المُغيّبات في تاريخ اليسار التونسي: مقاربة تأريخية جندريّة


2023-05-24    |   

المُغيّبات في تاريخ اليسار التونسي: مقاربة تأريخية جندريّة

نُحتت أسماؤهنّ في الذاكرة النسويّة وغُيّبَت في ذاكرات أخرى، هنّ مناضلات ومقاومات زعزعن جدران المعاهد والجامعات بصراخهنّ، وامتلأت الشوارع والسجون بأجسادهنّ العصيّة عن العجز؛ زينب بن سعيد، فوزية الشرفي، ميّة الجريبي، راضية النصراوي، ليلى تميم، دليلة محفوظ، نجيبة الحمروني، وأسماء عديدة من اليساريات والنقابيات والنساء اللواتي قهرْن النظام بقوّتهنّ وتجاوزْن الخوف من “النمط الاجتماعي” وانحرفْن عن مسار “الحزب الواحد” بعد أن تمّ التنكّر للعديدات منهنّ وعدم الاعتراف بمطالبهنّ “الثانويّة” دائما وأبدا.

“إنّ شهادتي تتعلّق بسياق نضالي لحركة سياسية ماركسية من أقصى اليسار كُنت قد انخرطت فيها سنة 1970 لمّا كنت طالبة بفرنسا، بجامعة السوربون تحديدا حيث كنت أتابع دراسات ما بعد الإجازة. كُنت في العشرين من عمري غير أنّ انتباهي إلى قضايا الظلم ورفضي لتجاوزات السلطة يعُودان إلى ما قبل تلك الفترة.” هكذا بدأت المناضلة اليسارية صلب حركة برسبكتيف-العامل التونسي زينب بن سعيد الشارني تدوين شهادتها في كتاب “بنات السياسة: سردية مناضلات برسبكتيف-العامل التونسي”، وهي شهادة تتعلّق بمسيرة نضالية خاضتها زينب ورفيقاتها اللواتي كنّ حاضرات في أصعب الفترات النضالية التي خاضها اليسار التونسي خاصّة منها ستينات وسبعينات القرن الماضي خلال المحاكمات التي عُرفت بملف أمن الدولة.

نشَأَ اليسار التونسي من خلال تجربة الحزب الشيوعي التونسي في فترة الاحتلال الفرنسي سنة 1920، وهو ما يُعبّر عنه المؤرّخ التونسي عبد الجليل بوقرّة بـ”اليسار الكلاسيكي”[1]. وكان العنصر النسائي حينها يتكوّن من النساء التونسيات اليهوديّات على غرار غلاديس عدة[2] والدة المناضلة ليلى عدّة. بعد الاستقلال وبداية من سنة 1961 “تبنّى النظام البورقيبي سياسة التخطيط، وباتت مهمّة الاتّحاد العام لطلبة تونس واضحة ومحدّدة في دعم اختيارات النظام البورقيبي وتعزيز التحالف مع الحزب الاشتراكي الدستوري. ولكن هذا التوجّه لم يكُن محلّ إجماع الاتّحاديين، فقد تمكّن الرافضون لاختيارات القيادة من الفوز بكلّ مقاعد فرع اتّحاد الطلبة بفرنسا ودَخلوا في مواجهة مفتوحة مع قيادتهم اتّخذت شكل تنظيم سياسي جديد بفرنسا سنة 1963، تحت اسم تجمّع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي، الذي عُرف باسم المجلّة التي أصدرها بعنوان برسبكتيف Perspectives “[3] ومنها نشأت فكرة اليسار الجديد مع الحركة التي تأسّست في مركّب أنطونيون الجامعي بباريس، حسب عبد الجليل بوقرّة[4].

لم تتجرّأ الأحزاب “التقدّمية” على تطبيق مبدأ التناصف داخل هيكلتها التنظيمية

النشاط النسوي وذكورية اليسار

“كانت سنتا 1967 و1968 متميّزتين. إذ ذاع بالجامعة صدى محاكمة مجموعة من الطلبة والمناضلين من الشيوعيين ومن أقصى اليسار. وكان يخيّم على المكان جوّ قاتل وثقيل، يجثم على صدورنا ويحيي فينا رغبة في أن نصرخ ونثور”، هنا تسترسل زينب الشارني مُثنية على نشاط برسبكتيف داخل وخارج أسوار الجامعة. كان النشاط النسائي في الستينات مُرتبطا ارتباطا وثيقا بالوسط الطلاّبي، حيث اصطدَمت النساء في تلك الفترة بعدّة مصاعب أبرزها الانتماء إلى العائلة المحافظة والتي واجهت فكرة تعليم البنات وفكرة خروجهنّ إلى باريس لإتمام الدراسات العليا بصعوبة تامّة. كما أنّ الانضمام إلى الحركات السياسية لم يكُن طريقهُ سهلا في ظلّ العوائق الاجتماعية والثقافية والرقابة الأمنية.

إثر الانتفاضة الطلاّبية التونسية التي وقعت في مارس 1968، تمّ اعتقال العديد من الطلبة اليساريين ومحاكمتهم في إطار “محكمة أمن الدولة” ذات الصيت الذائع والتي كانت قوانينها استثنائية وذات مفعول رِجعي. وكانت السياسة البورقيبية آنذاك تستثني محاكمات النساء. مع أحداث ماي 1968 وتهديدها للنظام الفرنسي، تغيّرت الرؤى البورقيبية حول المعارضة اليسارية في تونس التي أصبحت تُشكّك في مفهوم “دولة الاستقلال” وتطرح حوله العديد من التساؤلات، ممّا جعل السلطة البورقيبية تُسلّط أشدّ العقوبات على الطلبة اليساريين، في حين بقيَت النساء في حالة سراح خوفا من زعزعة “صورة المرأة البورقيبية”، التي كانت الإنتاج الأوّل لـ “نسوية السلطة”.

هذا الاستثناء البورقيبي لا ينفي نضالات النساء ولا يحجب تواجدهن في انتفاضة مارس 1968/ماي 1968. وهذا ما عبرت عنه المناضلة التونسية آمال بن عبّا في كتاب بنات السياسة: سردية مناضلات برسبكتيف- العامل التونسي في السبعيناتّ: “أمّا عن أفضل ذكرياتي، فهي يوم أسعفني الحظّ بأن أعيش حدث ماي 68. فمنذ 3 ماي، أصبحت أشعر بنفسي صوتا ينضاف إلى الأنشودة المتعدّدة الأصوات التي مثّلتها تلك الحركة الرائعة، وجَسّدَها ذلك الرفض الذي عبّر عنه الشباب الجامعي والتّلمذي والعمّالي لمجتمع محافظ قائم على قيم عفا عليها الدّهر، وساهم في الكشف عن طريقة اشتغال المنظومة الاستبدادية المغلقة والمهيكلة هرميّا، والتي هي ذاتها السائدة في المدارس والجامعات والمصانع والمنظّمات النقابية والسياسية وكذلك في العلاقات بين النساء والرجال، وفي يوميّات كلّ واحد منّا.”

ومن خلال هذه الذكرى، نَسترجع شهادة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في حوار صدر له سنة 1980 بمجلّة “ألكنتريبيتو” ردّا على عتاب ماركوز له على غيابه عن أحداث ماي الفرنسية وتثمينا منه للحركة الطلابية التونسية التي عَاينَها فترة تدريسه بكليّة العلوم الانسانية بتونس “أذكر أنّ ماركوز سأل يوما بنوع من العتاب عمّا كان يفعله فوكو زمن المتاريس في ماي. فليعلم إذن، أنّني كنت وقتها في تونس. وأضيف أنّني عشت تجربة مُذهلة. قبل أحداث ماي بباريس بقليل، شهدت تونس انتفاضة طلابية بالغة الوقع. كنّا في مارس 1968 حين عرفت الساحة الطلاّبية إضرابات وانقطاعا عن الدروس وحملات إيقاف وإضرابا طلاّبيا عامّا.”[5]

غيّبت الكتابات والأعمال الصحفية المرتبطة بتلك الفترة نضالات النساء. بل  إن جلّ الكتابات حتى تلك التي تذكر بعض المناضلات كانت تُخاطب المناضلين واليساريين بالصيغة المذكّرة دون التأنيث أو الثناء على النضالات النسوية. فالقارئ/ة في تاريخ اليسار التونسي لا يجد تأنيثا لكلمات من قبيل مناضل أو يساري أو طالب أو مُعتقل أو سجين، وقد انعكس هذا الأمر على مواقع القرار التنظيمية أو النقابية التي لا نجد فيها صوتا نسائيا، باستثناء الأمانة العامّة للحزب الديمقراطي التقدّمي التي تقلّدتها المناضلة الراحلة ميّة الجريبي في مؤتمر الحزب لسنة 2006.

إنّ عدم تقلّد النساء مناصب قياديّة داخل المجتمع اليساري يطرح العديد من الأسئلة السوسيو-ثقافية والسياسية ويُعيدنا إلى إشكالية واقع اليسار داخل المجتمع التونسي واستتباعاته الفكرية، خاصّة منها التي واكبت التغيّرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

السبعينات: طفرة المناضلات اليساريات

فَتحَ نموذج بورقيبة المجتمعي القائم على تحرير المرأة الباب على مصراعيه في طرح قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق النساء الحقيقية من قبل النساء. كما شكلت الفترة الفاصلة بين 1970 و1973 طفرة تزايد الحضور النسائي في الفضاء العام، وذلك بتزايد عدد الطالبات بالجامعة التونسية خاصّة منهنّ المُنتميات للأوساط الفقيرة. وأصبح التعليم العالي لا يَشمل الأوساط النخبوية وبنات العائلات الثريّة فحسب. إضافة إلى أن المبيتات الجامعية كانت تلبّي حاجيات كلّ الطالبات وبالتالي لم يُمثّل الابتعاد عن العائلة إشكالا ماديّا بالنسبة لهنّ.

من جهة أخرى، ساهَمت المناهج التعليمية العلمانية في تبنّي الفكر اليساري ونموّه شيئا فشيئا داخل الأوساط الطلاّبية اليسارية النّسائية. وهو مَا دَفع إلى تغيير التعامل البورقيبي مع المعارضة اليسارية عامّة والنساء خاصّة، إذ وجد النظام في “الشبّان المنتمين إلى جمعيّات المحافظة على القرآن الكريم والمتأثّرين بفكر الإخوان المسلمين مشروع حليف بإمكانه المساعدة على التصدّي للتيّار اليساري الاشتراكي بالجامعة التونسية”.[6] فطالت النساء اليساريات حملات تشويه مثل توظيف الأصول اليهودية لعائلة المناضلة سيمون للّوش. كما تمّ التشهير بالمناضلات اليساريات اللاتي احتججن على مُحاكمتها سنة 1972. وفي هذا السياق يطالعنا تصريح الأمين العام السابق لاتحاد الشغل الحبيب عاشور الذي قال فيه: “إنّنا لا نقبل تنظيم إضراب من أجل امرأة صهيونية وإثارة الإضرابات من أجلها، وإذا لم يُدرك الطلبة هذه المعاني، ولم يردّوا الجميل بالمثل، فإنّ الحكومة مضطرّة لاتّخاذ تدابير تحفظ بها ناموسها.”[7]

هذا إلى جانب حملة الاعتقالات التي طالت البعض منهنّ سنة 1974 على غرار ليلى بن تميم، روضة الغربي، زينب بن سعيد، ليلى بن عبا، وتراوحت الأحكام بين السجن وحَالة سراح، وكان دور النّساء اللواتي لم يُعتقلن في تلك الفترة حاسما، إذ ساهمن بشكل كبير في تكمِيد جراح أهالي المعتقلين والمعتقلات والاهتمام بعائلاتهم، خاصّة المفقّرين منهم.

وعقب اعتقالات 1974 و1975 والتي ضمّت العديد من النساء، نشَبت داخل اليسار خلافات داخلية ومشاكل هيكلية حول أفكار اليسار الطوباوية والبرامج السياسية العملية الممكنة، في حين طرحت النساء إشكالات أخرى تتمحور حول الحضور النسائي ومكانة المرأة داخل الأفكار التقدمية من جهة وتناقض هذه الأفكار مع الذهنية الذكورية التي عايشتها بعض النساء على المستوى التنظيمي والشخصي من جهة ثانية. وهذا ما أدّى إلى توسّع الفكر النسائي نحو طرح أفكار تُكمّل مكاسب مجلّة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1957 وتَزيد من تقليص السلطة الأبوية على غرار المساواة في الميراث والحريات الفردية.

القارئة في تاريخ اليسار التونسي لا تجد تأنيثا لكلمات مناضل أو يساري أو طالب أو سجين

النسوية مقابل إنتاج يساري للبطرياركية

“وجدتُ نفسي بعد ولادة ابنتي في 1979 مُنهكة، إذ لم يكن لديّ أيّ حق مدني. انضممْت حينها إلى نادي الطاهر الحدّاد حيث انطلقت حلقات النقاش. أتذكّر أنّ هذه الحلقات كانت تطرح مسائل شتّى تتعلّق بأوضاع المرأة. كان هناك كلّ من إلهام المرزوقي، ساسية الرويسي وزينب حامد، آمال بن عبا، بهيجة الدريدي، حياة قريبع، رشيدة النيفر، راضية الدريدي وروضة الغربي. لا بدّ أنّ هناك أخريات لا أتذكرهن.” من هنا تشكّل بريق الأمل في شهادة زينب بن سعيد[8]، ومن هنا انطلقت حريّة التواصل وبُعث الأمل من داخل عواطف الإحساس بالاضطهاد التي مرّت بها النساء بعد التعذيب والطرد والتعسّف والرقابة الأمنية، وأيضا من داخل الإقصاء اليساري الجندري الذي كان ومازال يستثني قضايا النساء.

تأسّست الحركة النسوية في تونس والتي انبثقت عنها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات (1989) من رحم نقاشات النادي الثقافي الطاهر الحداد في أواخر السبعينيات والتي دارت أساسا حول تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين ومقاومة التمييز. في هذا السياق تصف محرّرات مؤّلف النساء والجمهورية بدايات الحركة النسوية بالقول: “في البدء كنّا مجموعة من النساء بادرن إلى تكوين حركة نسوية مُستقلة ذات خطاب وتمشّ مختلفين عمّا هو سائد في البلاد. مجموعة تحدوها عزيمة النضال ضدّ الظلم الأبوي من أجل بناء المواطنة.”[9]

خرجت المطالب النسوية آنذاك بعد مقاومة وصراع داخل التنظيمات التي لم تستجبْ لمطالب النساء ولم تجد فيها المناضلات صوتهنّ ومكانتهنّ، فأصبح العمل الجمعياتي سبيل تحرّرهنّ من الذهنية الأبوية/الذكورية وانفتاحهنّ على تجارب عالمية تُناصر النساء وحقوق الإنسان، ذلك أنّه و”رغم سعيها إلى الدفاع عن الحريات، تبقى أحزاب المعارضة الديمقراطية والتقدمية مفتقرة إلى رؤية واضحة، وإلى استراتيجية تتبنّى فعليّا قضيّة المساواة بين الجنسين”[10]. تمثّلت ثورة المناضلات اليساريات آنذاك في الانضمام إلى كلّ المجالات التي من شأنها تغيير واقع النساء بدرجات متفاوتة. فأسّسن سنة 1989 كلّا من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، ونشطنْ في منظمة العفو الدولية، وكنّ وما زلْن رئيسات في مجالاتهنّ على غرار أحلام بالحاج ويسرى فراوس الرئيسات السابقات لجمعية النساء الديمقراطيات، ونجيبة الحمروني الرئيسة السابقة للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، كلثوم كنّو الرئيسة السابقة لجمعية القضاة التونسيين، والعديد من المناضلات اللواتي كرّسن حياتهنّ من أجل الدفاع عن العدالة الاجتماعية والجندرية بداية من أواخر سبعينات القرن الماضي.

في المقابل، كانت حركة الانضمام النسائي للنقابات قد تطوّرت بداية من السبعينات تحت المفعول المزدوج للتحولات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق “نمَا نضال النساء خلال هذه المرحلة (من عاملات النسيج ونقابيات ومنتسبات للحركة النسائية ومثقفات من كل صنف) عبر الهياكل المنظّمة وأطر التعبير والتعبئة كالنادي الثقافي الطاهر الحداد والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل”.[11] وقد تكوّنت اللجنة النقابية للمرأة العاملة صلب الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1982 لمواجهة كلّ أشكال التمييز داخل الحياة النقابية أو الاجتماعية أو المهنية.

وفي المجال الثقافي، تُعدّ كلّ من الصحفية زينب فرحات والموسيقية آمال الحمروني من أبرز المناضلات اللواتي أخرجن الثورة السياسية والثقافية من كهوف الدغمائية اليسارية. تقول زينب فرحات في هذا الصدد ضمن شهادات كتاب بنات السياسة، “نادرا ما تمّ تسجيل شهادات في سجلات الذاكرة الجماعية سواء بشكل شفوي أو غيره من الأشكال الإبداعية النسائية على عكس رفاق الاعتقال من أمثال جلبير نقاش، وفتحي بن الحاج يحي، والشريف الفرجاني، وعز الدين الحزقي، وآخرين كتبوا أو هم بصدد الكتابة”. هكذا جابهت هذه المناضلة التي قدّمت الكثير إلى عالم الثقافة، الذكورية في الكتابة التي غيّبت سجينات برسبكتيف-العامل التونسي وأقصَتْ معاركهنّ الثقافية والحقوقية من أجل تغيير الذهنيات.

ومن خلال هذا الإشعاع والإصرار النسوي نجد أنّ النساء استطعن في فترة وجيزة تجديد الفكر والخطاب النسوي السياسي والحقوقي، وتفرّقن على جميع المجالات لافتكاك حقوقهنّ وحقوق المجال الذي نشطْن فيه سواء كان جمعياتيّا أو نقابيا أو سياسيّا داخل اللجان النسوية، في حين أنّ اليسار التونسي وحسب المؤرّخ التونسي عبد الجليل بوقرّة[12] شارَف على الموت لعدّة أسباب هيكليّة أبرزها عدم قدرته على تجديد خطابه السياسي والتفاعل مع الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي بقراءة دقيقة ونقدية، وعدم قدرته على تجديد الأهداف، وعدم قدرته على القطع مع العقلية الذكورية.

ثورة 2011: حركات نسوية شبابية وموت تدريجي لليسار بعد هجر الأحزاب السياسية

كانت الساحة السياسية ما بعد الثورة ساحة ساخنة ومتعدّدة المشارب الإيديولوجية، وقد مثّل خروج اليسار إلى العلن فرصة للعديد من الطلبة والطالبات للانضمام إلى تنظيمات تقدّمية ومعارضة من شأنها بناء مواجهة متوازنة مع خصوم اليسار ومن بينها الإسلام السياسي، لكن قراءة اليسار للواقع السياسي آنذاك كانت غير ناضجة وغير متجدّدة.

ورغم أنّ الصورة التي جمَعت المناضلة اليسارية راضية النصراوي بالفنّانة المسرحية ريم الحمروني من أمام مقرّ وزارة الداخلية صباح 14 جانفي 2011 -والتي كانت رمزا نسويّا ونضاليّا حُفر في الذاكرة الثورية- إلاّ أنّ واقع اليسار في علاقة بالنساء المناضلات بقي على حاله من دون رؤية نقدية أو قراءة جندرية، إذ كان الحضور النسائي بالمواقع القيادية للأحزاب السياسية اليسارية بعد الثورة يتراوح بين 3 و9 بالمائة مقابل 91 و97 بالمائة من القيادات الرجالية.

ولكلّ هذه الأسباب، اتّجهت المجموعات الشبابية بعد الثورة نحو تأسيس العديد من الحركات الغير منظّمة هيكليّا، ولكنّها فتحت إمكانيات التواجد داخلها بتعبيرات ومبادئ مختلفة مع مراعاة المساواة الجندرية، فانبثقت من انهيار اليسار عدّة حملات على غرار حركة “مانيش مسامح” (لن أسامح)، “فاش نستنّاو” (ماذا ننتظر؟)؟، Me too (أنا أيضا)، “ماناش مسلمين/مسلّمات”، حركة “الجيل الخطأ” والعديد من الحركات التي تُعبّر عن قضايا لم يفِ اليسار بوعده تُجاهها.[13]

لم تُنصف الإنتاجات الوثائقية والدّراسات التاريخية والأعمال الدرامية والفنيّة والإنتاجات الصحفية نضالات النساء رغم بعض المجهودات المتواضعة، وكانت أقل بكثير من مكانة هاته المناضلات والسجينات السابقات اللواتي قدّمن الغالي والنفيس من أجل الحركة اليسارية التونسية. كما أتقنت الدولة التونسية إنتاج “نسوية السلطة” بدءا من النظام البورقيبي ونزع “السفساري”[14] وصولا إلى الأحزاب التقدمية اليسارية والأحزاب الإسلامية والمجتمع المدني ونظام 25 جويلية الذي كان سبّاقا في نسونة رئاسة الحكومة وأعضاء المجلس الوزاري، إضافة إلى مبدأ التناصف الانتخابي الذي رغم أهميته كإجراء قانوني، فإنه لم يعكس في الحقيقة تطورا نوعيا في قبول المجتمع السياسي الذكوري بمساهمة نوعية للنساء في السياسة.

لم تتجرّأ الأحزاب “التقدّمية” على تطبيق مبدأ التناصف داخل هيكلتها التنظيمية، فلا نجد في مكاتبها التنفيذية أو حتى الجهوية حضورا مُكثّفا للنساء، ولا تُسمَع أصواتهنّ إلاّ داخل اللجان النسائية -إن وُجدت- أو في التحرّكات الاحتجاجية والتعبئة الميدانية. أمّا الاتحاد العام التونسي للشغل ورغم تطبيقه لمبدأ الكوتا (نظام المحاصّة النسائية) في الانتخابات، فإن التمثيل النسائي داخل هياكله المتشعبة مازال ضعيفا. رغم ما يحمله مبدأي التناصف والمحاصصة النسائية من هوامش قليلة للتواجد النسائي تُقدم عادة في شكل “مزايا” على حقوق النساء تسمح بها الذهنية الذكورية، فإن حضور النساء القيادي داخل التنظيمات والنقابات يبقى محتشما مقارنة بتواجدهنّ الميداني ومقارنة بتأثيرهن في الحياة بمختلف مجالاتها.

أخيرا، يمكن أن نلاحظ في العموم أن المناضلات التونسيات وجدن مكانتهنّ داخل فضاءات حقوقية ونسوية أخرى مع صعود عدّة حركات نسوية عبر العالم بصدد المقاومة والصراع من أجل إنصاف هذا المدّ النسوي داخل حركة التاريخ الذكورية.

  لقراءة المؤلف الجماعي كاملا وتحميله، اضغط هنا


[1]  من مقابلة أجرتها المفكرة القانونية مع المؤرخ التونسي عبد الجليل بوقرة.

[2] للوقوف أكثر حول ملامح من حياة المناضلة غلاديس عدة، انظر في نفس العدد حوار رشأ التونسي مع المناضل الراحل جورج عدة (هذا الهامش من وضع المحرّر)

[3] مجلة أكاديميا: ورقات من تاريخ الحركة الطلابية في تونس

[4]  مقابلة مع عبد الجليل بوقرة، مرجع مذكور سابقا.

[5] انظر حوار ميشال فوكو كاملا في المؤلف الجماعي “ربيع تونس الأول” (إشراف هشام عبد الصمد وفتحي بالحاج يحيى) منشورات جمعية نشاز، 2019.

[6] مجلة أكاديميا: ورقات من تاريخ الحركة الطلابية في تونس (مرجع مذكور سابقا)

[7] الحبيب عاشور، جريدة الشعب 16 فيفري 1972.

[8]  شهادة مقتطفة من كتاب بنات السياسة، مرجع مذكور سابقا.

[9]  النساء والجمهورية من أجل المساواة والديمقراطية. اصدارات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، تونس: 2008.

[10] المرجع نفسه.

[11] درة محفوظ. النساء التونسيات في الشغل والحركة النقابية، منظمة فريديريش إيبرت.

[12] مقتطف من مقابلة أجرتها معه المفكرة القانونية.

[13] للوقوف أكثر حول علاقة اليسار التونسي بالحملات الشبابية بعد الثورة. انظر مقال ماهر حنين في هذا العدد (هذا الهامش من وضع المحرّر)

[14] السفساري هو لحاف نسائي تقليدي تونسي يوضع على الرأس وكامل الجسد. وقد قام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة عام 1957 بنزع لحاف “السفساري” عن إحدى السيدات أمام حشد شعبي كبير للدليل على مساندته لتحرر النساء. وقد ظلت نسوية الدولة تجتر هذه الصورة وتستغلها دعائيا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية