثيوبية من رسوم التقاضي ورسوم الفراغ والانتقال إلخ.)، غير أن أيا منها لم يضع تعريفا لها. ولكن بالعودة إلى التعريف الأممي للكارثة (وفق مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث – UNDRR)، يتبين أنها إضطراب خطير يحدث خلال فترة قصيرة نسبياً، يتسبب في خسائر بشرية ومادية وإقتصادية وبيئية واسعة النطاق، تتجاوز قدرة المجتمع على التغلب عليها باستخدام موارده الخاصة. وهي تالياً تنقسم عموماً بين الكوارث الطبيعية (مثل الزلازل إلخ.) والكوارث المتأتية من فعل الإنسان (مثل الحوادث النووية والإشعاعية إلخ.). فيتبين إذ ذاك أن جائحة الكورونا لا تندرج تحت تعريف الكارثة، فهي حدث مزمن علاوة على أن حجم الخسائر البشرية والمادية والإقتصادية والبيئية المتأتية منها تبقى محدودة حتى الآن وهي تتزايد تدريجيا خلال مدة من الزمن.

3- أمّا بشأن تحميل المواطنين مباشرة مسؤولية الحدّ من تفشي الوباء من خلال مطالبتهم الملحّة بأن “ينضبوا بالبيت”، وفي حين تبقى المسألة صائبة إلى حد ما بسبب الهلع المتفشي نفسه وتأثيره على الحكمة ونظراً لنجاح نظرية “تسطيح منحى أعداد المصابين” (flattening the curve)، إلا أن لهذا الأمر تداعيات وجودية أيضاً، لا سيما في ظلّ اصطدام هذه المطالب بحقوق أساسية أخرى مثل حق التنقل وحق العمل. “انضبوا بالبيت” ليس متاحاً للجميع، لا سيما للفئات الإجتماعية الأقل يسراً. “انضبوا بالبيت” هو إمتياز، يمكن تحقيقه لمن تسمح له ظروفه الإقتصادية والإجتماعية البقاء في المنزل. “انضبوا بالبيت”، لكن الأمر على خلاف ذلك للمياوم والعامل الفقير وأصحاب الأسر العسيرة ولكل من يهدد بقاؤه في المنزل مدخوله ومدخول أسرته، وكأنما نقول لهؤلاء “انضبوا بالبيت! ففي حال لم تقتلكم الكورونا، قتلكم الجوع”. أمّا الإقتناع بأن حظر التجول والحجر في المنزل لا مفر منهما إذ هما الحلان الوحيدان للخروج من الأزمة، “فأنا أبقى في منزلي وأثابر، لم لا يمتثل بي الآخرون؟ فتنتهي الأزمة”، هو تحديداً يشكل تعريف الإمتياز والتوهم أن الجميع سواسية في الحقوق، ويفترض تاليا أن يكونوا سواسية في الموجبات. الأزمة ليست فقط صحية. اليوم هي صحية، ولكن غداً قد تتبلور كأزمة إقتصادية وإجتماعية مزمنة. هذه النظرة الطبقية للحلول الجذرية للأزمة، يقتضي تفكيكها. فالإمتياز هو مسؤولية، على أصحابه أن يكونوا بمستوى الحمل. وتالياً يقع على هؤلاء موجب أساسي متأتٍ من الإمتياز الذي يتمتعون به، هو موجب التضامن مع من هو أقل إمتيازاً منهم، للخروج بشكل فعّال ومستدام من المحنة. فليحجر أصحاب الإمتياز أنفسهم في منازلهم ولا يفرضوا قواعدهم الأخلاقية والمواطنية على من لا يتمتع بإمتياز، لا سيما في ظل غياب تام للبدائل المعيشية.

أبعد من نظرة هايدغر للهلع، ينتج الهلع هو أيضاً، وفق الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان-بول سارتر، من التهرب من المسؤولية. والمسؤولية هي المدخل الأساسي للحرية، لكنها تخيف المرء وتؤدي به للهلع. فهي تعني التخلي عن مظلة الحماية الأبوية الرمزية (بالمعنيين الفلسفي والسيكولوجي للكلمة)، والإستقلال عنها مع كل ما ينتج عن هذا الأمر من تداعيات ومن مسؤولية ذاتية. وفي ظلّ ما تقدم، لا سيما إزاء ضعف دور الدولة في إدارة الأزمة، يتفاقم هلعنا أمام المسؤولية الوجودية التي تفرض علينا اليوم. فما العمل؟

يقتضي بداية التيقن من الإمتياز الذي يتمتع به كل واحد منّا، وعليه إذ ذاك تحمل عبء المسؤولية الفردية المتوجبة على كل صاحب إمتياز بعيداً عن نمط رمي المسؤولية واللجوء إلى الغريزة، بل على العكس تماماً، من خلال الإلتزام بموجب التضامن إزاء من هم أقل إمتيازاً. من ثم، يقتضي على الموجودين في مواقع سلطة وصناعة القرار أن يكونوا على مستوى المسؤولية الموكلة لهم والتصرف وفق ذلك. فهندسة قانون سنة 1957 تتيح هامشا واسعا لإتخاذ الإجراءات اللازمة لدرء الوباء، وبعضها أكثر جذرية مما قامت به الحكومة حتى الآن، ولكن على أن يتم التوفيق بين مختلف الضرورات، بحيث لا يتخذ إجراء وجودي يولد بدوره تداعيات وجودية أخرى (وفق معادلة إختر كيف تود أن تموت: موبوؤاً أو جوعاً؟). فبين مسؤولية صانعي القرار ومسؤولية الأفراد، لا سيما أصحاب الإمتياز منهم، وموجب هؤلاء بالتضامن، يمكن الخروج من الوباء الراهن بأقل الأضرار الممكنة (وفي كافة أشكالها: الصحية والإقتصادية والإجتماعية والحقوقية منها).

نجت بيروت من الوباء. مات 11 رجلاً و13 مرأة، ولم يمت غير تسعة أطفال. نصف الضحايا قضوا نحبهم خارج الأسوار. ولم يكونوا من أهل البلد. والذين ماتوا من أهل البلد نصفهم لم يمت بالكوليرا. الطبيب الأميركاني الذي صار من أصدقاء الحاج عبد الرحيم قال إنهم ماتوا خوفاً. الخوف يقتل أيضاً: عضلة القلب تنقبض ولا ترتخي بعد ذلك، فيموت الواحد.


[1] ربيع جابر، “بيروت مدينة العالم – الجزء الثاني”، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى، 2005.

[2] Tum pauor sapientiam omnem mihi ex animo expectorat – Ennius, cité pas Cicéron, Tusculanes, IV.

[3]  قانون الأمراض المعدية في لبنان، الصادر في 31/12/1957.

[4]  القانون رقم 240، الآيل إلى تعديل بعض أحكام القانون رقم 288 تاريخ 22/2/1994 (الآداب الطبية)، صادر في 22 تشرين الأول سنة 2012.

[5] القانون رقم 574، حقوق المرضى والموافقة المستنيرة، الصادر في 11 شباط سنة 2004.

[6]  المادة 7 من قانون الآداب الطبية.

[7]  المادة 12 من قانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة.

[8]  المادة 6 من قانون حقوق المرضى المذكور أعلاه.

[9] المادة 2 من نفس القانون.

[10]  المادة 7 من قانون الآداب الطبية.

[11]  لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حقوق العمال والنقابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *