المفكرة تنعي عبدالله زخيا بقلمه: البيئة والأملاك العامة بين الحماية والتهديم والخصخصة


2020-10-21    |   

المفكرة تنعي عبدالله زخيا بقلمه: البيئة والأملاك العامة بين الحماية والتهديم والخصخصة

* عبدالله زخيا

 

بتاريخ 19 تشرين الأول 2020، غادرنا المحامي عبدالله زخيا، وهو المحامي الذي كان عُرف في دفاعه عن البيئة والملك العامّ في سنوات ما بعد حرب 1975-1990. نستذكره هنا من خلال محاضرة ألقاها في 2003 في سياق مؤتمر انعقد تحت عنوان “الكرامة الإنسانية في قانون العقوبات” ونظّمته مجموعة من المنظمات الحقوقية في محاولة لجبه مقترح تعديل قانون العقوبات المطروح آنذاك في لجنة الإدارة والعدل.

في تلك المحاضرة، حذّر الراحل من تدمير البيئة بفعل “استمرار عقلية الحرب والعقلية المليشياوية المسيطرة على الأجهزة السياسية والإدارية”. وقد وصف لبنان آنذاك بأنه انتقل “من الاستنزاف العسكري إلى الاستنزاف المالي، ولم تستعد الضوابط القانونية فاعليتها، وبقي كل لبناني وبتواطؤ المسؤولين يدمر ويسرق ويلوث من هذا الوطن كل بحسب حجمه السياسي والمالي، كأن لبنان أصبح غنيمة نتقاسمها، ولم يعد وطنا نبنيه وأصبح السلم امتدادا للحرب بنفس القيادات وبوسائل جديدة بدلا من أن يكون انقلابا عليها”. وقد أردف بجملة لا تقل دلالة عما وصلنا إليه: “البيئة هي المصرف المشترك للوطن حاضرا ومستقبلا: فمن خالف قوانينه وتلاعب بأمواله ساهم في إفلاسه مرتكبا جريمة جماعية ومتمادية”.

خلال المحاضرة نفسها، تحدث الراحل عن قانون حماية البيئة 444/2002 والذي كان له الفضل الأكبر في إقراره بعد مخاض تسع سنوات. وإذ ذكر أنه تضمن المبادئ العامة لحماية البيئة، لم ينسَ أن يشير إلى العورات الواردة فيه والتي ما برحنا نعاني منها حتى اليوم. ومن أهمها رفض إعطاء الجمعيات البيئية صفة المداعاة دفاعا عن البيئة مما أدى عمليا إلى تحصين قرارات كثيرة لانتفاء صفة أي كان في الطعن فيها، وهو أمر ما برحت هذه الجمعيات تناضل ضده في دعاوى كثيرة أمام مجلس شورى الدولة. كما تحسّر لأن القانون “لم يعط وزارة البيئة بوليس أخضر ولا أزرق ولا أحمر واحد لمراقبة حماية البيئة بينما الرؤساء والنواب والوزراء السابقين والحاليين هم بحماية ما لا يقل عن ثلاثة آلاف عنصر أمني”.

كلمات كتبها الراحل في 2003 ولكن تعبر تماما عن النظام الذي رزحنا تحت وطأته لثلاثة عقود وعن الانهيار الشامل الحاصل من جرائه. وداعا عبدالله زخيا (المحرر).

 

حذر العالم الشهير ألبر انشتاين من المخاطر التي تهدد البشرية بقوله “تنزلق البشرية نحو كارثة لا سابقة لها لأن كل شيء قد تغير مع تفجير قوة الذرة، إلا طريقة تفكيرنا. لكي تستمر الإنسانية على الحياة لا بد لنا من تغيير طرق تفكيرنا وتجديدها”. وهذه الدعوة تنطبق بشكل خاص على أمور البيئة.

 

البيئة مصدر وركيزة الحياة

إن العناصر الأساسية للحياة هي الماء والهواء والغذاء واستمرارها كما ونوعا مرتبط بالتوازنات البيئية المتحركة، جميع عناصر الطبيعة مترابطة متفاعلة متوازنة، فكل خلل في هذه التوازنات من جراء تصرفات الإنسان يؤدي إلى الأضرار بها كمّا ونوعا ويُعرّض الحياة للخطر.

منذ نشوء الكون وهذه التوازنات الطبيعية تسير بانتظام خاضعة لقوانين طبيعية ثابتة، إلا أن تضاعف عدد السكان من مرة كل ألف سنة قبل سنة 1900 إلى مرة كل ربع قرن بعد سنة 1900. ومعه تسارع الاستثمار الزراعي والصناعي ونمو الاستهلاك المفرط والاستعمال الجائر للأرض والثروة الطبيعية، وانتشار التصحر، وإتلاف الغابات وتكاثر النفايات الخ… أدى إلى تصدع التوازنات الطبيعية وتعاظم تلويث البيئة.

 

البيئة في لبنان

إن موقع لبنان وتنوع طبيعته ووفرة مياهه تجعل منه موقعا متميزا بتنوع منظوماته الإيكولوجية الطبيعية الغنية بالكائنات الحية المتعددة. هذا الوضع يستدعي حماية مكثفة وسريعة لا سيما وأن هذه البيئة الغنية سريعة العطب. فضلا عن أهمية الطبيعة لتأمين نوعية الحياة، فلها أيضا أهمية خاصة في لبنان حتى على المستوى الاقتصادي والسياحي ولن تكون سياحة بعد اليوم إذا هدمت ولوثت الطبيعة.

 

البيئة ضحية التجاهل والاستغلال

إن تهديم وتشويه وتلويث البيئة تعاظمت أثناء الحرب وتفاقمت مع استمرار عقلية الحرب والعقلية المليشياوية المسيطرة على الأجهزة السياسية والإدارية، فانتقل لبنان من الاستنزاف العسكري إلى الاستنزاف المالي، ولم تستعد الضوابط القانونية فاعليتها، وبقي كل لبناني وبتواطؤ المسؤولين يدمر ويسرق ويلوث من هذا الوطن كل بحسب حجمه السياسي والمالي، كأن لبنان أصبح غنيمة نتقاسمها، ولم يعد وطنا نبنيه وأصبح السلم امتدادا للحرب بنفس القيادات وبوسائل جديدة بدلا من أن يكون انقلابا عليها.

البيئة هي المصرف المشترك للوطن حاضرا ومستقبلا: فمن خالف قوانينه وتلاعب بأمواله ساهم في إفلاسه مرتكبا جريمة جماعية ومتمادية.

 

البيئة في حمى القانون

تندرج قوانين البيئة في الإطار العام للضوابط الطبيعية التي تحفظ وتحمي التوازنات البيئية ونوعية الحياة. والقوانين اللبنانية المتعاقبة حمت جميع عناصر البيئة مع عقوبات رادعة إلا أنها لا تُطبّق.

وقد توجت هذه التشريعات بقانون البيئة العام رقم 444/2002 بعد أن استمر مخاضه العسير ما يقارب التسع سنوات. أما تطبيقه فيتطلب صدور مراسيم تطبيقية عدة، وأملي أن لا تستغرق ولادتها المدة عينها. ومن أهم إيجابياته اعتماده المبادئ العامة لحماية البيئة التي أقرها إعلان “ريو” كمبادئ الاحتراس والعمل الوقائي والملوّث يدفع والمشاركة، ففتح الباب واسعا أمام الاجتهاد القضائي في حالات الالتباس في النصوص أو النواقص في القوانين أو حدوث مستجدات لم تلحظها التشريعات القائمة.

أما عوراته فهي التالية:

1- حرم المجتمع المدني من المراقبة والمشاركة بحماية البيئة برفضه إعطاء الجمعيات الأهلية حق الادعاء لحماية البيئة،

2- لم يعط وزارة البيئة بوليس أخضر ولا أزرق ولا أحمر واحد لمراقبة حماية البيئة بينما الرؤساء والنواب والوزراء السابقين والحاليين هم بحماية ما لا يقل عن ثلاثة آلاف عنصر أمني.

3- المادة 66 أعطت الوزير حقّ تعديل الأحكام القضائية المبرمة مخالفة مبدأ فصل السلطات الدستوري فأدخلت السياسة من الباب الواسع في شؤون البيئة.

4- بدلا من زيادة ميزانية وزارة البيئة لتطبيق القانون فقد خفضت إلى الحدّ الأدنى بحيث أصبح ماديا متعذر التطبيق وأصبحت الوزارة معرّضة للشلل.

 

الملك العام بين القرصنة والخصخصة

تقوم الدولة الديمقراطية على التوازن بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، ومن مهامها المحافظة على هذا التوازن وتعميقه. فكل جنوح نحو العام أو الخاص يؤدي إلى تقويض ركائزها وتعريض وحدة المجتمع للخطر. والمصالح العامة والخاصة مرتبطة بالملك العام والملك الخاص لدرجة كبيرة. إن خصخصة الملك العام يؤدي إلى إضعاف الدولة وتقوية فئة قليلة من أصحاب السلطة والمال وإلى فك الارتباط بين المواطن وأرضه وتعريض المجتمع لهزات اجتماعية.

 

في القوانين ومشاريع القوانين المتعلقة بالأملاك العامة البحرية

تعتبر القوانين اللبنانية الشاطئ ملكا عاما وهذه الملكية لا تكتسب بفعل الزمن ولا تباع ولا يسمح بمشاريع إلا إذا كانت ذات صفة عامة ولها مبررات سياحية أو صناعية وشرط أن لا تكون عائقا لوحدة الشاطئ ويعتبر باطلا بطلانا مطلقا كل احتلال غير شرعي أو متلبس بلباس الشرعية لشاطئ.

أما مشاريع القوانين فعديدة وهي تنتقل منذ سنوات بين مجلس الوزراء ومجلس النواب واللجان دون أن تبصر النور، أهمها مشروع قانون أقرته لجنتا الإدارة والعدل والأشغال العامة النيابيتان بحماية الشاطئ الخالي من أي إشغال لأي كان بعمق ستين مترا من حدود المياه البحرية. ولكن الضغوط من داخل المجلس وخارجه كما صرح رئيس لجنة الإدارة والعدل الأستاذ أوغست باخوس حالت دون إقراره حتى اليوم.

وهناك مشاريع عديدة لتسوية التعديات على الأملاك العامة البحرية، وهذه المشاريع تحاول تشريع هذه التعديات بشكل أو بآخر إلا أنها لم تمرّ حتى اليوم[1].

أما اليوم وبعد عودة الرئيس الحريري إلى الحكم ومع وزير النقل الجديد المهندس نجيب ميقاتي فعادت إلينا الوزارة بمشروع قانون جديد يتصف بالهمايونية كما نعته الأستاذ وليد جنبلاط.

إن مشروع قانون تعديل المادة 17 من القرار رقم 144/س يعطي وزير النقل بمشاركة مجلس الوزراء سلطة استنسابية للتصرف بالملك العام الذي هو ملك الشعب ودون تحديد أية شروط وأية مهل لإجراء عقود على الملك العام البحري[2]. يشكل مشروع القانون هذا خصخصة للوطن ويحرم المواطن من حقه بالانتفاع بالشاطئ ويجعله يلجأ إلى أوطان الآخرين للتمتع في هذا الحق، اليوم في سوريا وربما غدا في إسرائيل. هل يجوز أن تكون أرض الصديق وأرض العدو أرحم للمواطن من أرض وطنه؟.

 

الشاطئ بين الحماية والقرصنة

المقارنة بين مشروع قانون تنظيم الأملاك البحرية في سوريا وبين مشروع القانون اللبناني بتعديل المادة 17 من القرار رقم 144/س تاريخ 26/10/1925 المتعلق بالأملاك العامة تكشف عورة الدولة اللبنانية.

فبينما جاء مشروع القانون السوري متكاملا ومبنيا على أحدث المبادئ القانونية لا سيما وظيفة الشاطئ الاجتماعية، فإن محور المشروع اللبناني يدور على كيفية جلب الأموال للدولة والأفراد فقط دون أية اعتبارات أخرى.

يؤكد مشروع القانون السوري على “اعتبار الأملاك العامة البحرية جزءا من المال العام… وهي معدة للمنفعة العامة واستعمال الجمهور” ولا يجوز حجب فوائدها عن المواطنين وحصرها في يد فئة قليلة” وتخضع الاستثناءات التي تجيز استثمارها لشروط دقيقة لا سيما بيئية ويحافظ بشكل مطلق على وحدة الشاطئ.

أما مشروع القانون اللبناني فهو يتعامل مع الشاطئ وكأنه سلعة ويترك للمسؤول تحت ستار المصلحة العامة سلطة استنسابية غير محددة حصرا فيتجاهل كليا وظيفة الشاطئ الاجتماعية وحق كل مواطن بالانتفاع به وموضوع الانعكاسات البيئية ودور وزارة البيئة التي يعود لها تصنيف الشاطئ.

ومشروع القانون هذا هو عودة إلى بدء لمشاريع القوانين لخصخصة الشاطئ التي سبق أن أسقطها مجلس النواب والخصخصة تعني في لبنان الحصحصة.

 

في التسويات للتعديات على الأملاك العامة البحرية

إن عدد الأمتار البحرية المغتصبة يبلغ ملايين الأمتار والمستحقات للدولة تبلغ ملايين الدولارات فضلا عن أن عقوبة اغتصاب الملك العام تصل حتى سنتين حبس. وفي الوقت الذي تتعثر معه مشاريع القوانين، فإن قرصنة الشاطئ مستمرة وهذه المرة بغطاء شرعي بمراسيم تقضم الملك العام هنا وهناك لمصلحة مشاريع خاصة وقد توزعت من جنوبه حتى شماله.

كلمة السر التي تفتح لنا مغارة علي بابا في الحكم أطلقها الرئيس الحريري نفسه منذ سنوات بعد تجربته الأولى في الحكم حين نقلت عنه جريدة النهار قوله “وراء كل قضية يد ورجل” وقضية الشاطئ أصبحت الغنيمة الكبرى ولا بد أن يكون وراء مشروع القانون القديم الجديد أكثر من يد وأكثر من رجل. ورغم خطاب القسم[3]، لم تُقطع لأي من هذه الأيدي وهذه الأرجل ونحن لا نطالب بقطعها، بل نكتفي بأن ترتفع عن الوطن والمواطن.

 

الانعكاسات البيئية والسياحية

بيئيا، أن ردم الشاطئ والبحر والإنشاءات العشوائية يؤديان إلى تشويهه والإضرار بيئيا به وإفقار التنوع البيولوجي البحري والساحلي. أما سياحيا فكل تهديم لهذه الثروة الطبيعية أو خصخصتها يعتبر ضربا لإمكانيات لبنان السياحية، لأن السائح يأتي إلى لبنان للتمتع بجمال طبيعته وليس للحجّ إلى شاطئ دفن تحت أبنية من الأسمنت تفتقر حتى إلى الجمال المعماري، أو بحر ردم بالصخور وفقد جمال نحتته الطبيعية خلال ملايين السنين.

والخصخصة التي تستثمر الشاطئ عنوة أو بغطاء شرعي تتعارض مع التوجهات السياحية. فهي تنشئ مجتمعات سكنية ترفيهية لفئة محظوظة من اللبنانيين والأجانب وتبقى مقفلة على السواح وعلى المواطنين. هذا ما نبه له المجلس الأعلى للتنظيم المدني في موضوع تسوية التعديات على الأملاك العامة البحرية وكذلك مجلس شورى الدولة بقراره رقم 86 تاريخ 1/6/1992.

“قد أمنت الطبيعة للبنان شواطئ رملية رائعة دون تدخل الإنسان تشكل ثروة وطنية لا تقدر بثمن وتعتبر إحدى ركائز مستقبل لبنان السياحي الأساسية… ويرى الكثيرون في لبنان الموافقة على السماح للأفراد أو المؤسسات الخاصة بإشغال الأملاك البحرية حصرا فيقفلون الشاطئ بوجه الآخرين فيتحول إلى نوادٍ خاصة لمن يستطيع دفع ثمن الشاليهات ويحرمون بقية المواطنين من حقّ كرسه لهم القانون باستعمال الأملاك العمومية البحرية فيما أنه يقتضي أن تترك هذه الأملاك “حرة” لاستعمال الجميع دون مقابل، وإذا سمحت بالإشغال المؤقت لأقسام صغيرة من الشاطئ وبشكل غير مانع فيكون ذلك لبيع الخدمات فقط وليس لبيع استعمال الملك العام”

يشكل الشاطئ اللبناني تراثا طبيعيا وثقافيا ووظيفتيه سياحية واجتماعية فعلى القوانين أن تحمي هذا التراث وتحافظ على هاتين الوظفتين.

 

البيئة والأملاك العامة ضحيتا سياسة الدولة

لدى الدولة نهجان للتحايل على إصدار وتطبيق القوانين: الأول هو لعبة شهرزاد والثاني هو تجهيل الفاعل فضلا عن أهمية الخلل في أداة التنفيذ وسببها التسيس والفساد.

في التحايل على إصدار القوانين ولعبة شهرزاد

جميع قوانين البيئة خضعت وتخضع للعبة شهرزاد في المماطلة، فيتم وضع مشروع قانون ولكنه يتعثر سنوات بين مجلس الوزراء واللجان النيابية ليصدر في النتيجة مشوبا بعيوب عدة بفعل تدخل المصالح السياسية والمالية كما هو الحال بالنسبة إلى قانون استثمار الأملاك العامة وتسوية التعديات البحرية وتنظيم وزارة البيئة وقانون المحميات وغيرها.

عدم تطبيق القانون وتجهيل الفاعل

عدم تطبيق القوانين المتعلقة بحماية البيئة والأملاك العامة أو تطبيقها استنسابيا حسب الانتماء السياسي والحجم المالي للأفراد يتم بفعل لعبة تجهيل الفاعل.

فالقوانين موجودة والعقوبات رادعة ولكن دولة القانون والمؤسسات مفقودة وقد حلّت مكانها دولة القبيلة والغنيمة. والقانون لا يطبق على حيتان المال والسياسة الذين يقرصنون البيئة وقد لجأت الدولة لحمايتهم إلى لعبة تجهيل الفاعل. رغم خطورة الجرائم البيئية ووعود خطاب القسم، فما يزال المجرمون البيئيون مجهولي الهوية بالنسبة للدولة رغم تداول أسمائهم على كل شفة ولسان. لدينا جرائم وليس لدينا مجرمون وتجربة المدّعين البيئيين لم تحجم هذه الجرائم وأصبحت الجرائم البيئية وكأنها في عداد الكوارث الطبيعية.

في فساد الإدارة وتسييس أداة التنفيذ

إذا اجتاز صدور القانون حواجز الف ليلة وليلة فيبقى أن يجتاز تطبيقه حواجز الإدارات المختلفة. أجمع وزراء الإصلاح الإداري المتعاقبون على ما قاله المرحوم خاتشيك بابكيان: “ثمة أمر واحد واضح ومؤكد هو أن شيئا لن يتحقق لا اليوم ولا في المستقبل المنظور (…) إذا بقيت الإدارة مسيسة، وبقيت انتماءاتها مشدودة بين رؤساء الطوائف والأحزاب وأرباب النفوذ والسلطة والمال”.

وهذا الأمر يؤكده المفتش السابق لدى دائرة التفتيش المركزي ومحافظ الشمال السابق خليل الهندي في مداخلته في مؤتمر الإصلاح في لبنان المنعقد يوم 8/3/2002، وهو أعلم من غيره بهذا المرض، قال ما معناه: سبب مراجعة السياسيين والمتنفذين له كان بنسبة 99،99% لتغطية مخالفة أو للقيام بمخالفة وخلص إلى الاستنتاج بأن الإدارة جاهلة وعاجرة وفاسدة ومفسدة للمواطن ومتخلفة ومسيسة.

وهكذا، إن سبب الأمراض الوبائية التي تنخر جسم الإدارة وتمنع تنفيذ القوانين هي السياسة والسياسيون. فالإصلاح الإداري وعمره يفوق العشر سنوات وقد استهلك أكثر من وزير لم يتمكن من فك الارتباط بين الإدارة والسياسة والطائفية وحتى المذهبية ولا منع مضاعفة معدلات الرشوة باستمرار.

فهناك حلف غير مقدس بمباركة الدولة بين السياسي المفسد والموظف الفاسد، فالأول يحمي الثاني والثاني يؤمن له الخدمات وجلها مخالفة للقانون. حماية البيئة والأملاك العامة تتطلب إعادة تأهيل الدولة لأنها مرتبطة بالتشريعات وبتطبيقها، والبيئة هي الأكثر تضررا من تسييس الإدارة وفسادها، لأنها الغنيمة الأكبر.

إن القوانين موجودة ولكنها غير مطبقة والخبرات متوفرة ولكنها مهمشة والأموال متوفرة ولكنها معرضة للسرقة والهدر لأن الدولة غائبة أو مغيبة أو متواطئة، والرقابة معدومة ودور المواطن المهمش وقد أقعده اليأس والإحباط.

أمام هذا الواقع المؤلم يعود للمجتمع المدني بجميع هيئاته ومؤسساته أن يقتبس من ثورة الحجارة ثورة الحناجر والأقلام والمواقف فيشكل قوة ضغط ومسألة لإخراج الدولة من قمقم القبيلة والغنيمة وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

 

*محام لبناني رحل في19 تشرين الأول 2020 وقد ترك في رصيده انجازات تشريعية في مجال حماية البيئة، أهمها قانون حماية البيئة 444/2002.  

 

 

[1]  تم إقرار قانون لمعالجة التعديات على الأملاك العامة البحرية الحاصلة قبل 1/1/1994 لقاء تسديد غرامات عن الفترة اللاحقة لسنة 1994 ورسوم عن الإشغال المستقبلي، وذلك بموجب قانون صدر في 2017. لكن أدى تمديد مهلة المعالجة وتعليق المهل إلى تأخير تطبيق هذا القانون (المحرر).

[2]  لم يتم إقرار مشروع القانون هذا (المحرر).

[3]  قسم الرئيس لحود في 1998 والذي جاء فيه أن يد السارق ستقطع (المحرر).

انشر المقال

متوفر خلال:

أملاك عامة ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *