النفاذ للقضاء الإداري: صعوبات هيكلية تمسّ بفكرة القاضي الحامي للحقوق


2021-01-07    |   

 النفاذ للقضاء الإداري: صعوبات هيكلية تمسّ بفكرة القاضي الحامي للحقوق
(كوربيس \ غيتي)

رغم أنّ وظيفته القضائية ترتبط بحماية الشرعية القانونية في تسيير الدولة لشؤون الناس، ليس للقاضي الاداري سلطة للتعهد التلقائي كلما عاين نيلا من هذه الشرعية أو تهديدا لها. فنظام التقاضي عموما والتقاضي الإداري بالخصوص يستند إلى إرادة صاحب المصلحة في تحريك إجراءاته. إلا أنّ هذا الخيار السياسي لمنظومة التقاضي ما فتئ يثبت أنه لا يضمن النفاذ لكلّ من تمّ التعدّي على حقوقه الاقتصادية والاجتماعية. وترجع هذه الوضعيّة لعدّة أسباب من أهمّها الآتية:

 

انحسار الحقّ في التقاضي وصبغته الشكليّة:

تقوم المنظومة القضائية على حصر الحقّ في التقاضي في صاحب المصلحة الذي له وحده تقدير خيار اللجوء للتقاضي من عدمه. كما يتّسم المسار الإجرائي بشكلانيّة تضفي عليه طابعا بيروقراطيّا قد يؤول للمس بأصل الحق.

 

  • المصلحة المباشرة والمناصرة

تضمّنت النصوص القانونية المنظمة لاجراءات التقاضي وتحديدا للشروط الواجب توفّرها في المتقاضي القائم بالدعوى المرتبطة بوجود مصلحة مباشرة في تقديمها. بل وتمّ اعتبار غياب هذا الشرط موجبا لرفض الدعوى شكلا. وحتى لا يكون هذا الشرط مانعا دون المناصرة على الحقوق والنفاذ إلى الحماية القضائية لها فقد تعامل فقه القضاء الاداري مع المصلحة في تقديمها بنوع من المرونة.

فلقد تمّ الاعتراف للورثة بحق التقاضي بالطعن في قرار إعفاء صادر في حق مورثهم الذي توفي بعد نشر الدعوى (وهو قاض) “طالما أنّ إلغاء قرار الإعفاء الذي استهدف مورّثهم من شأنه أن تنجرّ عنه تسوية لها آثار على مركزهم المالي بموجب الإرث، كما أنّ من شأن الإلغاء ردّ الاعتبار إلى مورّثهم وبالضرورة إليهم بمحو آثار شبهة امتدّت مفاعيلها الاجتماعية والنفسية على سمعتهم وعلى شرفهم، الأمر الذي يتّجه معه قبول الدعوى الماثلة من هذه الناحية.”[1]

كما تمّ الاعتراف للجمعيات المدنية والنقابات بأهلية القيام عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مصلحة مشتركة لمنخرطيها أو اندراج موضوع الطعن في أهداف الجمعية بل وحتى امكانية الدفاع عن المصلحة الشخصية لمنخرطيها: “لئن كانت الجمعية تتمتع بالصفة والمصلحة في القيام بخصوص القرارات الترتيبية التي تمسّ بوضعية منخرطيها باعتبارها تمسّ المصلحة العامة لجميعهم وهي المصلحة التي تم تكوينها للدفاع عنها، فإن صفتها ومصلحتها بخصوص القرارات الفردية التي تهم منخرطيها تبقى رهينة توفر شرطين اثنين يتمثل أولهما في أن يكون القرار الفردي من شأنه أن يؤثر على المصلحة العامة لجميع منخرطي الجمعية وذلك بالرجوع إلى أهداف تكوينها، وثانيهما أن لا يؤدي قيام الجمعية في حقّ أحد منخرطيها بخصوص القرار الفردي الذي يهمه بالمسّ من حقه في رفع دعواه بنفسه إلى القضاء[2].”

 

  • تعقيدات المحاكمة الإدارية

من جهة أخرى ورغم أن القضاء الإداري في جزء كبير منه غير مكلف (عدم وجوب المحامي في دعاوى الإلغاء وإتاحة الإعانة القضائية في قضاء التعويض)، فمن المؤسف أن يكون مسار التقاضي فيه محكوما بإجراءات وآجال وشكليات وصيغ لا تشجّع على إتباعه. فأيّ خطأ في سلوك هذا المسار البيروقراطي قد يؤدي إلى ضياع الحقوق الذي دفعت المتقاضي على اتباعه.

فلقد تشدّد المشرّع بخصوص تحرير العرائض وموجباتها ومرفقاتها، مما قد يثني فئة من المتقاضين عن الولوج للحماية القضائية لحقوقهم. وهنا نسجل بإيجابية أن القضاء الإداري طوّر جملة من الآليات القضائية حتى يحدّ من هذا التشدّد فتعامل بمرونة مع العرائض المحررة خاصة من فئات اجتماعية هشة لا تستطيع صياغة طلبات واضحة عند قيامها بالطعن (عملة الحضائر..) في توجه يتجاوز المباني والألفاظ (المستوجبة لحكم الفصل 36 من قانون المحكمة) لترتبط بالمقاصد وبمراد الطاعن حتى يوسّع أكثر من المداخل التي تمكنه من حماية حقوق الفئات الاجتماعية من غير المتمدرسين أو الملمين بالخطاب والصيغ القانونية[3].

كما أنه وعيا منه بخطورة آجال التقاضي على مصير المطالبة القضائية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، طوّر القاضي الإداري بالنسبة لدعاوى تجاوز السلطة التي تتسم بآجال ضيّقة في القيام بما يسمّى بنظرية الحقوق المستمرة التي تجيز تكرار تقديم التظلمات لدى الإدارة بخصوص الوضعيات المرتبطة بتسوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي، فإنّ ذلك يؤدي إلى الانتفاع بآجال جديدة في القيام بالطعن بدعوى الإلغاء. وقد استعمل القضاء الإداري معيارا عاما لتفعيل آليّة الحقوق المستمرّة وهي المطالبات التي يكون موضوعها تسوية وضعيات لها مفعول مادي فإنها تندرج بطبيعتها في زمرة الحقوق المستمرة. [4]

وترتيبا على ما سبق من المتّجه أن يتدخّل المشرع من خلال نصوص واضحة وصريحة لتوفير حماية أكبر لحق المتقاضين خلال إتاحة ذلك الحق بشكل موسع أولا وتبسيط إجراءاته ثانيا

 

2- غياب وتغييب ثقافة التقاضي:

يمثل غياب ثقافة التقاضي عموما والتقاضي الإداري خصوصا سببا في منع عدد هام من أصحاب الحقوق من الاستناد لحماية قضائية لها وفي حرمان القضاء الإداري من فرض رقابة الشرعيّة على أعمال الإدارة المتصلة بتلك الحقوق.

وإذا كان المستوى التعليمي أوّل عوامل فقدان ثقافة التقاضي، فإنّ ثمّة عوامل أخرى تكتسي طابعا موضوعيّا، منها القصور في مستوى السياسات الاتصالية والاعلامية للمؤسسات القضائية في التعريف بمسارات التقاضي الإداري للدفاع عن مختلف الحقوق والحريات وتقصير منظمات المجتمع المدني في نشر الثقافة الحقوقيّة وثقافة التقاضي الإداري لدى الفئات المعنيّة.

وقد أدّت هذه الوضعيّة إلى وجود ما يسمىّ “النزاع الإداري المهجور أو المنسي” في العديد من مجالات التقاضي لبعض الفئات الهشة أهمها الآتية:

  • المساجين:

على الرغم من أنّ السّجين يفقد الحقّ في الحرّية، فإنّ إيداعه المؤسسة السّجنية المنظّمة طبق أحكام القانون عدد52 لسنة 2001 المؤرخ في 14 ماي 2001 المتعلق بنظام السجون كما تم تنقيحه بالقانون عدد58 لسنة 2008 المؤرخ في 4 أوت 2008 لا يفقده جملة من الحقوق المتعلقة بظروف الإيداع وحقّه في التقاضي بخصوصها.

فرغم أنّ الحقّ في التقاضي كحقّ انساني متاح للسجين ضدّ الادارة السّجنيّة إلاّ أنّ هذا النزاع الإداري بقي منسيا ومهجورا ولم نشهد مباشرة أحد السجناء أو من يمثلهم لقضايا ضدّ الدولة أمام القاضي الاداري في هذا المجال.

في المقابل، تمّ رفع قضايا من مساجين بعد خروجهم وقضائهم لفترة العقوبة بخصوص ظروف الإقامة وتعرضهم للتعذيب وللمرض داخل السجن (القضية عدد 124688 بتاريخ 29 مارس 2017) أو تعرّض طفل مودع بسجن الإيقاف مع كهول للاغتصاب (القضية عدد 124667 بتاريخ 24 ماي 2017).

  • الأجانب واللاجئين:

إنّ وجود أجانب على الإقليم الوطني في إطار سواء الهجرة أو اللجوء يعطيهم الحق في التقاضي كحق انساني. غير أن مباشرة هذا الحق قد تكون أمامه عوائق اللغة والمستوى الثقافي أو التعليمي او حتى غياب منظمات مجتمع مدني معنية بمشاغلهم وبرعاية وضعهم مما يجعلهم لا يستطيعون الولوج للقضاء الإداري لحماية حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية كأجانب أو كطالبي لجوء من عسف الجهات الإدارية التونسية.

فالاطار التشريعي والترتيبي المتعلق بالاجانب النافذ (القانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1986 و القانون عدد 40 لسنة  المؤرخ في 1974 و الامر عدد 198 لسنة 1968 المؤرخ في 21 جوان 1968) يدرجهم في منظومة ومقاربة أمنية أكثر منها حقوقيّة ويكاد ينحسر نزاع الاجانب الذي تولى القضاء الاداري النظر فيه في قضايا تعدّ على الأصابع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض منظمات المجتمع المدني نشطت مؤخرا بتحريك قضايا متعلقة بالإيواء القسري للأجانب في مركز الورديّة. وقد مثلت هذه القضايا مناسبة لفرض القضاء الإداري رقابته على صلاحيات الضبط المسندة للإدارة وخاصة الوضع في محلات الإقامة والذي انتهى بخصوصها قاضي توقيف التنفيذ إلى عدم شرعيته وتعارضه مع أحكام الدستور والمواثيق الدولية:

” وحيث أنّه ولئن ألزم المشرّع الدولة، في صورة مخالفة الأجانب للقانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرّخ في 8 مارس 1968، باتخاذ قرارات بطردهم أو ترحيلهم على إثر قضاء عقوبة السجن، فإنّ مبدأ المساواة في التمتّع بالحقوق الأساسية ومبادئ دولة القانون يلزمان السّلط العمومية بعدم التعسّف في تطبيق هذه القرارات، وبممارستها في حدود ما لا يتعارض مع الصكوك الدّولية التي صادقت عليها،

وحيث يتبيّن بالرجوع إلى وضعية العارض، أنّه معلوم الجنسية، وأنّه في وضعية مخالفة للتشريع المتعلّق بحالة الأجانب، وأنّه محروم من حرّيته الشخصية بمقتضى إيوائه في مركز تابع لهيكل عمومي دون أن يكون ذلك في إطار قضائي ضمن إحدى الصور المنصوص عليها بالقانون عدد 7 لسنة 1968، ودون أن يثبت من أوراق الملفّ أنّ ذلك كان لغاية حماية الأمن العامّ، الأمر الذي يجعل من قرار الإيواء مخالفا للشرعية في ظاهره خاصّة وأنّ المدّة التي قضاها المعني بالأمر في المركز تتيح للسلط الأمنية التثبت من وضعيته واتخاذ قرار في شأنه، واتّجه لذلك قبول المطلب الراهن.”[5]

يؤكد هذا العرض الحاجة لتطوير مقاربة حقوقية في تصور النزاع الإداري تضمن حماية القاضي الإداري لمن يحتاجه حقيقة ويعجز عن تحصيله. ولتلافي مثل هذه الوضعيات نرى وجوب توفير مؤسسة للإرشاد القضائي داخل هيكل القضاء الإداري مفتوحة للجميع لتيسير المعلومة القضائية وتبسيط النزاع القضائي لمن يطلبه وبلغة مفهومة. ومن المفيد معاضدة ذلك بإقامة شراكة بين القضاء الاداري ومنظمات المجتمع المدني بخصوص التكوين والانتفاع من الخبرات القضائية في التعريف بالنزاع الإداري والحماية القضائية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

* رئيس دائرة استئنافية بالمحكمة الادارية

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

[1] -الحكم الابتدائي عدد 128546 بتاريخ 13 جانفي 2015.

[2] القرار الصادر في القضيّة عدد 417218  بتاريخ 17 جويلية 2014.

[3] الحكم الإبتدائي الصادر في القضيّة عدد 124110 بتاريخ 24 جانفي2014 والحكم الإبتدائي الصادر في القضيّة عدد 121068 بتاريخ 03 ديسمبر 2014.

[4] الحكم الإبتدائي الصادر في القضيّة عدد 1/17872بتاريخ 26 مارس 2013 .

[5] -القضية عدد4105316 بتاريخ 9 جويلية 2020(توقيف تنفيذ).

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات إدارية ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم إدارية ، مقالات ، نقابات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *