المكاسب المرتقبة لتشريع زراعة القنّب الطبّي


2023-07-12    |   

المكاسب المرتقبة لتشريع زراعة القنّب الطبّي

بعد أن نشرنا الملخّص والمقدمة والفصول الأول والثاني والثالث من دراسة “تشريع زراعة القنب الطبي في لبنان وآثاره على الأوضاع المعيشية لمزارعي الهرمل”، ننشر هنا خلاصة الدراسة على أن نستكمل نشر الملحقات في الأيام المقبلة.

خلاصة البحث: الآثار الاجتماعية لقانون التشريع على الأوضاع المعيشية لمُزارعي القنّب في الهرمل والمكاسب المرتقبة لتشريع زراعة القنّب الطبّي

كما أوضحنا سابقًا، يعيش المزارع مع عائلته حالةً قد تكون في أغلب الأحيان أقرب إلى الفقر ممّا هي إلى الرفاهية. لا شكّ في أنّ المزارع يأكل ولا يجوع، وأنّه يؤمّن، بشكلٍ إجمالي، دخلًا يعلو خطّ الفقر النقدي. لكن، على الرغم من ذلك، لا يسعك إلّا أن ترى مظاهر الفقر الأخرى، لدى غالبيّة المزارعين، مع التأكيد أنّ تعريفات الفقر متعدّدة الأبعاد تشمل نواحي أخرى تُضاف إلى الدخل النقدي، منها الصحّة والتعليم وشروط السكن والتهديد لسلامة الجسد، وسوى ذلك، وقد تختلف تلك التعريفات ووسائل القياس من دراسة إلى أخرى. وسوف نكتفي في دراستنا هذه، التي لا تهدف إلى قياس الفقر في الهرمل، بتوضيح بعض جوانبها النوعية.

يفتقر معظم المزارعين إلى التعليم، إذ تحول صعوبات التنقّل دون الوصول إلى المدارس والتحاق أبنائهم بها. كما أنّ شروط الدخول والخروج من الجرد تصعّب هذه المهمّة، ومهمّات أخرى أبرزها الحصول على الخدمات الطبّية. فالذهاب إلى المستشفى محفوفٌ بالمخاطر، كالتوقيف، أو الملاحَقة، أو التعرّض للتضييق؛ وقد بلغ الأمر حدّ دفع رشاوى بغية دخول المستشفى. أضِف إلى ذلك غياب البنى التحتية، من ماء وكهرباء أو اتّصالات؛ وقد شهدنا، خلال تواجدنا في الجرود، غياب إمدادات الدولة الخاصة بالبنى التحتية. في بعض الأماكن، ترى أعمدة الكهرباء التي ثُبّتَت حديثًا في الهرمل، أي في الأشهر أو الأسابيع التي سبقتْ بحثنا الميداني، ولكن من دون أثر للكابلات، ما جعل المنطقة خارج الشبكة. وحدها الأعمدة الظاهرة المطليّة حديثًا شاهد على الحضور الرمزي للدولة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الإنترنت والاتّصالات، بحيث وجدنا أنفسنا عاجزين عن التقاط أيّ إرسال خلال فترة تواجدنا في جرود الهرمل. وبالرغم من تأكيد أبناء المنطقة أنّ الإرسال متقطّعٌ، بحسب تبدّلات الطقس، تعذّر علينا التثبّت من هذا الأمر لانقطاعنا الدائم عن شبكتَيْ الخليوي العاملتَين في لبنان. غالبًا ما تضطرّ إلى التوجّه بسيّارتك ناحية مدينة الهرمل لإجراء اتّصال هاتفيّ، لتعذُّر التقاط إرسال خليوي داخل الجرود، باستثناء بعض المرتفعات التي قد تنجح فيها بالحصول على اتّصال متقطّع؛ وإذا ابتسم لك الحظّ، فقد تلتقط أحيانًا في طريقك إرسالًا عبر الأراضي السورية، الأمر الذي يحتّم إجراء اتّصال دولي.

تؤمّن سوريا امتدادًا معيشيًّا أساسيًّا لأبناء الجرود. فالسيجارة التي يدخّنونها من سوريا؛ وقناني مياه الشفة في الدكّان الوحيد الذي عثرنا عليه في الجرد من سوريا. هكذا يتجلّى التناقض الأساسي في أوضاع المزارعين المعيشية. ففي حين ترى العمّال السوريين الذين يخدمون في أرضهم دون خطّ الفقر النقدي، تجدهم، أعني المزارعين في الهرمل، قادرين على توفير ما يحتاجون إليه من خضار أو دجاج، وأحيانًا لحم الماعز أو الغنم لإكرام الضيف، كما تراهم يأكلون سمك الترويت الباهظ الثمن من أراضيهم القريبة من نهر العاصي حيث مزارع السمك. لكن، بالرغم من ذلك، لا يسعك إلّا أن تضع المزارعين في خانة أقرب إلى الفقر، إن نظرت إلى الفقر بجوانبه المتعدّدة، من حرمان الدراسة والصحّة، إلى غياب البنى التحتيّة وشبكات التواصل، وصولًا إلى تقليص فرص التنقّل أو انعدام حرّية التنقّل في بعض الأحيان.

يعيش المزارعون بشكل أساسي من مردود زراعة الحشيش، ولا تسهم الزراعات الأخرى إلّا في تأمين مصادر لغذاء متنوّع، بحيث تُستخدم للاستهلاك العائلي أو لتأمين تنوّع في مصادر الدخل ريثما يبيع المزارع محصوله من القنّب. تشكّل هذه الزراعة إذًا مصدر القوت السنوي الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، للأغلبيّة الساحقة من المزارعين. يؤكّد لنا أحد أكبر المزارعين الذين التقيناهم، وهو مالك لأرض تفوق 500 دونم، أنّ مئات الأشجار لا تدرّ عليه دخلًا، وإنّما هي مجرّد تجارب حقلية، “لعلّ وعسى تأتي علينا بالخير”.

إذًا، يبقى موسم حصاد الحشيش الموعدَ السنوي مع تحقيق الدخل المُتوقَّع. ونادرًا ما يُخيِّب الحشيش آمال صاحبه، لما يحتوي من ميزات، كملاءمة المناخ وثبات الإنتاج، أو للعلاقة بين كمّية الريّ وحجم الإنتاج حين لا تكون الزراعة بعليّة.

لا شكّ في أنّ زراعة القنّب في الهرمل، إذا ما تمّ استغلالها بمقاربة علمية وعادلة، سوف تشكّل مصدر دخل آمن ووفير لإحدى المناطق الأكثر حرمانًا في لبنان. كما لا شكّ في امتلاك جرود الهرمل ميزة مقارنة في تلك الزراعة الملائمة لطبيعة الأرض والمناخ، والتي تتجلّى في أهمّية الزراعة البعلية وجودتها الفضلى، وفي انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنةً بأيّ زراعة أخرى.

من ناحية أخرى، قد يؤدّي تشريع زراعة القنّب إلى ارتفاع الإنتاج الزراعي بشكل هائل، ذلك أنّ ضرورة تصنيع حشيشة الكيف تفرض على المزارعين حاليًّا تحويل قنطار من الزرع، أي 256 كيلوغرامًا، إلى ما يقرب الكيلوغرام الواحد من حشيشة الكيف. نتوقّع أن يؤدّي قانون التشريع إلى زيادة الإنتاج، حيث أنّ الشكل الأساسي لتصريف الإنتاج سيتحدّد في بيع الإنتاج الأخضر أو “بأرضه” كما يحلو للمزارعين تسميته. إلّا أنّ زراعة القنّب الطبّي، كأيّ زراعة، تعتمد أساسًا على شرطَين أساسيَّين لتأمين نجاحها: أوّلهما السيطرة على سلسلة إنتاج القيمة ككلّ، وثانيهما تأمين الأسواق ومصادر التصدير.

بالنسبة إلى سلسلة إنتاج القيمة، قد يؤدّي الاعتماد على ترخيص بذور مستوردة إلى إضعاف قدرة القطاع الناشئ على التحكُّم في قدرته على تحقيق الوفر والرفاهية للمجتمعات المحلّية، وذلك بسبب ارتهان إطلاق الموسم الزراعي بمستوردي البذور، جهات رسمية كانت أو شركات خاصة. من تلك الناحية، يصبح ضروريًّا الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع تكلفة الإنتاج على المزارعين، ذلك أنّ تكلفة البذور حاليًّا هي أقرب إلى الصفر، في حين أنّ استيراد بذور بديلة سيشكّل عبئًا مادّيًّا إضافيًّا، ناهيك عن مخاطر سوء توزيع الأرباح لصالح المستوردين على حساب المُنتجين. من هنا، تصبح إشكالية تكوين تعاونيات زراعية لإنتاج القنّب الطبّي وتسويقه ضرورية، وذلك لتأمين قدرة أكبر على التحكّم في سلسلة القيمة، من خلال إعطاء الأفضلية للتعاونيات في استيراد المدخلات الزراعية أو تصديرها مباشرة إلى المختبرات الطبّية عوضًا من حصرها بجهات حكومية أو خاصة مُرتهَنة لسلطات الأمر الواقع.

وبالتالي، يصبح من الضروري الاعتماد، قدر الإمكان، على البذور المحلّية التي تلائم طبيعة الأرض ومناخها، إن أثبتت التجارب العلميّة صلاحيتها لبعض الاستخدامات الطبّية، وعدم حصر الإنتاج بالبذور المستوردة. بأقلّ تقدير، يمكن تفعيل استخدام بذور القنّب المحلّي في الإنتاج الصناعي والغذائي المُنكَّه بطعم الحشيش، مع نِسَب مُخدِّر قريبة من الصفر.

من ناحية تأمين الأسواق ومصادر التصدير، يرتبط تفعيل القطاع الناشئ بقدرة مُنتجي الأدوية في لبنان على استغلال القنّب الطبّي لتصنيع المُنتجات الطبّية أو شبه الطبّية، والتي يزداد استخدامها حاليًّا في لبنان، سواء في مجال الطبّ النفسي أو في علاج الأمراض العصبية أو علاجات الأمراض السرطانية.

في هذا الإطار، تُطرَح مشكلة منافسةِ البضائعِ اللبنانية الإنتاجَ العالمي، على المستويَين الطبّي والاقتصادي. فما الذي يضمن أن يكون القنّب الطبّي اللبناني منافسًا في الأسواق العالمية، أو أيّ ميزة مقارنة له إذا ما قارنّاه بمثيله من الإنتاج الألماني مثلًا، باعتبار ألمانيا من أكبر المصدّرين الأوروبيين؟

من الناحية الاقتصادية، يفترض أن يكون الإنتاج اللبناني قادرًا على المنافسة من ناحية تكاليف الإنتاج، حيث إنّ اليد العاملة الزراعية أقلّ تكلفة في لبنان مقارنة بالدول المُنتِجة، خصوصًا أنّ معظم الدول التي شرّعت تلك الزراعات هي دول مرتفعة أو متوسّطة الدخل. لكن ما ضمانات تمتُّع الإنتاج اللبناني بمعايير جودة منافسة للإنتاج العالمي، بخاصّة في ظلّ غياب آليّات المراقبة، ووسط تراجع المعايير البيئية بشكل عام في لبنان وارتفاع معدّلات التلوّث في التربة والهواء والمياه؟  

بالفعل، عادةً ما تعتمد المختبرات العلمية على تنوّع مصادر النباتات الطبّية لتحسين المزايا العلاجية لمُنتَجاتها. وبما أنّ لبنان لا يفتقر حاليًّا إلى أيّ من الخبرات العلمية لتصنيع القنّب الطبي، فإنّ تفويت فرصة التجريب العلمي قد يحرم لبنان من إمكانية تطوير فريدة من نوعها لقطاع الأدوية، كما يحرم النظام الطبّي اللبناني من فرصة التمايز كواحد من أهمّ مراكز العلاج في المنطقة، بخاصّة في المجالات التي أثبت فيها القنّب الطبّي فعاليته، كمعالجة التصلّب اللويحي أو الأمراض السرطانية.

وإلى جانب تأمينه مصادر تمويل إضافية للاقتصاد الوطني، وتطويره القطاعات المرتبطة مباشرة بالقنّب الطبي، بخاصّة في مجال الطبّ والبحث العلمي أو نقل التكنولوجيا في قطاع تصنيع الأدوية، سيؤدّي تفعيل القطاع الزراعي الناشئ إلى ظهور آثار جانبية إيجابية في قطاعات بعيدة عن الزراعة والطبّ، منها تنشيط القطاع السياحي، بالإضافة إلى تحفيز التصنيع الحِرَفي والإبداعي، بخاصّة صناعة الهدايا التذكاريّة الموجّهة أوّلًا إلى السيّاح. من دون شكّ، يميّز هذا الترابط بين مختلف القطاعات الإنتاجية هذا القطاع الناشئ من سائر النشاطات الاقتصادية، بحيث تتخطّى آثاره مجالات الزراعة والطبّ لتطال مجالات صناعية عديدة، منها تصنيع المُنتَجات الترفيهية كالعلكة أو الحلويات المُنكّهة بطعم القنّب، من دون احتوائها على أيّ مخدّر، والتي تلقى رواجًا متصاعدًا لدى كثيرٍ من السيّاح. أضِفْ إلى ذلك التأثير المباشر على تطوير السياحة المحلّية، وذلك لما تملكه منطقة الهرمل من مقوّمات طبيعية وترفيهية لاستدراج السيّاح المحلّيين والأجانب. وبالفعل، تشكّل جرود الهرمل بيئة فريدة من نوعها في لبنان، أوّلًا من ناحية محافظتها على طابعها الريفي الأصيل، وثانيًا من ناحية طبيعتها الجبلية والجغرافية، إذ هي قريبة من سوريا ومن المناطق الجبلية في شمال لبنان، وأخيرًا لما يمكن أن تقدّمه للسيّاح من تجارب السياحة البيئية. ففي المنطقة حاليًّا مشروعان سياحيّان فريدان، الأوّل مخصّص للسياحة البيئية، على شكل مجمّع أكواخ طينية تعتمد على الهندسة المحلّية التقليدية، والذي يستقطب السيّاح المهتمّين باكتشاف الطبيعة؛ والمشروع الثاني هو فندق حديث مبنيٌّ على هضبة مُطلّة على وادي مرجحين، يقدّم تجارب مختلفة من رياضات التسلّق أو ركوب الدرّاجات النارية رباعية الدفع.

إلى جانب ذلك، نذكر تطوُّر إنتاج سمك الترويت الذي تمتاز به منطقة العاصي؛ ففي وادي مرجحين حاليًّا مطعم سمك مزوّد بالبرك الاصطناعية لإنتاج الترويت، على مقربة من حقول القنّب. تلك المقوّمات، مشتركةً، تجعل جرود الهرمل منطقةً سياحية بامتياز، وإن كانت، حتّى اليوم، مُغيَّبة بشكل شبه تامّ عن الخريطة السياحية، باستثناء بعض السيّاح المحلّيين أو الأجانب الذين يجرؤون على تفضيل تجربة جرود الهرمل على مطاعم أو فنادق العاصي التقليدية.

أمّا إذا افترضنا أنّ تشريع القنّب الطبّي سيترافق مع عدم تجريم الاستخدام الترفيهي، فلا شكّ في أنّ لبنان سيصبح من أهمّ المراكز السياحية، لما ستؤمّنه أجواء التسامح من استقطاب تجاربَ سياحية فريدة من نوعها، منها السياحة البيئية، من خلال زيارة الأماكن الريفية التي تُعنى بزراعة القنّب، والسياحة الثقافية في المناطق الجردية التي ما تزال تحافظ، لغاية اليوم، على كثيرٍ من تقاليدها وعاداتها وهويّتها الثقافية، والتي ستشكّل، من دون أدنى شكّ، محلّ استقطاب أساسي للسياحة الداخلية كما الخارجية، نظرًا إلى طول تغييبها عن الخريطة السياحية.

نهايةً، تعود كلّ المنافع الآنفة الذكر بإيرادات ضرائبية وغير ضرائبية على الدولة، في الوقت الذي يشكّل فيه الوضع الحالي من تجريم الاستهلاك ربحًا فائتًا على المال العام؛ إذ إنّ تشريع زراعة القنّب الطبّي سيُفضي إلى تقليص هائل في حجم القطاع الأسود من الاقتصاد اللبناني، ما سيؤدّي مباشرة إلى رفع الناتج المحلّي المُصرّح به للدولة. فضلًا عن تأمين واردات إلزامية إضافية للدولة من خلال ارتفاع الصحن الضريبي على الدخل والأرباح، بحيث ستسهم تلك الخطوة في تصحيح مسارات النموّ في لبنان، من خلال إظهار الحجم الحقيقي للناتج المحلي الزراعي، ومن خلال إظهار المساهمات الفعلية للقطاعات الإنتاجية مقارنةً بالقطاعات الأخرى، وأخيرًا من خلال تصويب المالية العامة على قطاعات إستراتيجية كالبيئة والطاقات المتجدّدة وتكرير المياه، والتي تنضوي كلّها تحت مظلّة قوانين التخطيط المكاني، أو ما يُعرف أيضًا بتخطيط ترتيب الأراضي. وإذ عانى تخطيط ترتيب الأراضي من الإهمال نفسه الذي أصاب العالم الريفي بشكل عام في لبنان، يمكن لتفعيل قانون تشريع القنّب الطبّي أن يحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد زراعي وصناعي بامتياز، مع استغلال الميز المقارنة التي كان يمتلكها لبنان تاريخيًّا، كالصحّة والتعليم والابتكار العلمي، والتي أصبحت اليوم مهدّدة، نظرًا إلى تراجع لبنان إزاء سائر الأقطار العربية. من هنا، يكون الرهان على القنّب الطبّي أكثر واقعية من النفط أو الغاز ليستعيد لبنان دوره في تقسيم العمل على مستوى المنطقة، وفي استنباط نموذج جديد لتخصُّصه الاقتصادي والذي كان يقتصر تاريخيًّا على الخدمات.

للاطلاع على الدراسة بنسخة pdf

انشر المقال

متوفر من خلال:

استخدام المخدرات ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية