النائب العام التمييزي، لاعب سياسي أم أداة أخرى للقوى السياسية؟ 2- قانون 2001 قانون كسر عظم على قياس النيابة العامة التمييزية


2019-10-01    |   

النائب العام التمييزي، لاعب سياسي أم أداة أخرى للقوى السياسية؟ 2- قانون 2001 قانون كسر عظم على قياس النيابة العامة التمييزية

خلال الأسبوع الماضي، أصدر كل من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري والمدعي العام غسان عويدات تعميمين هدفا إلى ترسيخ الهرمية داخل النيابات العامة. يعيد هذان التعميمان إلى الأذهان السياسات المعتمدة في ظل الوصاية السورية وفي سياق إعداد قانون أصول المحاكمات الجزائية. نظرا لخطورة هذين التعميمين، تعيد المفكرة نشر ما سبق لها توثيقه من ممارسات في هذا المجالة. ويلحظ أن أداء النيابة العامة اختلف وفق شخصية النائب العام التمييزي ومدى نفوذه وارتباطه بالسلطة الحاكمة. ففيما ظهر النائب العام التمييزي عدنان عضوم بمثابة شريك في نظام الحكم، لا يجد حرجا في عقد مؤتمرات صحافية أو اتخاذ مبادرات في المجال الجزائي ذات طابع سياسي واضح، فإن بعضهم الآخر بدا أقل إقداما وأكثر تحفظا في الفضاء العام، من دون أن يقلل ذلك بالضرورة من تواصلهم الدائم مع السلطات الحاكمة أو من هيمنتهم على أعمال النيابات العامة. (المحرر).

في بداية 2001، كانت البلاد منقسمة بين فريق ممثل برئيس الجمهورية إميل لحود وفريق معارض يرأسه رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. وفي خضم هذه الأجواء، وبمناسبة مناقشة قانون جديد لأصول المحاكمات الجزائية، دارت بين هذين الفريقين معركة سياسية بامتياز، محورها مكانة النائب العام التمييزي وصلاحياته، الأمر الذي يؤشر مرة أخرى إلى الدور المحوري لهذا الأخير في فترة الوصاية السورية. وقد انتهت المعركة إلى انتصار الفريق الأول الذي لم يجد حرجا في إرغام المجلس النيابي في التراجع عما كان أقره قبل أيام.

وكانت المعركة بدأت فصولا حين أحالت لجنة الإدارة والعدل برئاسة النائب مخايل الضاهر مقترح تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية في 19 شباط 2001 على الهيئة العامة لمجلس النواب التي أقرته بمادة واحدة في جلستها المنعقدة في 29 آذار 2001. استطاع القانون الجديد ضبط عمل الضابطة العدلية بربطها بشكل وثيق بالنيابة العامة وذلك منعاً لتجاوزاتها المستمرة لحدود السلطة والتي أدّت إلى انتهاك متكرر لحقوق الناس وحريتهم[1]. كما أنه سعى إلى الحد من صلاحيات النيابة العامة التمييزية المتنامية جداً وذلك من خلال نزع حق النائب العام التمييزي في التحقيق والادّعاء وإلزامه بإحالة أي شكوى أو محضر على النيابة العامة المختصة من دون أن يكون له التحقيق أو الادعاء فيها. كما أن مقترح القانون الذي تم إقراره أعطى محكمة الاستئناف المدنية المختصة سلطة البت في الإذن بملاحقة الموظفين العامين بدلا من النيابة العامة التمييزية. وفيما حدّ المقترح دور النيابة العامة التمييزية في هذين الوجهين، فإنه آل بالمقابل إلى إعلان استقلال النيابة العامة التمييزية عن وزارة العدل بموجب المادة 13 التي نصت على أن “تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع قضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله أن يوجه إلى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام”. وإلى ذلك، حددت مدة التوقيف في إطار التحقيقات الأولية بأربع وعشرين ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة. كما كرس حق المشتبه به بحضور محام أثناء التحقيقات الأولية معه. كذلك وضعت مدة قصوى لبلاغات البحث والتحري تسقط من بعدها، وهي عشرة أيام.

وقد علّق الصحافي نبيل بومنصف على هذا الموضوع في مقال في جريدة “النهار” جاء فيه: “بدا لافتاً “الإقبال” النيابي والحكومي الكثيف على الحد من صلاحيات النيابة العامة التمييزية على نحو ينزع منها القدرة شبه المطلقة على التفوّق على القضاء الجالس في المراحل الأولى الحاسمة للتوقيفات والتحقيقات والادعاء. شيء ما رمزي ينطبق على النظام السياسي في هذا المجال. كأن المجلس والحكومة استعادا صلاحيات مفقودة منذ بداية العهد الحالي”[2]. في حين اعتبرت الصحافية كلوديت سركيس في “النهار” أيضاً “أن الجدل الذي جرى على صلاحية النيابة العامة التمييزية حين فتحت ملفات الفساد لم يكن بعيداً في أحد أوجهه عن الصراع السياسي. وأحد أسباب هذا الصراع السلطة والنفوذ، اللذان ظهرا من خلال هذه الملفات لدور النيابة العامة التمييزية الذي طغى على ما عداها من سائر الأقسام القضائية ودعوتها نواباً ووزراء سابقين في سياق التحقيقات”[3]. اعتبر النواب أن ما تحقق على صعيد التشريع إنجازا يكرس احترام لبنان لحقوق الانسان.

لكن لم يتأخر لحود بردّ القانون إلى مجلس النواب في 27 نيسان 2001، فأحاله هذا الأخير مجدداً إلى لجنة الإدارة والعدل. وكانت أبرز أسباب هذا الردّ تحديد القانون لصلاحيات النائب العام التمييزي.

ومن أهم أسباب الرد المتصلة بصلاحيات النائب العام التمييزي، السببان السابع والثامن واللذين ورد فيهما أن إنقاص صلاحية النائب العام التمييزي يمنعه من إجراء تحقيق في جريمة ما وفي القضايا المحالة عليه من الإدارات والمؤسسات العامة ونزع الصلاحية المنصوص عليها في المادة 14 من المرسوم الاشتراعي رقم 22/85 وإيلاء محكمة الاستئناف بدلا منه اختصاص بت الخلاف على الملاحقة الجزائية في حال عدم التوافق بين مرجعين أحدهما قضائي والآخر غير قضائي[4]“.

كما اتصلت أسباب الرد الأخرى بالمدة القصوى لاحتجاز المشتبه فيه في إطار التحقيقات الأولية وبمدة سريان بلاغ البحث والتحري وحق المشتبه فيه باصطحاب محام للتحقيق أمام الضابطة العدلية والمدة القصوى للتوقيف الاحتياطي.

ولخص النائب نقولا فتوش كل معركة قانون أصول المحاكمات الجزائية بالمادتين 13 و14 من المرسوم. “لا يجوز أن تباشر النيابة العامة التمييزية التحقيق على الإطلاق. إنها تخالف عندما تجري التحقيقات وتنظم المحاضر، وهو أمر مخالف للقانون وحصل في حكومتي الرئيسين سليم الحص ورفيق الحريري[5]“. “وفي الحالات التي تقتضي فيها الملاحقة الجزائية الاستحصال على موافقة أو ترخيص من مرجع غير قضائي، نصت المادة 13[6] على أن يحسم الخلاف بين هذا المرجع والنيابة العامة الاستئنافية أو المالية أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية محكمة الاستئناف المدنية المختصة في غرفة المذاكرة”.

لم تأخذ لجنة الإدارة والعدل بأسباب لحود. وفي 26 تموز 2001 أسقط مجلس النواب ردّ لحود، في الكثير من النقاط وبخاصة بما يتصل بصلاحيات النائب العام التمييزي. وخلال مناقشات مجلس النواب وعند طرح المادة 14 التي تتعلق بمهمات النائب العام التمييزي وتشكل أيضاً سلطة النائب العام لدى المحكمة، دعا النائب مخايل الضاهر إلى أن يكون للنائب العام التمييزي حق مباشرة التحقيق من دون أي يكون هناك ادعاء. كما طرحت المادة 13 التي تتعلق بالمهمات نفسها. وقال النائب بطرس حرب: “أنا متمسك بعدم إعطاء صلاحيات للنائب العام التمييزي ووضعها في يد القضاء”. وقال الوزير بهيج طباره: “لا يجوز أن يكون المدعي العام في موقع القاضي، أي لا يجوز أن يكون الخصم والحكم”. وأضاف: “النائب العام هو خصم وبيده إجازة الملاحقة[7]“. وفي ما يتعلق بالمادة 13 أيضاً، رفض فتوش اعطاء صلاحية الادعاء لمدعي عام التمييز أو ملاحقة موظف رسمي دون أخذ الإذن من إدارته. وعلق الحريري: “هناك خطأ كبير لأن لدينا أجهزة رقابية كديوان المحاسبة والتفتيش المركزي والهيئات الرقابية مهمشة اليوم”. وقال طباره: “يجب عند ورود إخبار أو شكوى إلى النيابة العامة أن تحوّلها إلى النيابات العامة بحسب الاختصاص[8]“.

وجرى التصويت بالمناداة بالأسماء فأقرّ بموافقة 81 نائباً وعارضه النواب ميشال المر وأنطوان حداد وجهاد الصمد. وقد أسقطت المادة 24 بلاغ البحث والتحري حكماً بعد مرور عشرة أيام من تاريخ صدوره إلا إذا قرر النائب العام الاستئنافي تمديد المهلة 30 يوماً على أن يسقط بعد ذلك حكماً. وحددت المادة 32 مهلة التوقيف الاحتياطي للمشتبه به على ذمة التحقيق بـ 24 ساعة فقط. كما حددت مدة التوقيف في الجنحة حسب المادة 108 بشهرين وفي الجناية بستة أشهر. وتكون مدة التوقيف في الحالتين قابلة للتمديد مرة واحدة. لكن هذه المدة لا تنطبق على جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية.

ونشر القانون الجديد الذي حمل رقم 328 في 2 آب 2001 وفق الأصول الدستورية في الجريدة الرسمية. لكن سرعان ما تقدّم عشرة نواب باقتراح قانون لتعديل القانون المذكور الذي لم يكن قد مضى على إقراره أكثر من أسبوعين والذي كان قد صوّت عليه غالبية النواب في المجلس.

وقد أثار هذا العمل سخطا كبيرا لسببين اثنين:

الأول، أنه تم بعد أيام من توقيفات 7 آب 2001 لعدد من المعارضين من مؤيدي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والتي شكلت أهم مشهدية لسياسة الدولة القمعية،

الثاني، أنه شكل إهانة كبرى للنواب الذين مسح قسم كبير منهم تواقيعهم بضغط من القوى المهيمنة، وعلى نحو يخالف بشكل جلي المادة 38 من الدستور التي تمنع أن يطرح “اقتراح قانون لم ينل موافقة المجلس” ثانية للبحث في العقد نفسه.

وقد شرح الصحافي فارس خشان في “السفير” الأسباب التي دفعت تكتل الحريري إلى التمسك بتعديل صلاحيات النيابة العامة التمييزية في مقابل تمسك النظام بهذه الصلاحيات. فوفق الحريري، المشكلة الأساسية كانت مع أداء عضوم تجاه فريقه من وزراء ونواب إذ أن توقيف المحسوبين عليه كان قراراً سياسياً بحتاً والدليل أنه لم تتمّ إدانة أيّ من المعنيين بالجرائم التي نسبت إليهم. و”هم يدركون أن الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها النائب العام التمييزي في القانون الجديد تخوّله حق الإمرة على سائر النيابات العامة، سواء لجهة الاحتجاز أو الترك أو الادعاء بجنحة أو بجناية أو تشديد المطالعة وتخفيفها. وبالتالي يبقى هو صاحب القرار المؤثر في الدعوى الجزائية[9]“. ولعلّ أخطر ما جاء في كلام خشان كشفه بأن عضوم قام بتعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية شخصياً ولأسباب تتصل بالهيبة أكثر مما تتصل بالصلاحية. فـ “حتى ولو سحبت منه صلاحيات التحقيق بنفسه، ما أعطي له في المقابل، يحوّله حقاً إلى آمر ناه. ولكن سحب تلك الصلاحية التي مارسها في ظل نصوص ملتبسة صُوّر كأنه انتقام منه، من جهة أولى، وجاء ليؤكد وجهة نظر هيئة التفتيش القضائي حين كانت برئاسة القاضي وليد غمرة، من جهة ثانية. وعودة هذه الصلاحية إلى عضوم تعني بالنسبة إليه حفاظاً على هيبته وكرامته[10]“.

وفي 13 آب 2001، صوّت 71 نائباً على تعديل القانون الذي أعطي صفة المكرر المعجل، فيما عارض 7 نواب وامتنع نائب عن التصويت وانسحب من الجلسة نواب آخرون من بينهم النائب وليد جنبلاط وكتلته. كما تغيّب عدد من النواب عن حضور الجلسة بعذر. وبالفعل، عدّلت المادتان 13 و14 اللتان شكلتا موضوع الخلاف الأساسي بين الأطراف المتنازعة. فعادت صلاحية اجراء التحقيق إلى النائب العام التمييزي لكن دون أن يكون له حق الادعاء، وفقاً للمادة 14 المعدلة. فيما عادت صلاحية حسم الخلاف بشأن ملاحقة الموظفين العامين للنائب العام التمييزي بدل محكمة الاستئناف المدنية المختصة وفق المادة 13 المعدلة. في حين أصبحت المادة 32 تعطي صلاحية إبقاء المشتبه به محتجزاً على ذمة التحقيق لمدة 48 ساعة قابلة للتجديد لمدة مماثلة ولمرة واحدة.

وإذ قدم 28 نائباً بينهم 4 وزراء مراجعة طعن إلى المجلس الدستوري، تمّ ردّه بتاريخ 29 أيلول 2001 في قرار حمل الرقم 4/2001. وقضى بقبول مراجعة الطعن بالشكل وبردّ مراجعة الطعن في الأساس بكلّ أسبابها واعتبار القانون المطعون به مطابقاً كليّاً للدستور، إذ لم يرَ فيه “ما يمسّ الحقوق والمواثيق المصونة في الدستور[11]“.

 


[1]  ريتا شرارة. الهيئة العامة أقرّت ستة قوانين في ثلاث ساعات. جريدة النهار، 29 آذار 2001

[2]  نبيل بو منصف. جرعة مساحيق تأخرت عقداً. جريدة النهار، 28 تموز 2001

[3]  كلوديت سركيس. قانون أصول المحاكمات الجزائية خطوة حضارية. جريدة النهار، 1 آب 2001

[4]  إميل خوري. استعجال بت القانون قبل الشروع في مناقشة الموازنة. جريدة النهار، 28 نيسان 2001

[5]  بري: نحترم فخامة الرئيس ولكن ليس على حساب التشريع. جريدة النهار، 27 تموز 2001

[6]  المادة 13: يرأس النيابة العامة لدى محكمة التمييز نائب عام يعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل. يعاونه محامون عامون. تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع القضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله ان يوجه الى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام. انما يبقى لهم حرية الكلام في جلسات المحاكمة. يحيل على كل منهم, حسب اختصاصه, التقارير والمحاضر التي ترده بصدد جريمة ما ويطلب اليه تحريك دعوى الحق العام فيها. مع مراعاة احكام المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة وفي جميع الحالات التي تقتضي فيها الملاحقة الجزائية ترخيصا او موافقة من اي مرجع غير قضائي، وفي حال الخلاف بين هذا المرجع وبين النيابة العامة الاستئنافية او النيابة العامة المالية او مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، يكون لمحكمة الاستئناف المدنية المتخصصة في غرفة المذاكرة، خلافاً لأي نص عام أو خاص، أمر البتّ نهائياً في هذا الموضوع.

[7]  محاضر مجلس النواب، الدور التشريعي العشرون، محضر الجلسة الثانية، العقد الإستثنائي الثاني 2001

[8]  المرجع المذكور اعلاه

[9]  فارس خشان. أصول المحاكمات: التشريع في السياسة والشخصانية. جريدة السفير، 15 آب 2001

[10]  فارس خشان. أصول المحاكمات: التشرإيع في السياسة والشخصانية. جريدة السفير، 15 آب 2001

[11]  المجلس الدستوري ردّ الطعن بقانون أصول المحاكمات الجزائية “لعدم مسّه الدستور”. جريدة النهار، 2 تشرين الأول 2001

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم