الهرميّة أو إمساك الحقوق من فوق


2020-06-19    |   

الهرميّة أو إمساك الحقوق من فوق

من يطّلع على نظام مجلس شورى الدولة وعلى الممارسات السائدة فيه يدرك أنّ إحدى أكبر مشاكله الحالية تتمثّل في حدة الهرمية السائدة داخله وتحديداً في العلاقة بين رئيس مجلس شورى الدولة وسائر قضاة المجلس، وأيضاً في العلاقة بين رؤساء الغرف وسائر أعضائها أو أيضاً بين مفوّض الحكومة ومعاونيه. وما يزيد من خطورة هذه الهرمية هو أنّ عدداً هامّاً من قضاة “القمّة” (وبالأخص رئيس المجلس ومفوّض الحكومة) يهبطون في مجلس شورى الدولة من خارجه وبموجب مراسيم حكومية. فبفعل ذلك، تصبح الهرمية ليس فقط نقضاً لمبدأ المساواة بين القضاة (والذي هو شرط لاستقلاليتهم وقدرتهم على التداول في القضايا على قدم المساواة) بل أيضاً باباً لمفاقمة التدّخل في القضاء من خارجه ومن داخله وصولاً للتحكّم في قراراته.

ومن أبرز تجليّات هذه الهرمية، الأمور الآتية:

1- التراتبية بين قضاة المجلس:

خلافاً للقضاء العدلي، يعتمد نظام مجلس شورى الدولة تراتبية بين أعضائه بحيث يوزّعهم ضمن رتب عدّة (رئيس المجلس، رئيس غرفة، مستشار، مستشار معاون). وأسوأ ما في هذه التراتبية أنّ الإرتقاء من رتبة إلى أخرى لا يتمّ تلقائياً بفعل الأقدميّة، بل بقرارات تصدر من فوق. فالإرتقاء من مستشار معاون إلى مستشار يحصل بمرسوم بناء على قرار من مكتب المجلس. وتولّي رئاسة المجلس أو رئاسة غرفة يحصل بمرسوم حكومي، وقد يؤدّي إلى تعيين أشخاص من خارج المجلس وتحديداً من القضاة العدليين. وهذا ما أسميناه تعيين الباراشوت.

ومجرّد الحديث عن التراتبية إنما هو بمثابة إعلان رسمي بالتفاوت بين القضاة وتنبيه للقضاة بوجوب احترام المقامات التي تعلوهم، بما يناقض مبدأ المساواة فيما بينهم. وخير دليل على ذلك هو تعميم مكتب المجلس على القضاة الصادر بتاريخ 12/2/2013 “بوجوب المحافظة على المناقبية القضائية وعلى مُراعاة التراتبية وأصول التخاطب”. ومن البيّن أنّ عبارة أصول التخاطب هنا تعني أصول تخاطب من هو أدنى رتبة مع من هو أعلى رتبة، بدليل أنها وردت بعد الإشارة إلى وجوب مراعاة التراتبية. وهذا الأمر إنما يوحي بوجود طقوس احترام وتبجيل يطلب من القضاة الإداريين التقيّد بها عند مخاطبتهم رؤساء الغرف (أعضاء المكتب).

2- السلطات الهرمية لحكاّم المجلس:

  • مكتب المجلس مكوّن من قضاة القمّة

أول أشكال الهرمية يتمثل في تكوين مكتب المجلس الذي يتولّى السّهر على استقلاله وحسن أدائه. فعدا عن أنّ مجمل أعضائه هم كذلك بحُكْم مناصبهم التي يعيّنون فيها من السلطة التنفيذية ولا ينتخب القضاة أياً منهم، فإنهم كلّهم من قضاة القمة (رؤساء الغرف ومفوّض الحكومة بالإضافة إلى رئيس هيئة التفتيش القضائي)، من دون أن يتمثّل أيّ من المستشارين والمستشارين المعاونين فيه.

  • رئيس مجلس شورى الدولة أو حكم الشخص الواحد

بخلاف الحال في القضاء العدلي، حيث يتولّى إدارة المسار القضائي هيئة جماعية (مجلس القضاء الأعلى) من دون أن يكون لرئيسها صلاحيات واسعة من خارجها، يتمتع رئيس مجلس شورى الدولة بصلاحيات ذاتية فردية تكاد تفوق صلاحيات مكتب المجلس الذي يرأسه. ومن أخطر هذه الصلاحيات الآتية:

  • أنّه يمارس “صلاحيات الرئيس التسلسلي الأعلى من الناحيتين الإدارية والمالية”. وعليه، هو الذي يتولّى بتّ الأذونات للمشاركة في ندوة أو نشر مقالة أو السفر،
  • أنّ نظام المجلس منحه الصلاحيّات المالية والإدارية (المادة 3 من نظام مجلس شورى الدولة) التي تُنيطها القوانين والأنظمة بالوزير باستثناء الصلاحيات الدستورية. وعليه، يتولّى رئيس المجلس الصلاحيات المالية وحده،
  • أنّه يتولّى بمفرده إلحاق ونقل المستشارين المعاونين والذين يقاربون ما يناهز نصف قضاة المجلس، مع ما يستتبع ذلك من تحكّم في مسارات هؤلاء المهنيّة وفي أداء المجلس برمّته. يذكر أنّ المستشارين المعاونين هم القضاة المنتمون للرتبة الأولى من رتب المجلس والذين لا يمكن ترفيعهم إلى رتبة مستشار إلا بعد بلوغهم الدرجة السابعة أي بعد أقدمية لا تقل عن 12 سنة؛ ويتم ذلك بقرار من المكتب يعقبه مرسوم وفق معايير تقييم غير موضوعية،
  • أنّه يقرّر بمفرده تكليف قضاة المجلس بمهام استشارية (مدفوعة الأجر) لدى مختلف الوزارات والإدارات العامّة. ومن شأن هذه الصلاحية أن تمنحه سلطة هائلة على القضاة، حيث يصبح بإمكانه حجب التكليف أو منحه، كما بإمكانه منح تكليف واحد أو أكثر للقاضي نفسه، وتالياً اعتماد ما يراه مناسباً من تدابير تمييزية بين القضاة وفق قربهم منه أو رضاه عليهم. وعدا عن “المَوْنة” التي تمنحها إياه هذه السلطة على جميع قضاة المجلس، فإنّها تخوّله أيضاً التمتّع بعدد من الإمتيازات لدى كمّ كبير من الإدارات العامة من خلال القضاة الذين يعيّنهم كمستشارين لديها،
  • أنّ موافقته (هو) وليس مكتب المجلس تكون ملزمة لانتداب أيّ من قضاة المجلس للعمل بشكل تام في الإدارات العامة. ويتم الإنتداب تبعاً لموافقته بموجب مرسوم.
  • أنّه يتولّى عمليّاً التحقيق في المخالفات التأديبية المعزوّة لقضاة المجلس وذلك من خلال قاضٍ يعيّنه، فضلاً عن ترؤسه للمجلس التأديبي،
  • يكون له حق نقل أيّة قضية إلى مجلس القضايا الذي يرأسه،
  • أنه يرأس الغرفة الإستشارية. كما يرأس الغرفة القضائية الأولى مما يمنحه سلطة هائلة في التحكّم في ملفاتها على غرار سائر رؤساء الغرف القضائية، وفق ما نبيّنه أدناه.

وما يزيد من خطورة هذه الهرمية هو غياب أيّة مراجعة داخل المجلس ضد قرارات رئيسه.

  • رؤساء الغرف يتحكمون في مصير المراجعات

فيما يقتضي أن تضم الهيئة الحاكمة في الملفّات قاضيين إداريين إلى جانب رئيس الغرفة وأن يكون أحد هؤلاء الثلاثة مستشاراً مقرراً، فإن لهذا الأخير هامش واسع لتعيين هؤلاء وتغييرهم.

ففيما يكون تغيير العضو غير المقرر ممكناً في أي حين، نلحظ تطوّر ممارستين من شأنهما تمكين رئيس الغرفة من التحكم بتغيير كلا العضوين الآخرين. تتمثل الأولى في تعيين رئيس الغرفة نفسه مقرراً في ملفات هامّة، مما يسمح له بتغيير العضوين الآخرين عند إصدار أيّ قرار. تتمثل الثانية في اتجاه بعض رؤساء الغرف إلى تعيين عضو مقرر في مرحلة النظر في قرار وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، ليتم تغييره بعد صدور هذا القرار، في أي من المراحل الأخرى من الدعوى. 

وما يزيد من هذه الاستنسابية ويفاقمها هو تحكّم رئيس الغرفة في موعد إصدار القرار. ويحصل هذا الأمر بمخالفة فاضحة (باتت بمثابة ممارسة عرفية غير قانونية) لنظام المجلس. فلا يُحدّد موعد جلسة لإصدار القرار علناً وفق ما تفرضه المادة 95 من هذا النظام، وتالياً لا يتم إبلاغه لا إلى الخصوم ولا إلى القضاة المراد إشراكهم في إصداره، بما فيهم المستشار المقرر. بل يحصل غالباً أن يُدعى القضاة “المختارون” للتداول في ملف من دون أن يكون تسنّى لهم الاطلاع عليه مسبقاً أو إعداد حيثيّاتهم لهذه الغاية. كما يحصل أن يتم اختيار أعضاء الهيئة في اليوم المقرر لإصدار القرار، مما يؤدي إلى إحراجهم ووضعهم أمام خيار صعب: فإما ينسجمون مع مطلب رئيس الغرفة فيوقّعون شكليّاً على الحكم، أو يرفضون، مع ما قد يستتبع ذلك من نتائج على حسن علاقتهم مع هذا الأخير. وبالطبع تزيد نسبة الإحراج لدى قضاة الغرفة الأولى التي يرأسها رئيس مجلس شورى الدولة، بالنظر لما لديه من صلاحيات مؤثرة في مساراتهم المهنية كما سبق بيانه على أكثر من صعيد.

وعليه، مؤدّى الهرمية داخل غرف المجلس، هو تحكّم رؤسائها ليس فقط في تحديد موعد القرار والأشخاص المشاركين فيه، بل أيضاً في مدى جهوزيتهم لمناقشة النقاط الواقعية أو القانونية موضوع المنازعة. ومن شأن كل ذلك أن يوليهم تحكّماً واسعاً في مآل المراجعات.

3- المحكومون أو القضاة غبّ الطلب

هنا، نتناول الجانب السّفلي من المجلس وهو مكوّن من المستشارين والمستشارين المعاونين (المحكومين) الذين يخضعون عموماً وبدرجات متفاوتة لحكّامه. والتفاوت بين هؤلاء يكاد يكون نتيجة طبيعية للسلطة الهرمية المعطاة لهؤلاء والتي غالباً ما تنتهي إلى اتخاذ تدابير تمييزية بين المستشارين، وفق مدى قربهم منهم أو رضاهم عنهم.

يبقى أن نسجّل أنّه لا يوجد أيّ شكل من أشكال التشاركية داخل المجلس. وإلى حين إنشاء نادي قضاة لبنان الذي يضمّ عدداً من القضاة الإداريين في نيسان 2018، لم يكن لهؤلاء أيّ إطار بوسعهم التجمّع فيه. وحتى الهيئة العامة لقضاة المجلس الواجب عقدها سنوياً، فقد ترسّخ تقليد قوامه أن يُقدّم رئيس مجلس شورى الدولة نسخة عن التقرير إلى القضاة يوم الإجتماع، فلا يُناقش مضمون التقرير ولا المقرّرات الواردة فيه.

بقي أن نشير مجدداً إلى التعميم الصادر عن مكتب المجلس بتاريخ 12/2/2013 (وهو معبّر جداً) بإلزام القضاة الإداريين (باستثناء رؤساء الغرف) بالتقيّد بساعات الدوام (ساعة الحضور صباحاً وساعة ترك العمل بعد الظهر). واللافت أنّ تقييد هؤلاء بدوام العمل الرسمي لا يترافق مع تعيين موعد جلسات للمذاكرة في الملفات أو تعيين أسماء الهيئة الحاكمة فيها مسبقاً، بحيث تبقى هذه الأمور وقفاً على مزاجية رؤساء الغرف يقررونها وفق ما يرتؤونه مناسباً من دون أي إشعار مسبق. فكأنما الهدف من الدوام هو إبقاء القضاة الإداريين حاضرين غبّ الطلب judges on call.

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Hierarchy in Lebanon’s Administrative Judiciary: Rights from Above

انشر المقال

متوفر خلال:

غير مصنف ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *