المفكرة تستعرض أهم توجهات القضاء اللبناني في قضايا الفئات المهمشة في 2014


2014-12-26    |   

المفكرة تستعرض أهم توجهات القضاء اللبناني في قضايا الفئات المهمشة في 2014

نظمت المفكرة القانونية" بالتعاون مع جمعيات سكون" و"حلم" و"مرسى" وبدعم من "الصندوق العربي لحقوق الانسان"
طاولة نقاش  في مبنى جامعة (Université Pour Tous (UPT، تناولت خلاله عددا من القضايا التي تطال الفئات الإجتماعية المهمشة وكيف تعاطى القضاء اللبناني معها. وقد شملت هذه القضايا قضايا كالإدمان، المثلية الجنسية، العنف ضد المرأة، وأوضاع العاملات الأجنبيات في المنازل واللاجئين في لبنان. وأراد المنظمون، من وراء طرح هذه الجدلية اظهار الى أي مدى يحفظ القضاء اللبناني مسافة ازاء الآراء الاجتماعية المسبقة.

المدمنون على المخدرات
في 16 آذار من العام 1998  صدر القانون رقم  673والمتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية.وتمنح المادة 183 المدمن الذي يذعن للعلاج وف الملاحقة مرقتا. فاذا تابع العلاج واستمر فيه حتى استحصاله على شهادة تثبت شفاءه التام من التسمم الادماني والاعتياد الجسماني وتخلصه من الارتهان النفساني لعادة التعاطي، توقفت الملاحقة بوجهه تماما. وعلى الرغم من ان هذه المادة من القانون تبدو محفزة للمدمن على الإسراع في تلقي العلاج الذي يضمن عدم ملاحقته قضائياً والمحافظة على سجله نظيفا، الا ان تعطيل اللجنة التي تهتم بمتابعة المدمنين أصاب القانون بالشلل وعن ذلك تحدث كريم نمور وهو عضو في جمعية المفكرة القانونية، فقال:" انتظرت اللجنة نحو ست سنوات قبل تعيين أعضائها في العام 2004 ولكن لم يلبث ان قامت بإعلان عجزها عن متابعة عملها وذلك بسبب عدم تفعيل آليات القانون لاسيما في ظل عدم اعتماد مراكز للعلاج المجاني".
هذا الأمر أربك القضاة عملياً الذين وجدوا أنفسهم عالقين امام خيار صعب. فإما ان يعلنون عن عدم ملاحقة المدمن أو أن يحاكموه علماً ان النص واضح في هذا الشأن الا انه وبحسب "نمور"، فإن عدد كبيراً من القضاة اختار مبدأ العقاب في حق المدمن حتى لو أعلن عن رغبته بتلقي العلاج. ويذهب نمور الى أبعد من ذلك ليشير الى ان أحد القضاة لجأ الى معاقبة شخص على الرغم من حصوله على شهادة تثبت شفاءه التام بحجة ان العلاج لم يتم وفقاً للآليات التي نص عليها القانون".
لكن هذه الصورة الإسودادية تحسنت نوعاً ما ابتداءً من العام 2008 حين عمد بعض القضاة الى التشبيك مع عدد من مراكز العلاج وقد ذكر نمور مثالا القاضي نازك الخطيب التي تعاملت مع مركز "سكون" في هذا الإطار الا ان  أحكامها لم تصل الى ابعد من وقف التنفيذ، كما نوّه بتجربة القاضي منير سليمان الذي اصدر حكما بعدم ملاحقة أحد المدمنين معتبراً انه لا يمكنه ان يحمله مسؤولية تقاعس الدولة عن مطالبته بالخضوع للعلاج.وقد تكلل ذلك مع اصدار محكمة التمييز قرارها في 3-10-2013 بعد القاضي ملزما بوقف الملاحقة فور اعلان المدمن نيته بالعلاج. وقد تبعته ثلاثة أحكام من محكمتي جنايات بيروت وبعبدا بالمعنى نفسه. بالمقابل، حلقت جنايات صيدا خارج السرب برفضها الالتزام بقرار محكمة التمييز وقرارات محاكم الجنايات الأخرى. 
ويؤكد نمور ان 90 شخص مدمن تمت احالتهم الى لجنة مكافحة الادمان التي تم تفعيلها في بداية 2013 فيما يلاحق ما متوسطه 2000 شخص لتعاطي المخدرات سنويا. وقد طرح تعقيبا على ذلك المحامي نزار صاغية للمفكرة الأسئلة الآتية: من المسؤول عن عدم احالة عدد اكبر من الملفات الى اللجنة؟ اللجنة التي ما تزال مترددة في عملها؟ القضاة الذين يؤثرون المنطق الكلاسيكي العقابي؟ المحامون الذين يفضلون الاسراع في انهاء ملفاتهم، فيفضلون انهاء القضية لحكم سريع بدل الدخول في دوامة الاجراءات القضائية والطبية، وهو أمر قد يستعرق سنوات؟ شروط العلاج الذي يبقى جزء كبير منه غير مجاني؟ أم كل هذه العناصر مجتمعة، بحيث يؤثر كل منها على الآخر؟ ثم، ما هو محفز العلاج في حال تعرض المدمن لتوقيف طويل الأمد في الشرطة قبلما يتسنى أصلا للقضاء النظر في ملفه؟ والسؤال الأكبر الذي يطرح اليوم بعد تفعيل اللجنة: هل المشكلة حقا في ارادة الجسم القضائي أم أنها في القانون نفسه؟  

المثليون
القضية الثانية هي قضية المثليين والمثليات والتي تتصل مباشرة بمدى تطبيق نص المادة 534 من قانون العقوبات. فهذه المادة تنص على تجريم المجامعة المخالفة للطبيعة وقد تحدثت المحامية غيدة فرنجية عن طريقة تعامل النيابة العامة والقضاء مع هذه الفئة وقالت:"مازلنا نجد لدى النيابة العامة تشدداً في الاستقصاء عن المثلية عند ملاحقة مثليين بحجة ان سلوكهم المغاير للطبيعة  قد يشكل خطراً على المجتمع، كذلك في أسلوب التحقيقات المعمقة التي تتم معهم"، وذكرت فرنجية قضيتين في هذا السياق منها قضية توقيف خمسة أشخاص من التابعية السورية وقضية "حمّام الآغا". واعتبرت فرنجية ان التعاطي مع قضية السوريين الخمسة  كان فيه شغف مفرط مثير للتعجب وتعمق في الاستجوابات الى حد اخضاع البواب والعاملة في المنزل للاستجواب. وذكرت بأنه تم اخضاع الموقوفين الخمسة في الملف الأول لفحوصات الشرج، قبلما تعود النيابة العامة التمييزية بعد اثارة الأمر من المفكرة وتمنع اللجوء اليه. ففي قضية حمام الآغا، تم التهديد بالفحص الشرجي من دون استعماله.
ولفتت فرنجية الى ان ثمة فارقا بين قضاة النيابة وقضاة الحكم في هذا المضمار. وأعطت مثالا انه فور وصول قضية "حمام الآغا" الى قاضي الحكم تم اخلاء سبيل الموقوفين لأنه في هذا النوع من الجرائم لا يتم عادة التوقيف الاحتياطي قبل المحاكمة. ومن جهة اخرى لحظت ان التشدد في هذه القضايا مازال موجوداً من ناحية الدفوعات الشكلية وان هناك قضاة مازالوا في العام 2014 يصرون على اعتبار المثلية جريمة تستحق العقاب. وأشارت فرنجية الى مرافعة نموذجية أعدتها مع المحامي نزار صاغية في العام 2013 لإسقاط المادة 534 من قانون العقوبات تم توزيعها على عدد من المحامين والقضاة. تعمل هذه المرافعة على تقديم مجموعة من الدفوع الشكلية وتسمح بالتالي للاشخاص المثليين بالدفاع عن أنفسهم ومن ضمنها انه لا يمكن اعتبار العلاقات المثلية مخالفة للطبيعة لأن في ذلك انتهاك لخصوصية الأشخاص وحقهم بالمساواة أمام القانون الخ..
ونوهت فرنجية بحكم قضائي صادر بتاريخ 28/1/2014 عن القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن ناجي الدحداح والذي قضى بتبرئة متحوّلة جنسياً، بعدما تم الادعاء عليها على أساس أنها تقيم علاقات مع ذكور. واعتبرت ان هذا الحكم هو مؤشر هام على صعيد تفسير المادة 534 من قانون العقوبات الخاصة بمعاقبة المجامعة خلافاً للطبيعة، فالقاضي قام بتحييد جنس الشخص في القضية  واستند الى امكانيته  كقاضي جزاء يملك سلطة استنسابية  في تفسير النص الجزائي  فرأى أنه لا يمكن اعتبار كل شيء بعيدا عن المألوف هو شذوذ وان القانون الجزائي لا يمكن ان يستند على المفاهيم الدينية وانما على مفاهيم مستقلة تسمح بفك الرابط بين العلاقات الجنسية والانجاب.

النساء المعنّفات
وفي موضوع العنف ضد المرأة، عرضت المحامية يمنى مخلوف لسلسلة من الأحكام الداعمة للمرأة قبل صدور قانون العنف الأسري والتي اعتمدت في كثير من الاحيان على لجوء المرأة المعنفة الى قاضي الامور المستعجلة طلبا للحماية. وقد وصلت الأحكام في كثير من الأحيان الى ما هو أبعد من القانون الحالي. كما أدت الأحكام الصادرة بعد اقرارالقانون الى تطويره وإلغاء التحفظات الموجودة فيه مقدمة الأمثلة على ذلك ولا سيما فيما يتصل بالعنف المعنوي. كذلك تناولت الوضع بعد الافراج عن قانون العنف ضد المرأة  والاحكام التي صدرت بعده. وأكدت أهمية بناء نظام عام للأفراد تلزم به جميع الطوائف والمشرع لانه ما عاد بإمكاننا القول انه في لبنان لا يوجد سوى المحاكم الطائفية وان الصلاحية في الحكم لما يتعلق بالفرد وباموره العائلية والفردية هو أمر لا يتعلق بالقضاء اللبناني. فالدولة والقضاء لديهما التزامات دولية فيما يتعلق بهذا الأمر ويعود للقضاء اللبناني الدور الأساسي في بناء هذا النظام للأفراد والذي لا يمكن ان تتعرض له الطوائف.

العاملات المنزليات واللاجئون
ورأت الباحثة الحقوقية في المفكرة القانونية سارة ونسا ان قضاء الامور المستعجلة لعب دورا بارزاً في حماية حقوق الفئات الأكثر تهميشاً لا سيما في موضوع عاملات المنازل. وقد قدمت مثالاً عن دعوى تقدمت بها احدى العاملات ضد صاحبة العمل بسبب قيامها بحجز جواز سفرها على الرغم من انتهاء عقد العمل حيث أصدر القاضي جاد معلوف حكماً في حزيران 2014 قضى بإعادة جواز السفر الى صاحبته وكانت هذه اول مرة يصدر فيها هكذا حكم عن قضاء الامور المستعجلة. واعتبرت ونسا أهم ما في هذا الحكم انه قام بتفكيك نظام الكفالة ورفض كل التبريرات التي تعيق الفرد من التنقل سواء داخل البلد او خارجه، وان في هذا الحكم أبعاداً بالإمكان استخدامها في حالة اللاجئين السوريين لا سيما في مسألة "الحظر" المفروضة عليهم من قبل بعض البلديات.
ولفتت ونسا الى حكم حديث في قضية عاملة ادعت للحصول على كامل أجورها غير المدفوعة عن فترة عملها النظامي في لبنان (1998-2001). والكلاحظ أن العاملة لم تلجأ الى القضاء الا بعد القبض عليها، والسبب في ذلك واضح اذ ان وضعها اصبح غير شرعي حين غادرت منزل صاحب العمل وبات اذ ذاك تقدمها بدعوى بمثابة تسليم لذاتها. وقد لجأت بداية الى القضاء الجزائي الذي اعتبر ان هذه القضية ليست من اختصاصه. فانتقلت الى مجلس العمل التحكيمي حيث تقدم مفوض الحكومة بمطالعة أظهرت انحيازه لربة المنزل  بإعتبار انه ليس من صلاحيات المجلس النظر في هذه القضية. الا أن القاضي تجاوز هذه الاعتبارات وانتهت بفضله الدعوى التي استغرقت سبع سنوات امام مجلس العمل التحكيمي. طبعا العاملة تم ترحيلها منذ 2003. كما أشارت ونسا الى سلسلة من الاحكام الرائدة التي تتعلق باللاجئين الأجانب غير الفلسطينيين والتي قضت بعدم جواز احتجازهم تعسفياً او ترحيلهم قسريا ودون مبرر. كما اشارت الى قيام مجلس شورى الدولة للمرة الأولى بوقف تنفيذ قرار بترحيل لاجئ عراقي في 2014. 

عقلنة العمل القضائي
وفي الختام تحدث المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية معتبرا ان هناك عاملا مشتركا بين هذه القضايا. فكل هذه الفئات تتعرض لآراء اجتماعية وقانونية مسبقة، ونتعلم عند درس الأحكام الصادرة بشأنها فيما اذا كان القاضي اللبناني يعيد انتاج هذه الآراء المسبقة فيها أم انه قادر على الوقوف على مسافة من هذه الآراء والأفكار المسبقة في اتجاه عقلنة كيفية مقاربتها. وقال:"ان هذه العقلنة بإمكانها ان تكون على شكل حراك اجتماعي مثلما وجدنا في موضوع العنف ضد المراة حيث بدا وكان القضاء على موعد مع الحراك مما عجل في تفعيل القانون في حين ان هناك العديد من القوانين التي أخذت سنينا قبل ان يتم تفعيلها ومنها القانون المتعلق بالادمان والمخدرات لغياب الحراك؟
وسأل صاغية عن كيفية مشاركة جميع اللاعبين في الساحة القضائية، وعلى راسهم المحامين والاعلاميين والمنظمات الحقوقية في عقلنة هذه المقاربة. وقال:"لقد حاولنا فعل ذلك من خلال المرافعة النموذجية التي ابتكرنا منها وسيلة وأداة للدفاع عن اي شخص لا يملك من يدافع عنه".

الصورة من أرشيف المفكرة القانونية
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية