النشر في النظام القانوني اللبناني


2018-01-02    |   

النشر في النظام القانوني اللبناني

تطرح أزمة مرسوم منح القدم لضباط الجيش مسألة لا تتعلق فقط  بتوقيع وزير المال من عدمه بل أيضا تسلط الضوء على قضية مهمة جدا في القانون الإداري تتعلق بإشهار الأعمال الإدارية وطرق دخولها حيز التنفيذ.

لقد عالجنا في مقالنا السابق مسألة توقيع وزير المالية وكنا أول من تطرق إلى القانون رقم 646 لسنة 1997 حول مهل نشر القوانين والمراسيم وميزنا بين الأعمال التنظيمية التي تحتاج إلى نشر في الجريدة الرسمية والأعمال الفردية التي تحتاج فقط إلى ابلاغ المعنيين. لكن الرئيس حسين الحسيني وفي معرض تعليقه على مرسوم منح القدم، صرح معمما أن المرسوم الذي لا ينشر لا يطبق مذكرا بالقانون 646، ما يوحي بأن وجوب نشر جميع المراسيم هو ضرورة إلزامية عملا بمقتضى القانون المذكور. لذلك بات علينا مناقشة هذا الرأي انطلاقا أولا من النصوص الدستورية والقانونية المعمول بها في لبنان وثانيا من إجتهاد مجلس شورى الدولة.

أولا: النشر في النظام القانوني اللبناني

لا يثير نشر القوانين مشكلة محددة إذ انه في المبدأ يتوجب نشر جميع القوانين في الجريدة الرسمية كي تدخل حيز التنفيذ. وقد أشار الدستور في مواده المختلفة أن رئيس الجمهورية يصدر القوانين ويطلب نشرها أي ان النشر (publication) هو حكما الخطوة التي تعقب الإصدار (promulgation). فالإصدار يختم العملية التشريعية ويعلن أن النص استوفى شكلا كافة الشروط الدستورية وحاز على عناصره التكوينية المكتملة بينما النشر هو إجراء مادي تتولى السلطات الإدارية المختصة القيام به بغية إطلاع الجمهور ومن أجل اكتساب القانون لقوة النفاذ[1].

لكن هذا المبدأ العام يعرف مجموعة من الاستثناءات لحظتها بعض النصوص شبه المنسية. لعل أقدمها القرار رقم 96/S الصادر عن المفوض السامي في 14 نيسان 1925. فقد نظم هذا القرار كيفية نشر الأعمال التشريعية والتنظيمية التي يصدرها المفوض السامي فأشار في المادة الثالثة منه أن الإشهار (publicité) قد يتم في الظروف الطارئة وعند الحاجة عبر وسائل غير النشر في الجريدة الرسمية كالتعليق (affichage) أو المناداة (criée) أو غيرها. يلاحظ هنا أن هذا القرار لم يتطرق للأعمال الفردية بل فقط للأعمال التشريعية والتنظيمية. لم يعد القرار 96/S مطبقا كونه يتعلق بقرارات المفوضية السامية الصادرة في زمن الانتداب. لكن ذلك لم يمنع أن يتشكل النظام القانوني اللبناني وفقا للمبادئ التي أرساها هذا القرار. فقد أصدر الرئيس اميل اده في 21 تشرين الثاني سنة 1939 المرسوم الاشتراعي رقم 9 (تعيين الموعد الذي تصبح فيه القوانين والمراسيم نافذة) الذي لا يزال ساري المفعول حتى اليوم. ونصت المادة الأولى منه صراحة على التالي: “أن القوانين والمراسيم تصبح من الآن فصاعدا مرعية الإجراء في جميع أنحاء الجمهورية اللبنانية في اليوم الثامن الذي يلي نشرها في الجريدة الرسمية، ما لم يكن هناك نص مخالف.على أن المراسيم التي لا تختص بجمهور الرعية تصبح نافذة من تاريخ تبليغها”. وهكذا يكون هذا المرسوم الاشتراعي قد ميز بين القوانين والمراسيم التنظيمية التي يتوجب نشرها في الجريدة الرسمية وبين المراسيم الفردية التي تحتاج فقط إلى التبليغ. وبموجب المرسوم الاشتراعي رقم 16 تاريخ 13 نيسان 1943، أضيفت فقرة إلى المادة الأولى بحيث بات من الجائز اختصار المدة المعينة في الفقرة الأولى “شرط أن يؤمن نشر القوانين والمراسيم والقرارات بطريقة من طرق الاعلان غير التي ذكرت في الفقرة المشار اليها”.

جراء ما تقدم يتبين لنا أن النظام القانوني في لبنان يسمح ليس فقط بإشهار المراسيم الفردية عبر التبليغ بل هو أيضا يجيز عند العجلة إشهار (أو إعلان) القوانين والمراسيم التنظيمية عبر وسيلة غير النشر في الجريدة الرسمية وهو ما حدث فعلا وتكرر مرارا من خلال تعليق النص على مدخل رئاسة الحكومة[2].

وقد أكدت المادة 69 من نظام مجلس شورى الدولة (قانون منفذ بمرسوم رقم 10434 تاريخ 14/6/1975) على هذه الطرق من الإشهار مضيفة إلى التبليغ أيضا التنفيذ: “مهلة المراجعة شهران تبتدئ من تاريخ نشر القرار المطعون فيه إلا إذا كان من القرارات الفردية فتبدأ المهلة من تاريخ التبليغ أو التنفيذ”.

وسنة 1997، صدر القانون رقم 646 الذي اقترحه الرئيس حسين الحسيني والذي يفرض نشر القوانين والمراسيم خلال مهلة أقصاها خمسة عشر يوما من تاريخ إصدارها. أثار هذا القانون مسألة شائكة بعض الشيء فهو جاء مطلقا، بحيث يفهم منه أن جميع المراسيم يتوجب نشرها في الجريدة الرسمية ما يشي بأن الاختلاف في وسيلة إشهار المراسيم التنظيمية والفردية لم تعد قائمة كونها تحتاج كلها إلى النشر في الجريدة الرسمية. في الحقيقة، كثيرة هي المراسيم التي لا يتم نشرها سواء كانت فردية أو غير فردية. فمراسيم منح الجنسية ومراسيم منح الأوسمة كانت تنشر قديما زمن الانتداب وفترة الاستقلال لكن اليوم بات يتم الاكتفاء بتبليغها. كذلك المراسيم الخاصة بالعلاقة الداخلية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لا يتم نشرها كمراسيم إحالة مشاريع القوانين من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب ومراسيم استرداد مشروع قانون ما أو حتى المرسوم الذي يطلب بموجبه رئيس الجمهورية من مجلس النواب إعادة النظر بقانون أقره هذا الأخير عملا بالمادة 57 من الدستور[3].

أمام هذا الواقع طلب رئيس الحكومة حينها رأي هيئة التشريع والاستشارات لناحية معرفة ماهية المراسيم الواجب نشرها في الجريدة الرسمية على ضوء القانون رقم 646/97. وبالفعل أبدت الهيئة رأيها معتبرة أن المراسيم الواجب نشرها في الجريدة الرسمية “هي فقط المراسيم ذات الصفة العامة غير الشخصية التي تعني جمهور الرعية كالمراسيم التنظيمية والتطبيقية لما لحصول النشر على وجه قانوني من أثر على سريان هذه المراسيم بوجه جمهور الرعية” (استشارة رقم 2489 تاريخ 8 تموز 1997). وقد أحيلت هذه الاستشارة على المدير العام لوزارة العدل القاضي وجيه خاطر لإبداء الرأي فأيد في 14 آب 1997 ما ذهبت إليه هيئة التشريع والاستشارات مقترحا “إضافة المراسيم ذات الطبيعة الفردية[4] التي يكون لها أثر تجاه الغير إلى طائفة المراسيم الواجب نشرها في الجريدة الرسمية” كمراسيم ترقية الموظفين. علما أن مراسيم ترقية الضباط في الجيش لا تنشر باستثناء ما يتعلق بفئة الضباط العامين لجهة مثلا التعيين في المجلس العسكري وتعيين العماد قائد الجيش ورئيس الأركان إذ يتم نشر تلك المراسيم في الجريدة الرسمية.

ثانيا: اجتهاد مجلس شورى الدولة

أقر القضاء الإداري في لبنان على غرار نظيره الفرنسي المبدأ العام الذي يعتبر أن الأعمال التنظيمية يتوجب إشهارها عبر النشر بينما يكتفى بالتبليغ في ما يتعلق بالأعمال الفردية.

أبعد من ذلك، اعتبر مجلس الشورى في لبنان “أن العلم والإجتهاد مستقران على اعتبار أن عدم نشر القرار الإداري في الجريدة الرسمية لا يشكل عيبا من العيوب التي تؤدي إلى بطلانه لأن نشر القرارات الإدارية يشكل تدبيرا لاحقا لصدورها وعليه فإن عدم نشر القرار الاداري لا يؤثر في شرعيته إنما يؤدي إلى عدم سريان القرار في مواجهة الأشخاص المعنيين بأحكامه إذا كان القرار قرارا تنظيميا” (قرار رقم 830 تاريخ 14/7/2014). وقد عالجنا في مقالنا السابق هذه النقطة قائلين أن الأعمال الإدارية تكتسب وصفها القانوني المكتمل عند توقيعها بغض النظر عن إشهارها.

وأيضا رأى مجلس الشورى “أنه لا شيء يحول دون حق المستدعي بالطعن بالمرسوم الفردي الذي يعنيه حتى قبل إبلاغه منه حسب الأصول باعتبار أن القرار المطعون فيه يصبح نافذا وبالتالي قابلا للطعن من تاريخ صدوره (…) وأن سريان مهلة المراجعة بشأن القرار الفردي من تاريخ نشره إنما يقتصر على الغير الذي يؤثر القرار في مركزهم ولا يتعداه إلى الشخص الذي يتناوله هذا القرار بصورة مباشرة” (قرار رقم 14 تاريخ 19/11/1992).

لا بل ان بعض الأعمال الفردية لا تقبل بسبب طبيعتها أي شكل من أشكال الإشهار[5]:

« Par nature, certaines décisions ne sont susceptibles d’aucune publication ou notification. Ces décisions ne sont pas moins exécutoires mais les délais du recours contentieux ne courent que du jour où les requérants éventuels ont pu en avoir connaissance » (Georges Vedel, Pierre Delvolvé, droit administratif, Tome 1, p.298)

وقد تبنى ذلك مجلس الشورى في لبنان فأقر “بوجود بعض القرارات الفردية التي هي نظرا لطبيعتها غير قابلة للنشر أو غير قابلة للنشر والتبليغ فتبدأ مهلة الطعن فيها من قبل أصحاب المصلحة من تاريخ العلم الأكيد وذلك إذا كان هذا القرار غير قابل النشر والتبليغ ومن تاريخ التبليغ أو التنفيذ إذا كان القرار المشكو منه غير قابل للنشر” (قرار رقم 61 تاريخ 7/4/1988).

ورأى مجلس شورى الدولة أن الإشهار قد يتم حتى بوسائل أخرى فاعتبر: “ان النشر يكون صحيحا عند نشر العمل في الجريدة الرسمية. وقد استقر العلم والاجتهاد لا سيما اجتهاد هذا المجلس على القول أنه عندما لا يفرض النص طريقة معينة للنشر كما هي الحال في المراجعة الحاضرة[6]، يعتبر النشر صحيحا عندما يتم نشر العمل الإداري في نشرات الإدارة Bulletins de l’administration أم عن طريق اللصق أو الإعلان أم بطريقة التعميم Diffusion par note ou note circulaire” (قرار رقم 31 تاريخ 17/10/1996).

مما تقدم، نستطيع أن نصل إلى الخلاصة التالية:

  1. أن رأي الرئيس الحسيني بعدم تطبيق المراسيم غير المنشورة مطلقا هو قول يخالف النظام القانوني اللبناني والإجتهاد المستقر لمجلس شورى الدولة.
  2. أن مرسوم منح القدم هو من الأعمال الفردية المكسبة للحقوق وشرعيته تقدر يوم توقيعه عند انتهاء مرحلة إعداده وأن استرداده في حال سلمنا جدلا أنه مشوب بعيب ما لا يمكن أن يتم إلا بمرسوم آخر على أن يتمكن المتضرر من الطعن ضمن المهل القانونية بالمرسوم الجديد.
  3. إن التنازع حول قانونية أي عمل إداري يجب أن يتم حسمه عبر القضاء المختص وليس من خلال التراشق الإعلامي والمساومات أو التسويات السياسية.

 


[1] « La publication  est l’acte du pouvoir exécutif par lequel la loi votée et promulguée est portée à la connaissance des citoyens; elle a pour but de rendre la loi obligatoire à leur égard » (A. Esmein, Eléments de droit constitutionnel français et comparé, Tome 2, 1921, p. 67).

 

[2]  تجدر الاشارة هنا إلى ملاحظة مهمة: الدستور اللبناني يتكلم فقط عن نشر القوانين والمراسيم لكن الصواب كان يفترض استخدام مصطلح الإشهار أو الاعلان. فالمادة 56 مثلا تقول ان رئيس الجمهورية يصدر المراسيم ويطلب نشرها رغم أن العديد من المراسيم الفردية لا يتم نشرها فهل يعني ذلك ان عدم نشرها في الجريدة الرسمية يجعلها مخالفة للدستور. الجواب قطعا لا لأن النص الدستوري يقصد أي وسيلة من وسائل الاعلان والاشهار القانونية وليس وسيلة النشر تحديدا. وهذا ما تنبه إليه مجلس شورى الدولة إذ اعتبر في قرار له التالي: “وبما انه يجمع تحت اسم “النشر” Publication مختلف الطرق التي تجيز او تسمح بايصال عمل اداري معين – عام او خاص – لمعرفة وعلم عدة اشخاص غير محددين” (قرار رقم 31 تاريخ 17/10/1996).

[3]  للمعلومة عمدت حكومة فؤاد السنيورة سنة 2006 و2007 إلى نشر مراسيم إحالة مشاريع القوانين في الجريدة الرسمية كي تصبح نافذة بعدما رفض رئيس الجمهورية توقيعها وقد رفض رئيس مجلس النواب استلامها أيضا، علما أن المؤلف يرى ان مراسيم احالة مشاريع القوانين هي من المراسيم الخاصة التي يجب أن تستثتى من مهلة الخمسة عشر يوما وعليه لا يجوز أن تصدر دون توقيع رئيس الجمهورية.

[4]  يشار هنا ، أن المراسيم الفردية قد تتعلق بشخص واحد فقط أو مجموعة من الأشخاص. ان عدد الأفراد المعنيين بالمرسوم غير مهم ما دام يتم ذكر الأفراد بأسمائهم. وقد كرس مجلس الشورى هذا التمييز فأعلن في قرار له: “بما ان المرسوم المطعون فيه هو مرسوم جماعي تسري مهل المراجعة بشأنه من تاريخ ابلاغه من الاشخاص الواردة اسماؤهم فيه ومن تاريخ نشره في الجريدة الرسمية فيما يتعلق بالاشخاص الذين لهم مصلحة في ابطاله” (قرار رقم 415 تاريخ 18/4/1966).

[5]  مثلا في فرنسا قرار المحافظ بقبول لقيط في الاسعاف العام أو بعض القرارات المتعلقة بالدفاع الوطني.

[6]  ادراج أسماء الضباط على جداول الترقية. وقد ورد في القرار نفسه ايضا: “وبما ان الضابط الذي لم يرد اسمه على جدول الترقية ويعتبر ان له الحق بان يرقى عليه ان يطعن في هذا الجدول ضمن المهلة القانونية التي تسري من تاريخ نشره او تعميمه”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية