النيابة العامّة التمييزيّة تغلق البحر مجدّداً أمام الناس: تدبير انتقائيّ ومخالفة للقانون


2020-06-26    |   

النيابة العامّة التمييزيّة تغلق البحر مجدّداً أمام الناس: تدبير انتقائيّ ومخالفة للقانون

لم تكتمل فرحة أهالي برجا والمناطق المحيطة بالنزول إلى الشاطئ العام في الجيّة التي تعتبر منفذ بلدتهم إلى البحر، عبر طريقين عامّين تمّ فتحهما بقرار من النائب العامّ الماليّ القاضي علي ابراهيم يوم الأحد في 21 حزيران. فلم يمرّ يوم حتّى علم الحراك الوطنيّ في برجا بأنّ المدّعي العام التمييزي القاضي غسّان عويدات قد سحب الملفّ من النيابة العامّة الماليّة وأبطل قرار فتح الطرقات المؤديّة إلى البحر، لأسباب غير معلومة بحسب بيان الحراك الوطني.

ووردت معلومات  لـ”المفكرة القانونيّة” تفيد بأنّ الملفّ سحب بضغط سياسيّ ودينيّ، بحجّة أنّ إزالة التعدّيات على الأملاك البحريّة يجب أن تحصل على صعيد الوطن، ولا يمكن أن تحصل في منطقة واحدة لأنّ ذلك قد يسبّب حساسيّات طائفيّة ومناطقيّة. وحاولت “المفكّرة” الاتّصال بالقاضي عويدات للتأكّد من المعلومات، ولكنه لم يردّ على اتصالاتنا. 

القانون يمنع إغلاق المنافذ إلى الشاطئ 

وجميع المنافذ العامة التي تقود إلى الشاطئ في الجيّة مغلقة أمام الناس في وقت تنتشر التعديات والمخالفات لتغطّي معظم المساحة الشاطئية سواء من منتجعات سياحية ومسابح خاصة وحتى عائلات. ويأتي ذلك على الرغم من أنّ قانون تعديل واستحداث بعض الضرائب والرسوم رقم 64 الصادر في 20/10/2017 يعاقب “كلّ شاغل مرخّص به باستثمار الأملاك البحريّة يخالف مبدأ ولوج الشواطئ عبر الطرق الرئيسيّة والفرعيّة المؤديّة إلى شاطئ البحر و/أو البحر، عن طريق فرض تدبير مباشر أو غير مباشر أو عن طريق وضع أو إنشاء أيّ حاجز ماديّ، وعليه إزالة المخالفة فوراً”. وبالتالي فإنّ تسكير الطرق العامّة المؤديّة إلى البحر في الجيّة يعدّ مخالفة للقوانين، ويعاقب المخالف بغرامة ماليّة من 15 مليون إلى 50 مليون ليرة لبنانيّة. وكذلك تنصّ المادّة 33 من قانون البيئة على ﻣﻧﻊ “ﺍﻷﺷﻐﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻣﻼﻙ ﺍﻟﻌﻣﻭﻣﻳﺔ ﺍﻟﺑﺣﺭﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻧﻬﺭﻳﺔ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﻌﺭﻗﻝ ﺍﻟﻭﻟﻭﺝ ﺍﻟﺣﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺳﻭﺍﺣﻝ والشواطئ الرمليّة…” 

ومن المرجح أن يكون قرار فتح طريقين معينين فقط هو لحصر مرور الناس في الحي السكني، وكأنّه يُقصد منه وضع الناس في مواجهة بعضهم البعض، وإظهار صعوبة إزالة التعديّات على الأملاك البحريّة، وربطها باحتمال حصول فتنة وصراعات طائفيّة مناطقيّة. 

وبما أنّ إغلاق المنافذ المؤديّة إلى الشاطئ العامّ يعدّ مخالفة للقانون، فإنّ سحب الملف من قبل النيابة العامّة وإيقاف العمل به يعني مخالفة مبدأ ولوج الشاطئ عن طريق وضع حاجز ماديّ. في حين أنّه من المفترض العمل على إزالة جميع التعديّات على الأملاك البحريّة في الجيّة وعلى طول الشاطئ اللبنانيّ، بدلا من الانجرار للضغط السياسيّ وإعادة إغلاق طرقات عامّة، متعدى عليها من قبل العقارات الخاصّة. 

اعتراضات من الأهالي واستخدام لغة طائفية 

واعتبر الحراك الوطنيّ في برجا أنّ سحب الملفّ جاء بضغط سياسيّ على القضاء، بخاصّة أنّه وبحسب بيان الحراك في 25 حزيران، “فقد ارتفعت أصوات كثيرة عمدت إلى تحويل المطلب الوطنيّ المحقّ والقانونيّ إلى تحريض سفيه طائفيّ ومذهبيّ ومناطقيّ بهدف تشويه المشهد، لإعطاء المبرّر لأجهزة السلطة الراعية لجميع ملفات الفساد والنهب، تحت شمّاعة السلم الأهلي والعيش المشترك، للتدخّل عكس المصلحة العامّة والقوانين الواضحة”.

وكان الحراك الوطنيّ قد قدّم ملفّاً للنيابة العامّة الماليّة قبل أسبوع، يوضح فيه أنّه توصّل إلى أنّ أربع طرق عامّة مؤديّة إلى البحر مقفلة من قبل أصحاب المسابح الخاصّة أو العقارات على الشاطئ. وبعد قرار إبراهيم فتح طريقين من بين الأربعة، وقبل إرسال مسّاح ليكشف على الطريقين الآخرين يوم الإثنين في 22 حزيران، سحب الملفّ فجأة وتوقّف العمل على فتح الطرقات وأعيد إغلاق الطريقين المفتوحتين. 

وبالتزامن مع نزول ناشطي حراك برجا إلى إحدى الطريقين أثناء فتحها بحضور الدرك والجيش يوم الأحد الماضي، اعترضهم السكّان هناك، مستخدمين خطاباً طبقيّاً مترافقاً مع خطاب طائفيّ – مناطقيّ.  وفي مقابلة أجرتها “المفكّرة” مع إحدى السيّدات في الحيّ حيث تمرّ الطريق العامّ، استنكرت اختيار تلك الطريق حيث “الحيّ المسيحيّ” في الجيّة، معتبرة أنّ ذلك هو استهداف لهم، وأنّ الثورة والتغيير لا تبدأ من ذلك الحيّ. واعتبرت سيّدة أخرى أنّ بإمكان الناس النزول إلى الشاطئ عبر المسبح الخاصّ المجاور والذي يبلغ رسم ارتياده حوالي 30 ألف ليرة. وأكّد أهالي الحيّ أنّهم يسمحون لبعض العائلات بالنزول إلى الشاطئ عبر الطريق المجاورة لمنازلهم، ولكن لن يسمحوا بدخول جميع الناس، لأنّ ذلك قد يعرّض حياتهم للخطر، ويضرّ السلم الأهلي والعيش المشترك، ويذكّرهم بمشهد الحرب الأهليّة. وفي اعتراض آخر، اعتبر أحد الشباب أنّ عمله في إحدى أهمّ الشركات في لبنان لا يسمح باستقبال أشخاص “زعران وحشّاشين”. وفي اليوم التالي للإشكال، انتشرت صورة على مواقع التواصل الاجتماعيّ للافتة معلّقة في منطقة الجيّة، تعمّم منع ارتداء ملابس السباحة في الأحياء السكنية. يضاف هذا إلى أنّ الأهالي يعتبرون أنّ الشاطئ ملكهم الخاصّ، لحيازتهم سندات ملكيّة من أجدادهم.

أمّا الحراك الوطنيّ فأكّد في بيانه على الاستمرار في معركته الوطنية المدنيّة المحقّة “مهما استمرّ الفاسدون بقرع طبول التوتير القبائليّ العفن والعزف على أوتار النظام الطائفيّ حامي الفساد والمفسدين”. وأكّد أنّ الحلّ لملف الأملاك البحريّة “لا يكون بوضع أصحاب الحقوق من مواطنين وأصحاب الاستثمارات والعقارات في مواجهة بعضهم البعض، بل عبر حلّ يحفظ حقوق الجميع من قبل دولة عدالة ومساواة”. وقد وردت معلومات أخرى لـ”المفكّرة” عن محاولة بعض القوى النافذة تحويل موضوع ملفّ الأملاك البحريّة في المنطقة إلى خطاب طائفيّ مناطقيّ، وهذا ما ظهر على لسان الأهالي، مطالبين بعودة الناس من الشاطئ العام وإنشاء مسبح في برجا، وكأنّ المطالبة بالشاطئ العامّ محصورة بمجموعة معيّنة من الناس. وعلى إثر ما حصل، سيعقد الحراك الوطنيّ في برجا مؤتمراً صحافيّاً قريباً يشرح تفاصيل الملفّ وتفاصيل سحبه لاحقاً.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، تحقيقات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *