“المفكرة”: خريطة طريق لاعادة الأطفال الى عوائلهم


2015-04-18    |   

“المفكرة”: خريطة طريق لاعادة الأطفال الى عوائلهم

أعلنت جمعية "المفكرة القانونية" في مؤتمر صحافي انعقد في مقرها في 17-4-2015 مباشرة إجراءات التقاضي ضد وزارة الشؤون الاجتماعية و"دار الأيتام الإسلامية" بالنيابة عن الشاب طارق الملاح (22 عاماً)، على خلفية اهمالهما في اتخاذ التدابير اللازمة لحمايته. والجدير بالذكر هو أن هذه الدعوى، وهي الأولى بهذا الشأن، لا تقتصر على تحصيل حقوق الملاح المنتهكة من قِبل "دار الأيتام الإسلامية " فحسب، بل على الاسهام من خلال ما تبينه من عيوب في نظام الرعاية السائد، في تعزيز الجهود الرامية الى تغيير هذا النظام.
 
وأشارت رئيسة جمعية "بدائل" زينة علوش، خلال المؤتمر الصحافي، إلى أن حوادث الاتجار بالأطفال وبيعهم والاعتداءات الجنسية بحقّهم تتكاثر. وتعتبر أنه ربما بدأ ظهور الأخبار بشكل علني لأننا "في عصر الصحافة الصفراء والفضائح في ظل فراغ سياسي وصمت مطبق لدولتنا التي يبدو أنها تنازلت عن العديد من واجباتها التي من أجلها تتقاضى الضرائب وتتلقى الرواتب، مضيفة أن البوح بهذه الفضائح قد يكون "بسبب البرامج التلفزيونية التي كثرت مؤخراً، والتي تبحث في المحرمات وهمها استقطاب جمهور، لكنها ومن حيث تدري أولا تدري، ساهمت في فك خيوط وربما فضح المستور". وتدعو علوش الدور الرعائية إلى التعاون من أجل مصلحة الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، مشددة على أنه "لا نريد حرباً ولا اتهاماً ولا مزايدة، بل نريد أن نعمل معاً لحماية هؤلاء الأطفال وضمان حقهم بأن يبقوا أولاً في بيئتهم وكنف عائلاتهم وأن لا يحصل الفصل الا عند الضرورة، وكملاذ أخير".
 
وأوضحت علوش أن النظم المعتمدة في المؤسسات الرعائية "تعتمد نظام رعاية هو الأخطر من ناحية النوعية والحماية، وفق المعايير الدولية للرعاية البديلة الصادرة عن الأمم المتحدة في العام 2009".

وبحسب تقرير "هيئة الأمم المتحدة" الصادر في العام 2006 بشأن أوضاع الأطفال في لبنان، فإن هناك حوالي 28 ألف طفل مودعين في مؤسسات رعائية؛ أي أنه، بحسب علوش، "حوالي 2 في المئة من أطفال لبنان متروكين لمؤسسات ترسم مصير حياتهم بأموال مدفوعة من قبل الدولة متمثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، ومتروكين من جهة أخرى لسماسرة بيع الأطفال. ولفتت الانتباه إلى أن الأموال التي تنفقها وزارة الشؤون الاجتماعية على مؤسسات الرعاية، والتي تصل إلى 70 في المئة من موازنة الوزارة بحسب تقرير الأمم المتحدة  من موازنة الوزارة، "هو أمر من المفترض أن ينعكس إيجاباً على أداء هذه المؤسسات على مستوى الرقابة والتعليم وتأمين الإطار الصحي والنفسي والاجتماعي المناسب للأطفال المودعين، لكن على العكس يتم ارتكاب تجاوزات وانتهاكات فاضحة في ظل غياب الأداء الرقابي وانعدام الشروط الصحية النفسية".
 
بدوره، أكد المدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية" المحامي نزار صاغية، خلال مداخلته، أنه "في أي دولة، تحظى الأسئلة المتعلّقة بالضوابط الإدارية والقانونية والقضائية الواجب توافرها لضمان سلامة هؤلاء الأطفال بحيّز واسع من الاهتمام، ولكن على نقيض ذلك، فإن مواقف السلطتين التنفيذية والتشريعية في لبنان تلزم الصمت". وأشار صاغية إلى "أدبيات الغرف المغلقة التي تتناول المسألة على أنها تتصل بممارسات النظام القائمة على المحاصصة، وأن أي محاولة لتغييرها يضرّ بمصالح أصحابها"، مضيفاً "ينسى وزير الشؤون الاجتماعية أن المسألة هي مسألة حقوق أطفال بالرعاية، ففي ظل هذا النظام، هي أولاً وأخيراً مسألة سياسية تتوزع على أساسها الحصص، وأي إعادة نظر فيها هي بمثابة التفاف حول شروط النظام الذي ارتضاه الوزير، الذي ينفي هذه الانتهاكات من دون الحاجة إلى أي تحقيق".
 
وأوضح صاغية أن المبادرة القائمةعلى شراكة متينة بين "المفكرة القانونية" وبدائل"، تهدف إلى وضع خريطة طريق لإعادة الأطفال إلى بيئات سليمة، وذلك من خلال ثلاثة أبواب: دعم جميع الأطفال والأشخاص الذين تعرضوا لفصل عن بيئتهم العائلية، أو أودعوا في دور الرعاية، عبر إعلاء أصواتهم أو تأسيس مجموعات مناصرة لهم ولحقوقهم، داعياً جميع من تعرض إلى مثل هذه الانتهاكات إلى عدم التردد في التواصل مع الجمعية لهذه الغاية. ثانياً،إطلاق ورشة لصياغة قانون حول الرعاية البديلة، ابتداءً من 15-5-2015. وثالثاً، اعتماد التقاضي الاستراتيجي في قضايا دور الرعاية، من خلال عرضها على منبر القضاء، معلناً المباشرة بإجراءات التقاضي بالنيابة عن طارق الملاح ضد وزارة الشؤون الاجتماعية ودار الرعاية التي تم إيداعه فيها، على خلفية إهمالهما اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايته أثناء تواجده هناك. وبشأن مشروع القانون، يؤكد صاغية أن المنهجية التي سيتم اتباعها في مراحل صياغته والتي ستؤدي إلى إثراء النقاش العام وتعزيز الطاقات المتخصصة في هذا المجال لتحسين شروط حياة أطفال لبنان، هي منهجية تشاركية وعلمية، موضحاً "سنقسم الأسئلة التي يفترض أن يشملها مشروع القانون إلى محاور عدة أهمها: تعريف الطفل فاقد الرعاية الأسرية ومعايير القبول في مؤسسات الرعاية، مرجعيات القبول ومساراته، مروحة الرعاية البديلة ومعاييرها النوعية، المراقبة والمتابعة والمساءلة والعقوبات من جراء أي انتهاك، على أن ندعو الأشخاص المختصين والمعنيين، بما فيهم وزارة الشؤون الاجتماعية والمجلس الأعلى للطفولة، إلى المشاركة في  هذه المحاور".
 
في النقاش الذي استتبع الإعلان عن الدعوى القضائية ونية صياغة مشروع القانون، تلفت زينة علوش الانتباه إلى أن جيل طارق الذي خرج من دور الرعاية الاجتماعية لا يملك المهارات والمستوى التعليمي الذي يخوله العيش حياة كريمة، ومنهم من لا يملك أوراقاً ثبوتية، ما يأخذهم إلى "أساليب حياة تعرضهم وتعرض غيرهم للخطر"، ما يتسبب بسجنهم. ومن جهته، يؤكد صاغية أن تركيبة نظام الرعاية بحد ذاته يشجع الانتهاكات بحق الأطفال، حيث يفتقد إلى الرقابة ويحرم الأطفال من الاهتمام والعاطفة، مشدداً على أن هذه المسألة هي "أخطر القضايا الاجتماعية". ويرى أن وزارة الشؤون الاجتماعية تموّل هذا النظام الخطير من دون تحسينه وتنظيمه. ويوضح أن الهدف من الدعوى ومشروع القانون "إعادة النقاش بشأن أساس نظام الرعاية الذي ينتهك حقوق الأطفال في لبنان".
 
ورداً على سؤال عن الجهة التي تقوم بالانتهاكات في دور الرعاية (موظفين أو نزلاء)، توضح علوش أن هناك ثلاث حالات من الاعتداء، فهي إما من قِبل موظفين، أو زائرين، أو من قِبل أطفال أكبر عمراً. وهنا، تشدد علوش أن القضية لا تتعلق بهوية المعتدي فحسب، بل بالنظام الذي يسمح بارتكاب مثل هذه الانتهاكات من دون حماية الأطفال، ويتغاضى عنها. وتشدد على أنه في أي مدرسة داخلية حول العالم، إذا اعتُمد نظام رعاية كالمُعتمد في لبنان من دون توفير الرقابة والحماية اللازمة للأطفال، سيحصل انتهاكات. بدوره، يوضح صاغية تعليقاً على هذا الأمر أنه "في أي مستشفى أو فندق، على سبيل المثال، هناك تدابير لحماية النزلاء، وتكون الدار والوزارة مسؤولتين طبعا على تأمين الحماية للأطفال المودعين فيها"، مضيفاً "لذلك الدعوى القضائية موجهة ضد الوزارة المعنية والدار بسبب الإهمال الجسيم بحق الأطفال".
 
في حديث جانبي، يذكَر طارق الملاح أنه حاول مراراً التواصل مع "المجلس الأعلى للطفولة" التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية من دون جدوى، حيث إن جواب القيّمين على هذا المجلس كان واضحاً لجهة عدم وجود النية بالتحرك، بقولهم إن صلاحياتهم محدودة. ويشير إلى أنه عندما طلب تعويض عطل وضرر من الوزارة المعنية، كان ردها بأن نفت التعرّض لأي طفل في دور الرعاية، لافتاً الانتباه إلى أنه حاول مراراً التواصل مع وزير الشؤون الاجتماعية الحالي رشيد درباس، لكنه رفض استقباله. ويشير الملاح إلى أنه هناك المئات من الأطفال ما زالوا يتعرضون لما تعرض له ولا أحد يجرؤ على رفع الصوت.
 
إن الهدف من هذه الدعوى القضائية الموجهة ضد وزارة الشؤون الاجتماعية و"دار الأيتام الإسلامية"، والدعاوى الأخرى التي قد تقدم في هذا السياق في المستقبل لا يقتصر، بحسب صاغية، على تحصيل الحقوق المنتهكة للملاح أو سواه من الأشخاص المنتهكة حقوقهم (على أهميتها) فقط، إنما يهدف أيضاً إلى نقل قضية دور الرعاية والرعاية البديلة إلى منبر القضاء،  من أجل تعزيز التخاطب الحقوقي والقضائي بشأنها، وفرض ضوابط قانونية في مواجهة منزلقات النظام السياسي السائد.        

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني