الناس يهجرون كورنيش الميناء: حملة إزالة التعديات تزيل “الأخضر واليابس”


2023-05-21    |   

الناس يهجرون كورنيش الميناء: حملة إزالة التعديات تزيل “الأخضر واليابس”

سكون إلى حد الضجر، مشهد غير مألوف على كورنيش الميناء. عدد قليل من المشاة، وهدوء لا تخرقه سوى بعض أصوات الدراجات النارية العابرة. هذه تحديدًا حال الواجهة البحرية في المدينة بعد حملة إزالة البسطات والأكشاك، ونزع التعديات.

غاب الناس عن الكورنيش، فيما حضرت بعض الورش لتأهيل وزراعة الوسطيات ببعض الأشجار ونباتات الزينة. برأي عبد الناصر وهو صياد من الميناء لم يعد الكورنيش جميلًا، لأنه “خلا من الناس”. وبالتالي يبدو أنّ خطوة إزالة البسطات والتعديات بالطريقة التي حصلت فيها أي عبر إزالة التعديات ومعها كل العربات والبسطات التي تنتشر على الكورنيش منذ سنوات إلى درجة شكلت هويته والأسباب الرئيسية لكونه مقصدًا للفئات محدودة الدخل، أحدثت قطيعة بين الكورنيش، والناس الذين أوجد من أجلهم. وهذا الأمر يطرح سؤالًا أساسيًا وهو كيف يمكن الحفاظ على الكورنيش كمقصد شعبي رئيسي في المنطقة بعيدًا عن الفوضى وكيف يمكن منع التعديات عليه التي تمثلت في الآونة الأخيرة بملاه للأطفال تتألّف من ألعاب كبيرة مركّزة على رصيف الكورنيش ومن مقاه توزّع طاولاتها وكراسيها عليه وغيرها، من دون إلغاء مصادر رزق أصحاب العربات والبسطات الذين يسترزقون من الكورنيش من جهة ويعتبرون سببًا لارتياد الناس للمكان. في هذا التحقيق سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة.

رحلة البحث عن عرنوس ذرة

في السابق، كان الكورنيش يزدحم بالبسطات والعربات التي تبيع الذرة والترمس وغزل البنات والسكاكر والقهوة، ما جعله مساحة عامة شعبية مثالية للعائلات وأطفالهم والأشخاص غير القادرين على ارتياد المقاهي فرصة لقضاء وقت وشرب القهوة أو تناول وجبات خفيفة. ولكن اليوم يسير الزائر عدة كيلومترات على الكورنيش من مدخل الميناء إلى مطلع رأس الصخر من دون أن يجد عربة واحدة تبيع هذه السلع الشعبية الرخيصة. وينتظر المارة القليلون جدًا قدوم أحد “القهوجية” لشراء فنجان القهوة الصباحي، أو يضطرون لقطع مسافة طويلة إلى أحد أصحاب “المصبّات” المتواجد قرب مراكب الصيادين.

يعتبر إبراهيم وهو صاحب بسطة أنّ “الأوادم تضرّروا من القرار أكثر من غيرهم والقبضايات لديهم بدائل”، مضيفًا أنّه “كان يعيش من بسطة بيع المياه ٣ عائلات، باتوا اليوم من دون مصدر دخل”. ويشير “كنا نفتح في الصباح عندما تنطلق رحلات الجزُر، ونقفل عند التاسعة مساء حيث كنا نرفع الكراسي والطاولات الخاصة بنا، ولم نكن مسؤولين عن الفوضى التي كانت متركزة قرب الجامع أي المنطقة المحاذية لمبنى البلدية، ومن ثم كان يجب تنظيمها من قبل البلدية وأصحاب البسطات”، ويؤكد أنّ الفوضى كانت تتركز في نقاط محددة دون غيرها، وتحديدًا أولئك الذين وضعوا منشآت كبيرة. 

تتكرر الشكوى على لسان محمد صاحب كشك لبيع القهوة والكيك، فهو يعتمد على البسطة من أجل إعالة أفراد عائلته الخمسة، وهو وضع الكشك على زاوية رصيف الكورنيش لكي لا يعيق الحركة.

كما نلتقي على الكورنيش الحاجة أم فادي الصيداوي والدة أحد أصحاب الاكشاك الذي كان يؤجّر الدراجات الهوائية، التي ترفع الشكوى إلى البلدية، لتسأل أين الدراجات التي تمت مصادرتها من بسطة ابنها، ثم لتؤكد: “نحن لم نسرق، وكل الأمر أننا كنا نؤجر الدراجات لنعتاش. الآن كيف لي ان أشتري الدواء، سعر القطرة وحده ٢ مليون ليرة؟ وكيف لابني أن يعيل أولاده الصغار، ويطعهمهم؟”. وتحمّل ساسة طرابلس مسؤولية ارتفاع مستويات الفقر في المدينة، فهم كما تقول “يأخذون قروض الإسكان، ويزوجون أبناءهم في الخارج، ولا يكترثون لأوضاع الفقراء”.

الكورنيش بين الأمس واليوم

نشأ كورنيش الميناء في ثمانينيات القرن الماضي عندما ردم البحر من أجل توسيع نطاق الميناء، وإقامة واجهة بحرية للتنزه والمشي. عام ٢٠١٧، بدأ مشروع تجميل كورنيش الميناء بتمويل من الحكومة الألمانية وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، ومنظمة العمل الدولية. اعتُبر الكورنيش بارقة أمل في تحويل الميناء إلى واجهة سياحية. وحتى قبل افتتاحه بشكل رسمي، اجتذب الكورنيش أعدادًا قياسية من الزوار، شكلت الطبقات الشعبية وأبناء الميناء ومناطق الشمال الأغلبية الساحقة منهم. كان يأتي هؤلاء إلى الكورنيش للتنزّه، أو القيام بزيارة الجزر المقابلة، كالنخيل، والرمكين، والبلان حيث يتراوح رسم الراكب بين دولار ونصف و٤ دولارات حسب بعد المسافة. أي أن الكورنيش قدم خدمة ترفيهية بأسعار مقبولة مقارنة مع أمكنة الترفيه العالية التكلفة. وازدحم المكان في أيام الصيف بالناس الهاربين من جدران منازلهم الحارقة، وفي أيام الشتاء غير الماطرة قصدوه من أجل الترويح  عن أنفسهم . وطيلة هذ الفترات كانت العربات والبسطات وأكشاك القهوة جزءًا أساسيًا من تجربة الزوّار حتى صارت جزءًا من هوية المكان وأحد أسباب كونه مقصدًا لفئات الدخل المحدود.

بدءًا من عام 2019، بعد استقالة المجلس البلدي، ازدادت الفوضى على الكورنيش، وهو ما يردّه عبد القادر علم الدين رئيس البلدية الميناء السابق، إلى “غياب سلطة القرار”. فـ “المشروع الذي كان يهدف إلى تحسين الكورنيش وتجميل “زنار المدينة” الممتد من قصر الرئيس نجيب ميقاتي إلى الملعب الأولمبي، وجذب السياح سار كما يجب الى عام ٢٠١٩، عندما تدخلت السياسة في المجلس البلدي، وتسبب بإسقاطه”. ويضيف “بدأت الفوضى وتمت تغطيتها بالسياسة إلى أن وصلنا إلى اكشاك بيع الفلافل، ووضع الكراسي والطاولات، والألعاب الضخمة، وغيرها من المخالفات المتعاظمة من دون أي تدخل لقمعها”. ويجزم علم الدين أنّ الحل لا يمكن أن يكون إلّا بوجود رؤية واضحة للكورنيش يتم طبيقها ومراقبة تطبيقها، حيث يلفت إلى أنه كان يوجد مخطط لتلزيم ممر الدراجات الذي أقيم على الكورنيش لإحدى الشركات الخاصة، حيث يمكن للزائر القيام برحلة ضمن المدينة، وتركها في نقط مخصّصة لها، ولكن كل شيء توقف مع سقوط المجلس البلدي .

في غياب السلطة التنظيمية والرقابية، تعرّضت أجزاء من الجدار الحديدي الفاصل عن البحر للسرقة، فيما تمكّن بعض النافذين من وضع يدهم على أجزاء منه واستثمارها. أحدث ذلك صورة متناقضة، فمن ناحية تحوّل الكورنيش إلى مكان يعجّ بالناس، ولكنه في المقابل خالف جميع التصوّرات الموضوعة للمكان، كما تسبّب بتعارض المصالح. إذ يشكو عبد الرحمن وهو صيّاد شبك من أنّ وضع ألعاب النفخ، والدراجات تسبّب بعرقلة الحركة من البحر وإليه. ويشير إلى كرسي نجلس عليه، ويقول: “هل تعلم أنّ هذا الكرسي المخصّص في الأصل للزوار، ما كان لنا أن نجلس عليه بفعل وضع شمسيات في محيطه، واستخدامه من قبل أصحاب البسطات المستجدّة؟”.

وبعد استشراء الفوضى على الكورنيش حيث لم تعد البسطات تقتصر على بسطات بيع الذرة أو القهوة، وإنما امتلأ الكورنيش بالبسطات التي تبيع الأراكيل، وتلك التي تؤجر الدراجات، وألعاب النفخ، وملاهي الأطفال والمقاهي التي تتخذ من الكورنيش مقرًا لها، ومع تعاظم شكاوى الأهالي، نزل المئات من القوى الأمنية بكامل عتادهم لقمع المخالفين، بالتعاون مع ورش أشغال بلدية الميناء وإزالة التعديات التي استحدثت مؤخرًا في ظل استقالة المجلس البلدي.

تتحدث قائمقام زغرتا إيمان الرافعي التي تدير بلدية الميناء بموجب قرار رسمي في حديث إلى “المفكرة القانونية” عن الدوافع لإزالة البسطات عن كورنيش الميناء، واصفة الكورنيش بالمتنفّس لكل محبي الرياضة والمشي، وهو أهم وجه سياحي لمدينة الميناء وطرابلس”. وتلفت إلى تزايد التعديات خلال السنين السابقة، كما شهدت فترة عيد الفطر اتساعًا كبيرًا لها”، وتضيف “لم يعد يقتصر الأمر على الأكشاك، وباتت التعديات عبارة عن مقاهي وألعاب للأطفال كالملاهي، وسواها. مما أفقد الكورنيش رونقه، بعد أن عمت الفوضى واستباحة الأملاك العامة”.

وتكشف الرافعي أنه “على الرغم من كل الإنذارات المتتالية من قبل البلدية لإزالة التعديات لم يستجب أحد”. لذلك تضع قرار الإزالة في خانة “الاستجابة لشكاوى أبناء المدينة والمجتمع المدني والجمعيات البيئية والسياحية”. وتشير الرافعي إلى تفاوت نسب التعديات بين أقسام الكورنيش، حيث تركز  القسم الأكبر منها على الكورنيش الجديد المنفذ، والمموّل من  UNDPفيمت كانت بنسبة أقل على كامل الكورنيش.

“راح الصالح بعزا الطالح”

استقبلت شريحة من الأهالي الخطوة بالترحاب على أبواب موسم الصيف، لأن ذلك “سيفسح المجال لهم بممارسة هواياتهم المفضلة، والتنقل على الكورنيش دون عوائق”. كما أنه “يمنع استفراد مجموعة من الناس بالكورنيش، ومن ثم استغلال الأملاك العامة لمصالحم الخاصة” حسب شهادات أشخاص قابلتهم “المفكرة القانونية” في جولة ميدانية. ويؤكّد عامر أحد أبناء الميناء “على أبواب الصيف كان يجب محاربة الفوضى لكي يشعر الزائر والسائح بأنّ الكورنيش مساحة آمنة، ويمكن للجميع ولوجها”.

ولكن أصحاب البسطات والعربات خصوصًا ممن كانوا يعتاشون منها منذ ما قبل استشراء الفوضى على الكورنيش يعتقدون أنّهم “أصيبوا بالغبن من هذا العمل، لأنّ البسطات كانت تشكل مورد دخل لإعالة أسرهم”. ويقول إبراهيم “راح الصالح بعزا الطالح” أي تمّت المساواة بين من يضع بسطة على الكورنيش من أجل تأمين لقمة العيش، وبين من يتسبّب بالفوضى، ويحاول فرض نفسه بالقوّة على الكورنيش. كما لا يغيب الحديث عن المحسوبيات، وتغطية بعض المخالفات التي سرعان ما ستعود إلى الكورنيش خلال أسبوع أو أسبوعين بعد أن ترتخي القبضة الأمنية بعض الشيء.

إذًا أزيلت البسطات من دون تأمين بديل لأصحابها، حيث يطالب البعض منهم بتدخل البلدية من أجل تنظيمها. هذا الطرح تجيب عليه دوائر البلدية، التي تعتبر أنّ “التنظيم رهن انتخاب مجلس بلدي جديد مكتمل الصلاحيات، وقادر على اتخاذ القرارات الملزمة، وإقرار الخطط”. وتلفت إلى أنّ هناك حاجة لإقامة نقاط أمنية ثابتة على طول الكورنيش لمجابهة أي مخالفة على وجه السرعة، وعدم جعلها تتمدد. وتشير إلى أن عدد عناصر شرطة البلدية ٤٠ عنصرًا، وهم يقومون بأعمالهم وفق دوامات، وبالتالي لا يمكن نشرهم في وقت واحد، كما لا تتوافر لديهم التجهيزات اللوجستية التي تؤهلهم القيام بكافة المهام”. كما تكشف المصادر عن وجود خطة في السابق لإقامة أكشاك حديثة تُوزّع وفق تراخيص البلدية، وتنار بالطاقة الشمسية؛ ولكن لا يمكن البت بها في الوقت الراهن.

من جهتها، تجزم إيمان الرافعي أنّه “لا يمكن تأمين بديل للمخالفين ولأصحاب الإنشاءات المتعدية على الأملاك العامة”، مشدّدة على أنه “ليس لهم حق مكتسب”. في المقابل، تأخذ الرافعي الوضع المعيشي الراهن في الاعتبار، حيث “قد تسمح البلدية للبعض من أصحاب الحاجة باستخدام عربات جر متنقلة، على أن يتمّ تنظيم الأمر من قبل الشرطة البلدية”. وحول الرؤية المستقبلية، تجزم الرافعي “ليس بالإمكان السماح باحتلال مساحة من الكورنيش البحري كما كان الوضع في السابق”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، تحقيقات ، أملاك عامة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية