المصحّات الخاصة في تونس قطاع فوق الرقابة والمساءلة


2021-06-03    |   

المصحّات الخاصة في تونس قطاع فوق الرقابة والمساءلة
الصورة من باتريسيا كوكا - موقع فليكر

ما زالت الموجة الثالثة لجائحة كورونا في تونس تجرف وراءها المئات من الضحايا، الذين لم يُكتب للكثير منهم الوصول إلى أسرة الإنعاش والأوكسيجين، ومعظمهم لقي حتفه في المستشفيات العمومية حسب السلطات الصحية. انطلقت إنذارات الخطر الرسمية منذ بدايات شهر أفريل الفارط، عندما أعلن وزير الصحة فوزي مهدي في السابع من ذلك الشهر ازدحام المستشفيات العمومية بمرضى كوفيد- 19، ممّا جعل طاقة استيعابها تتجاوز 80%. وبعدها بحوالي أسبوعين أكدت الناطقة الرسمية باسم وزارة الصحة، نصاف بن علية، أن المؤسسات الاستشفائية العامة أشرفت على الانهيار، وطاقة الاستيعاب في بعض المستشفيات الجهوية تجاوزت 100%، مما جعلها غير قادرة على استقبال المزيد من المرضى.

كانت السلطات التونسية تُراقب طيلة شهر أفريل انهيار القطاع الصحي العام دون التفكير في الاستنجاد بالمصحات الخاصة. ورغم أن وزير الصحة لم يستبعدْ فرضيّة اللجوء إلى المصحّات الخاصة، فإنّ القطاع العمومي ظلّ إلى حدود الآن يواجه الأزمة منفردا ودون أيّ شراكة تُذكر مع القطاع الصحي الخاص. كان وزير الصحة في كل إطلالاته الإعلامية يَعِد باتفاقات قادمة في الأفق مع المصحات الخاصة من أجل تسهيل استقبال مرضى كوفيد-19 على نفقات الدولة. ولكن في الأثناء، لم تُرسِل الوزارة مريضا واحدا إلى المصحات الخاصة، وظلت هذه الأخيرة تستقبل المرضى حسب جدولها الخاص وبضمانات مالية تصل في بعض الأحيان إلى 35 ألف دينار، وبكلفة مالية باهظة أيّدتها العديد من شهادات المرضى وعائلاتهم.[1]

حاولت “المفكرة القانونية” الاستفسار حول دور المصحات الخاصة في جائحة الكورونا وموقع وزارة الصحة في الإشراف على ذلك. ولكن المتفقد العام بوزارة الصحة رفض الحديث إلينا (رغم أن مراقبة المصحات الخاصة من مشمولاته)، بحجة الالتزام بالمذكرة الصادرة عن وزارة الصحة في 16 أفريل 2021،[2] التي ضبطت قائمة المكلفين بالتصريح لوسائل الاعلام واشترطت على الآخرين ترخيصا مسبقا من وزير الصحة، ونددت باتخاذ إجراءات تأديبية وجزائية ضد المخالفين. وتُعدّ هذه المذكرة أداة جديدة اتّبعتها وزارة الصحة لاحتكار المعلومة وتعطيل الوصول إليها. وقد اعتبرتها منظمة العفو الدولية “محاولة فاضحة من قبل السلطات التونسية لفرض الرقابة على العاملين الصحيين وإسكات منتقدي سياسة الحكومة لمواجهة وباء فيروس كوفيد-19”.[3]

في المقابل، أكدت مصادر صحية مختلفة للمفكرة القانونية أنه لا يوجد إطار اتفاقي وبروتوكولي مُلزم للمصحات الخاصة، بخصوص التعاطي مع جائحة كورونا، سواء على مستوى استقبال المرضى أو فواتير الاستشفاء وعدد الأسرة المخصصة لمرضى كوفيد-19. فالسلطة التقديرية المطلقة تعود لأصحاب المصحات الخاصة، التي يكتفي بعضها بإعلام وزارة الصحة بعدد المرضى أو بعدد حالات الوفاة، في صورة وجودها. وتعتبر هذه الحالة المُفرغة من أي رقابة امتدادا لوضع صحي سابق للجائحة، كشف عنه التقرير السنوي العام الثاني والثلاثون لمحكمة المحاسبات[4]، المنشور بداية فيفري 2021. وقد تضمن التقرير المذكور تقييما مُلفتا للانتباه لعملية الإشراف على المصحات الخاصة ومراقبتها من قبل السلطات التونسية. ولم يلقَ هذا التقرير اهتماما كبيرا من الدوائر الرسمية، باستثناء جلسة استماع برلمانية لممثلين عن محكمة المحاسبات عقدتها لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بمجلس نواب الشعب في أواخر شهر أفريل الماضي.

الاستثمار الصحي يتمدد خارج المعايير الصحية والبيئية

شهد الاستثمار الخاصّ في القطاع الصحي منذ عقدين تقريبا، نموا متواصلا. وإلى حدود شهر أفريل 2020، بلغ عدد المصحات الخاصة 103، بطاقة استيعاب جملية تقدر بـ6676 سرير، وهو ما يمثّل 24% من طاقة الاستيعاب الوطنية. ومن المنتظر أن تشهد البلاد خلال السنوات القادمة تزايد عدد المصحات الخاصة، بحيث تشير المطالب المُودعة لدى وزارة الصحة إلى أن عددها سيزداد بنسبة 70% مقارنة بالعدد الحالي.[5] تزامن هذا الإقبال المرتفع على الاستثمار الخاص في قطاع الصحة مع العديد من الإخلالات الهيكلية والصحية. وحسب تقرير محكمة المحاسبات “لم تستوجِب 32 مصحة عند دخولها حيز الاستغلال إلى شروط سلامة البناءات، ولم تتولَّ 41 مصحة و36 مركز تصفية دم خاص تجديد شهادة الوقاية المسندة من قبل الديوان الوطني للحماية المدنية. كما تمّت معاينة عدم مطابقة بنايات 35 مصحة للطاقة القصوى لاستيعابها والمرخّص فيها من قبل مصالح الحماية المدنية وهو ما يعد مخالفا لأحكام القانون عدد 11 لسنة 2009”. بالإضافة إلى هذا سجّلت عملية تعقيم المستلزمات الطبية العديد من الإخلالات رغم أهميتها الصحية وخطورتها على المرضى، إذ بلَغَت نسب عدم مطابقة عملية التعقيم للمعايير المعتمدة حوالي 80%. ورغم الإخلالات التي سجلتها الوكالة الوطنية للرقابة الصحية والبيئية للمنتجات، لم تقم مصالح وزارة الصحة بمتابعة آثار الإخلالات ومراقبة التجاوزات الصحية والبيئية التي تقوم بها المصحات الخاصة.

وقد لاحظ تقرير محكمة المحاسبات، الذي يغطّي فترة زمنية تمتد بين 2014 وأفريل 2020، محدودية الرقابة على المصحات الخاصة من قبل مصالح التفقد الصحية. وخلال ردها على محكمة المحاسبات[6]، لم تفند وزارة الصحة الملاحظات الواردة بالتقرير وأقرت بصدقية الإخلالات وضعف المراقبة الدورية، ووعدت بتكوين فرق ولجان لمراجعة التراتيب والقوانين وتفعيل مراقبة وتقييم المؤسسات الصحية الخاصة. ولكن تدخل وزارة الصحة إزاء المصحات الخاصة خلال جائحة كورونا يشير بقوة إلى أن المؤسسات الصحّية الخاصّة ظلت تتمتّع بحصانة مُبطّنة وتمارس أنشطتها خارج دوائر الرقابة والمساءلة. وفي نفس السياق، راسلت محكمة المحاسبات الهيئة الوطنية للتقييم والاعتماد في المجال الصحي[7]، التي يعتبر من مهامها “تطبيق إجراءات الاعتماد على الهياكل الصحية العمومية والمؤسسات الصحية الخاصة وتقييم تكنولوجيات الصحة والتدخلات الصحية”. وقد كان رد الهيئة على محكمة المحاسبات مقتضبا جدا، بحيث برّرت ضعف تدخلها بنقص الموارد البشرية للهيئة وعدم الاستقرار السياسي وتأخّر صدور الأمر الحكومي المتعلق بإعادة ضبط مهام الهيئة وتنظيمها الإداري والمالي والعلمي وطرق سيرها، الذي صدر في 20 أكتوبر 2020، أي بعد أكثر من مرور ثمان سنوات على بعث الهيئة.

الحق في الصحة بثمن باهظ

مع بداية الموجة الأولى لجائحة كورونا في تونس، أفريل 2020، تلقّت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إشعارات وبلاغات تشير إلى أن العديد من المصحّات الخاصة قامت بالترفيع في فواتيرها بنسب تتراوح بين 100د و300د. ومع انتشار العدوى في تونس وُجّهت انتقادات واسعة للمصحّات الخاصة. من ضمن المُنتقدين، رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي وصف مساهمة المصحّات الخاصة في التصدي لفيروس كورونا بالضعيف. وفي السياق نفسه، انتقدت العديد من منظمات المجتمع المدني، في بيان مشترك، الفواتير الباهظة لإيواء مرضى كوفيد- 19 في المصحات الخاصة وطالبت الحكومة بـ”اتخاذ التدابير القانونية الفورية لتسخير كل المصحات الخاصة والمخابر الحائزة على التراخيص للقيام بتحاليل كوفيد 19 والموجودة في كامل تراب الجمهورية التونسية لضمان إجبارية تعهدها بالقيام بالتحاليل والتكفل بالرعاية الصحية لكل المرضى حاملي الفيروس بنفس تعريفة قطاع الصحة العمومية”.

لم تكن هذه الانتقادات كافية لدفع وزارة الصحة إلى التدخل من أجل اتخاذ إجراءات استثنائية متعلقة بالمصحات الخاصة وإنقاذ حياة المئات من التونسيين، وقد ظلت الهياكل المهنية الممثلة للمصحات الخاصة تمارس ضغطا مستمرا على القرار الحكومي وتدافع عن مصالحها الربحية بإصرار كبير. فقد صرح رئيس الغرفة النقابية لأصحاب المصحات الخاصة بو بكر زخامة بأن كلفة الاستشفاء في المصحات الخاصة متطابقة مع نظيرتها في المستشفيات العمومية، وأنه “لا يوجد إفراط ولا خرق والكلفة تشمل الإقامة والأدوية وكلفة الأطباء والطاقم الشبه طبي.” ولكن تقرير محكمة المحاسبات كان له تقييم مغاير لتصريحات رئيس الغرفة النقابية لأصحاب المصحات الخاصة. فقد لاحظ عدم شفافية المصحات في توضيح فواتير الأدوية والخدمات الطبية، وفَوترة مبالغ إضافية دون وجه قانوني، وتوظيف هوامش ربح باهظة لبعض المستلزمات الطبية تصل أحيانا إلى 300%. كما أشار التقرير إلى أنه “تم الترفيع في أسعار بعض الأدوية الممسوكة من طرف بعض المصحّات من خلال توظيف هوامش ربح غير قانونية تراوحت بين 26% و160% عوضا عن 10% المنصوص عليها بكراس الشروط”. ورغم أن مراقبة أسعار المصحات الخاصة تعد من مشمولات وزارة التجارة –بالتنسيق مع إدارة التفقد الصحي-فإن مصالحها الرقابية لم تقم ببرمجة مهمات رقابية دورية على المصحات الخاصة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2015 وشهر فيفري 2020.

يشهد القطاع الصحي الخاص في تونس تضخّما كبيرا على مستوى التجهيزات والاستثمارات الجديدة ويستقطب نسبة لا بأس بها من الإطارات الطبية. فقد بلغ عدد التجهيزات الثقيلة المستغلة في القطاع الخاص إلى موفى شهر فيفري 2020 حوالي 340 جهازا أي ما يعادل ثلاثة أضعاف التجهيزات الموجودة بالقطاع العام، وهناك حوالي 55% من الأطباء يمارسون أنشطة مختلفة في القطاع الخاص. ويجري هذا التضخم في ظل غياب منظومة تشريعية تنص على حقوق المرضى وتحدد المسؤولية الطبية. ويشكل التأجيل المتكرر للمصادقة على مشروع القانون الأساسي المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية ملمحًا على الضغط الذي تمارسه لوبيات القطاع الصحي الخاص على مجلس نواب الشعب.[8] وإثر ندوة صحفية عقدتها مؤخرا نقابات القطاع الصحي الخاص طالبت فيها بسحب مشروع القانون وهددت بالاحتجاج أمام البرلمان، تدخلت حكومة هشام المشيشي لفائدة القطاع الصحي الخاص وطالبت بتأجيل المصادقة على مشروع القانون، الذي كان من المنتظر إحالته على الجلسة العامة في 04 ماي 2021. هذا التدخل الحكومي يشتغل ضد السياق الصحي العامّ الذي يحتاج إلى تثبيت حقوق المرضى وحمايتهم من النزعة الربحية التي باتت تحكم الممارسات الطبية في القطاع الخاص. ومن الملاحظ أن مشروع القانون الذي يخضع للتعطيل المستمرّ يفرض في فصله التّاسع على المؤسسات الصحية الخاصة والعامة عند تعهّدها بالحالات الاستعجالية “إعطاء الأولوية لتقديم الخدمات الصحية الضرورية على أن تتم تسوية المسائل ذات الصبغة الإدارية والمالية لاحقا”. ويتعارض جوهر هذا الفصل مع ممارسات المصحات الخاصة التي تستقبل مرضى الكوفيد-19 الباحثين عن طوق النجاة بضمانات مالية مسبقة وبفواتير استشفاء مشطة.

 

  1. عايدة دالبواش ونجود رجبي. التداوي من الكوفيد-19 في المصحات الخاصة، بأي ثمن؟ موقع انكفاضة، ديسمبر 2020.
  2. وزارة الصحة، مذكرة حول كيفية تعامل إطارات وزارة الصحة وأعوانها مع وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، تونس، 16 أفريل 2021.
  3. منظمة العفو الدولية: يجب إلغاء الأمر الوزاري الذي يفرض رقابة على العاملين الصحيين بشأن كوفيد-19، تونس، 20 أفريل 2021.
  4. محكمة المحاسبات: التقرير السنوي العام الثاني والثلاثون، انظر الجزء المتعلق بالإشراف على المصحات الخاصة ومراقبتها.
  5. مصدر الاحصائيات تقرير محكمة المحاسبات المذكور سابقا، ويستمد المقال أغلب معطياته من التقرير نظرا لشموليته وطابعه الحِينِي.
  6. ردود وزارة الصحة ومختلف المؤسسات العمومية على مراسلات محكمة المحاسبات موجود في التقرير المذكور سابقا.
  7. هيئة طبية تابعة لوزارة الصحة تم إحداثها في سنة 2012 بمقتضى الامر الحكومي عدد 1709 لسنة 2012 مؤرخ في 06 سبتمبر 2012، وقد تمت إعادة ضبط مهامها وتنظيمها الإداري والعلمي والمالي وطرق سيرها وفقا للأمر الحكومي عدد 792 المؤرخ في 20 أكتوبر 2020.
  8. مهدي العش. “حقوق المرضى” تحت رحمة اللوبيات القطاعية في تونس: إعادة مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية للجنة الصحة، موقع المفكرة القانونية، جانفي 2020.
انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تونس ، جائحة كورونا ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، قطاع خاص ، مؤسسات عامة