النقابي والسياسي التونسي أحمد بن صالح يفارقنا: نهاية رجل أتعبه الحلم الوطني


2020-09-18    |   

النقابي والسياسي التونسي أحمد بن صالح يفارقنا: نهاية رجل أتعبه الحلم الوطني
النقابي أحمد بن صالح | الصورة منقولة عن موقع الرأي العام

أعلن مساء يوم 16-09-2020 عن وفاة النقابي والسياسي التونسي أحمد بن صالح عن سنّ ناهزت الخمسة والتسعين عاما، أعاد الخبر للذاكرة الوطنية رحلة النضال الوطني النقابي والسياسي من أجل الاستقلال كما تجربته في الحكم وفي بناء الاقتصاد الوطني فجر الاستقلال. ومن بعد ذلك حكاية محاكمته الظالمة وما تلاها من سجن ومنفى لينتهي الأمر لحديث عن مواقفه من الثورة ومن التجربة الديمقراطية التي كان من الداعمين لها. كان بن صالح في عمله جزءاً من حلم وجهد بناء وطني كما كان في تقلب حاله انعكاسا لانكساراته بما يفرض النظر في تاريخه الذي انطلق مبكرا يوم كان ممن تصدوا للنضال من أجل الاستقلال.

مرحلة النضال الوطني والنقابي

انضمّ بن صالح منذ كان تلميذا للحزب الحرّ الدستوري الجديد وشارك زعماءه حلمهم في تحرير الوطن من المحتل الفرنسي. ولم يغفل من حينها عن التنبُّه لأهمية تحرير المواطن من الظلم الاقتصادي بما قاده لأن يكون ناشطا ثم قياديا في الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمة النقابية التونسية العمالية بمجرد دخوله معترك الحياة العملية.

كان في نضاله النقابي مقرّبا من الزعيم المؤسس للاتّحاد فرحات حشاد من دون أن يمنعه ذلك من أن يكون صاحب رأي وطرح. ويفيدنا تاريخه هنا أنه وسنة 1951 ويوم طرحت القيادة النقابية مسألة الانسحاب من الاتحاد العالمي للنقابات “الجامعة العامة” لتقصيرها في التعريف بالقضية التونسية ولما بات ينسب لها من تهم موالاة للأنظمة الشيوعية والانضمام “للكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة” المصطلح على تسميتها “بالسيزل” كان من تزعم الموقف المعارض للانسحاب والداعي في صورة الإصرار عليه لعدم الانضمام للمجموعة الجديدة. حينها، احتكم أستاذه حشاد للديمقراطية فوافقت الأغلبية على الانسحاب من الاتحاد العالمي والانضمام إلى الكنفدرالية النقابية. واللافت أن حشاد عاد واختار بن صالح  ليكون أول ممثل للنقابة الوطنية بالسيزل احتراما لخصاله واعترافا بأن الخلاف في المواقف لا يجب أن ينتهي للتنافي.

هناك ومن موقعه كممثل للاتحاد والحركة الوطنية كان الشاب بن صالح صوتا لتونس الحرة التي يحلم بها وسندا للزعماء الوطنيين في تحركاتهم الرامية للتعريف بالقضية التونسية كما كان عاشقا للعمال متنبها للأنماط الاقتصادية العادلة والأكثر تلاؤما مع النظام الديمقراطي الذي كان حزبه ينادي به. فكانت أوروبا الشمالية وتعاضدياتها من صنع حلمه الجديد بتونس التي اضطر أن يعود إليها سريعا ليترشح للأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل خلفا لحشاد الذي اغتاله المحتل بتاريخ 04-12-1954.

تسلم الفقيد الأمانة العامة للاتحاد خلال مؤتمره الرابع الذي عقد سنة 1954. عمل فترة عهدته على صياغة أول مشروع اقتصادي للدولة الوطنية التي بات يرى أن موعد بنائها قد اقترب. تصور البرنامج إصلاحا اقتصاديا ينهي مجتمع الإقطاع ويعلن الاقتصاد ساحة لصناعة العدالة الاجتماعية والتنمية بمؤسسات تعاضد يكون فيها المنتجون الهدف والوسيلة. واعتقد بن صالح ومن معه أن الحزب الدستوري الذي كانوا من مناضليه وقادته سيكون من يطبق المشروع بمجرد إعلان الاستقلال. وكان هنا الحزب كما الاتحاد أدوات حلم الحرية والعدالة الاجتماعية وفسر ذلك تجند النقابيين بقيادة بن صالح وزميله في القيادة الحبيب عاشور لحسم الخلاف بين بورقيبة وصالح بن يوسف والذي تولد عن تحمس الأول لاتفاقية الاستقلال الداخلي الذي عرضتها عليه فرنسا وتخوين الثاني لمن يقبل بها.

يومها كان بن صالح في صف بورقيبة. برر موقفه بقوله أن المجلس التأسيسي الذي تقدمه الاتفاقية يكفي بذاته ليتوج النضال لكونه قادراً على فرض الاستقلال التام. ويومها أيضا أي منتصف الشهر الحادي عشر من سنة 1955، كان بن صالح وعاشور من أشرفا على تنظيم مؤتمر الحزب بصفاقس الذي انتصر لبورقيبة وأقصى بن يوسف من منظومة الحكم الجديد ليكون بذلك أحد الذين كتبوا صفحة رئيسية من صفحات النضال الوطني.

مرحلة الاستقلال: الرأي والحكمة في مواجهة الطعنات الصديقة

استغل بن صالح كلمته في مؤتمر الحزب الدستوري للتبشير بالاستقلال الوطني الذي تمهد له اتفاقية الاستقلال الداخلي وللحديث عن أهمية التفكير في برنامج اقتصادي للدولة الوطنية. وعرض على المؤتمرين البرنامج الاقتصادي للاتحاد ليكون المرجع في الجهد النظري للفعل الشاق المطلوب. فانتهى الحزب في الجانب السياسي لأن أيد بورقيبة في الاتفاقية التي فاوض فيها ولأن حول حلم بن صالح في مجتمع التعاضد لبرنامج عمل للحزب الحاكم الجديد.

قاد تحالف الحزب والاتحاد قيادات ومنهم بن صالح لعضوية المجلس القومي التأسيسي. ودفع هذا رئيس الحكومة بورقيبة وجانبا من المناضلين للاعتقاد في أن المآل الطبيعي للتحالف الوطني القائم أن ينصهر النقابي في الحزب. ولكن ذاك لم يكن رأي بن صالح الذي بادر للمطالبة بالإصلاح الاقتصادي الموعود، مهددا بالإضرابات والاحتجاجات.

معارضته تلك وإصراره على منوال اقتصادي  تعاضدي تسببا في بروز معارضة لتوجهاته داخل النقابة. اتهمه المعارضون بالتطرف اليساري. لم يكن هنا بورقيبة بعيدا عن التطورات كما كان أحد الذين خططوا ونفذوا مقرر إعلان مجموعة من القيادات النقابية عن تنحيته من الكتابة العامة وتنصيب خلف مؤقت له لحين عقد مؤتمر انتخابي. لم يكن بن صالح في تلك اللحظة من دون أنصار ومساندين، لكنه اختار أن يصمت خوفا على الحركة الوطنية وحماية للدولة الوطنية.

لم يتسبب بن صالح رغم الدعم النقابي الذي وجده من النقابات الدولية بمنازعة داخل الاتحاد. لقد خشي أن يكون ذلك سببا في أزمة جديدة تزيد في جراح الصراع اليوسفي البورقيبي الذي لازال محتدما. واختار بديلا عن ذلك أن يتفرغ لنقاش الدستور وللعمل التأسيسي فكان بما أبدى من مواقف وما قدم من مقترحات من أبرز من صاغوا نصه ومن أهم من نبهوا لما فيه من نقائص قد تؤدي لمنع قيام الدولة العادلة.

 

الاضطلاع بالمسؤولية في الدولة الوطنية: بكثير من الجهد الفكرة يمكن أن تتحول لواقع

لم يمنع خلاف بورقيبة مع بن صالح الصامت من تمسك بورقيبة في حديثه عن بن صالح بالإشادة الدائمة بقدرته على العمل وإبداء الرأي. كما لم يمنع بن صالح من التمسك بمساندة النهج الوطني البورقيبي. قادت هذه العلاقة بن صالح لأن يكون من وزارء بورقيبة ومن المقربين منه بداية من سنة 1957. أثبت بن صالح في وزارة الصحة التي كانت أول وزارة يباشرها قدرة على الإنجاز رغم قلة الامكانيات وضعف الموارد. فكانت وزارته وزارة برامج ومشاريع في وقت كانت فيه كل المؤشرات التنموية تميل للضعف. وقد دفع هذا الأمر بورقيبة لأن يقبل بان يجرب معه التعاضد، عله يكون سبب النجاح. وهنا بات بن صالح وزير كل الوزارات الاقتصادية بعدما تبنت الدولة التعاضد الذي كان حلمه ومشروعه كسياسة تنموية. وعليه، أصبح الرجل القوي والعضد الأيمن للزعيم كما كان يسمى.

انطلقت تجربة التعاضد ثاني سنوات الستينات من القرن العشرين واستمرت لنهاية سنة 1969. طوال هذه الفترة، كان بن صالح يعمل بدون كلل من أجل ما كان يبشر به من إنجاز اقتصادي وتنموي واجتماعي. بنيت المعاهد والمدارس في كل أرجاء تونس مع تمييز واضح للمناطق الداخلية الأقل حظا. بعثت القطاعات التنموية مع سعي ظاهر لضمان توازن في التنمية. تم السعي لتنويع الموارد الاقتصادية من خلال التركيز على السياحة طلبا لتطوير الاقتصاد. كان الجهد كبيرا وفاق عدد المشاريع القدرة على الإنجاز. لكن سنوات جفاف طويله وفساد معاونين وكثير من العنف تجاه المواطنين حوّل ما كان حلما في عدالة اجتماعية لكابوس افتكاك للأملاك، وما كان تنمية لتفشٍ للفقر والحاجة بما فرض نهاية التجربة.

بن صالح ضحية الاجتهاد

لم ينسب لبن صالح فساد ولا تقصير وكان يعترف له دوما أنه كان صاحب فكرة وأنه سعى مخلصا لخدمة الوطن. لكن هذا لم يمنع بورقيبة الباحث عن التخلص من عبء المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي تلت التعاضد لإعلانه كبش فداء وتقديمه للمحاكمة أمام المحكمة العليا التي صيغ قانونها على مقاسه ودعيت على عجل لإصدار إدانة له. جرب من حينها بن صالح ظلم الدولة التي كانت حلمه وعايش قسوة سجونها التي كان يظن أنها لن تؤوي يوما من أحبها وأخلص لها.

فترة السجن كان بن صالح نقيا كما هو جادا كما تعلم،  أبهرت خصاله تلك سجانا بسيطا اعتقد في الرجل وعدالته، فقرر أن يخرجه بأمر من ابن شعب خارج السجن في رسالة اعتراف بفضل رجل أحبّ البلاد فتنكرت له. غادر بعدها بن صالح بلده كارها هاربا ولكنه ظل وفيا لها. ومن منفاه ناضل من أجل أن تكون يوما ديموقراطية، فأسس حركة سياسية تطالب بذلك مما زاد في غضب الزعيم عليه ومنعه من العودة للوطن ليرتاح قليلا في منزله الذي يحب وقرب الناس الذين كانت حياته وقفا لهم.

 

استراحة محارب لا يحب الصمت

في سنة 1988 وفي إطار انفتاح سياسي عقب تنحية بورقيبة عن الحكم عاد بن صالح لتونس. اعترض على الأحكام التي صدرت في حقه فحكم له بسقوطها بمرور الزمن بما كان يعني رفض الإقرار ببراءته منها. عوّضه بن علي عن كل مستحقاته المالية السابقة وطلب منه أن يلازم منزله ويصمت. جرب ذلك بعض الوقت فلم يقدر له سبيلا فغادر الوطن مجددا ليكون لاجئا معارضا مطالبا بالإصلاح والديموقراطية. لاحقا وفي بداية الألفية الثانية كان العمر قد تقدم بمن تعذب كثيرا بسبب حبه وعمله فقرر أن يعود لبلده لينهي المسيرة التي عادت جذوتها لتشتعل سريعا وبعد عقد واحد بداية الثورة. يومها تحدثت النخبة عن بن صالح ليكون من يقود المرحلة الانتقالية. فتمسك الرجل بالرفض كما تمسك بالدفاع عن الثورة وبمعارضة كل مظاهر الثورة المضادة التي بدأت في البروز. كان بعد الثورة بن صالح زاهدا في البروز رافضا للصمت لم يكن ضمن من تنافسوا في الحديث عن نضالاتهم قبلها ولا من الساعين لجني مكاسب بفضلها لقد كان كما تعلم دوما وطنيا حالما بالعدالة منكرا للذات.

كان بن صالح في كل هذا عنوانا لتجربة وطنية هامة واستحق بفضل إخلاصه للقضية الاجتماعية أن يعود للمنظمة العمالية التي ساهم في بنائها بعد موته قائدا يسجى في مقرها وترفع صوره بعد حجب طويل. كما لقي بن صالح وداعا وطنيا، بكاه فيه الكثير من التونسيين ممن عرفوا بعض قصته، بحبّ لا خوف فيه ولا طمع.

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، حقوق العمال والنقابات ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *