المصارف لا تطبّق تعميم “الدولار الطالبيّ” ولا القرارت القضائية: صبر الأهالي بدأ ينفذ


2020-12-18    |   

المصارف لا تطبّق تعميم “الدولار الطالبيّ” ولا القرارت القضائية: صبر الأهالي بدأ ينفذ
رسم رائد شرف

قبل يومين، طُرد طالب لبناني من جامعته في بيلاروسيا لعدم قدرة أهله على تحويل قسط الجامعة إليه بسبب حجز المصارف في لبنان على أموال المودعين، ومن بينهم الطلّاب في الخارج وذويهم. يضاف طرد هذا الطالب إلى إنذارات كثيرة تتكرّر من إدارات جامعات عدّة في الخارج وجّهت إلى الطلّاب اللبنانيّين العاجزين عن تسديد أقساطهم. ومع ذلك جاء ردّ رئيس مجلس النوّاب نبيه بري على النائبة بهية الحريري عندما سألته عن قانون الدولار الطلابي الرقم 193 الذي أقرّه مجلس النوّاب في 22 تشرين الأوّل 2020، حرفياً “شو أنا كمان بدّي إلحق تطبيق القانون”. ولم يشرح برّي للطلاب وأهاليهم كيف يشرّع مجلس النواب قانوناً يقضي بإلزام المصارف في لبنان بصرف مبلغ لا يتعدّى عشرة آلاف دولار وفق سعر الصرف الرسميّ للدولار للطلّاب اللبنانيّين الجامعيّين الذين يدرسون في الخارج قبل العام 2020-2021، من دون أن يضع آلية تطبيقية وبنوداً جزائية ترغم المصارف على الالتزام به وتطبيقه، وكأنّ التشريع هنا ليس إلا ذراً للرماد في العيون.

 ومع ذلك استبشر الأهالي خيراً في 9 كانون الأوّل 2020، حيث أصدر حاكم مصرف لبنان القرار 13297 المتعلّق بتطبيق أحكام القانون 193 من خلال استلام المصارف “طلبات التحويل من ذوي الطلّاب اللبنانيّين وتنفيذها وفقاً لأحكام القانون المذكور”، ولكن شهادات كثيرة جمعتها “المفكرة القانونية” من أهالي طلّاب لبنانيين في الخارج أكّدت عدم التزام المصارف بهذا القرار أيضاً.

بارقة أمل جديدة تعلّق بها ذوو الطلّاب في الخارج تمثلت بإصدار قاضي الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر في 15 كانون الأوّل الجاري، قراراً يقضي بتحويل 4 آلاف دولار (دولار طالبيّ على سعر 1517) من حساب محمّد غصين في فرع “فرنسبنك” في النبطيّة إلى حساب حفيده عبّاس الذي يدرس الطبّ في بيلاروسيا. ووضع مزهر غرامة 30 مليون ليرة عن كلّ يوم تأخّر للمصرف في التحويل. لدى والدة عبّاس، دجى غصين، وكالة على حسابات والدها بعد ما رفض المصرف تحويل المال من حساب الجدّ كونه غير مسؤول عن عبّاس. لم تكن هذه الحجّة الوحيدة التي تذرّع بها المصرف، فتحجّج “فرنسبنك” بأنّ العادة لم تجرِ أن تحوّل والدة عبّاس المال لابنها عبر المصرف، علما أنّها كانت تحوّل عبر شركة التحويل ويسترن يونيون western union لأنّ المصارف كانت ترفض التحويل سابقاً. فقدّمت غصين المستندات التي تثبت تحويل المال لابنها.

حملت غصين قرار القاضي مزهر وقصدت “فرنسبنك” لتحويل المال، لكنّ المصرف رفض تحويل أيّ مبلغ، ولم يوافق على قبول المال-الوديعة التي جاءت بها حتّى.

يقول وكيل غصين أحمد الديلاتي لـ”المفكّرة” إنّ المصرف رفض تنفيذ القرار وقدّم اعتراضاً على القرار أي طلب الأمر على عريضة، ورفض تنفيذه. والآن، سيقدّم الديلاتي جواباً على الاعتراض، إضافة إلى دعوى تصفية الغرامة الإكراهية، بانتظار حكم القاضي الذي يجب أن يستند إلى تعميم مصرف لبنان وقانون مجلس النواب وحقّ الشخص بملكيّة أمواله.

طالب يعيش على وجبة واحدة في اليوم

تقول والدة أحد الطلاب في بلجيكا أنّ أجوبة موظفي المصارف تأتي كـ”الرصاصة في قلوب الأهل” كما وصفت، “ما فيكي تحوّلي مدام من حسابك لإبنك حتى لو معك أوراق من جامعته هونيك”، كما نقلت كلام الموظف رداً على طلبها تحويل المال لابنها في إحدى جامعات بوردو في فرنسا، “منحوّلك إذا جبتي 10 آلاف دولار فريش ماني”، قال لها، وعندما سألته عن قرار حاكم مصرف لبنان أجابها “ما عنّا أيّ تعليمات جديدة إذا بدك راجعينا بعد شهر منشوف إذا تغيّر قرار البنك”.

تمضي السنة الثانية على وضع الطلّاب المتردّي في الخارج، ولا يزال الأهالي يقومون بتحرّكات ومحاولات تواصل مع المعنيّين في مجلس النوّاب والمصارف، بدون أيّ ردّ يتعدّى الوعود غير المحقّقة والمماطلة في التنفيذ. لجأ بعض الأهالي لقضاء الأمور المستعجلة وأتت الأحكام لصالحهم، ولكن تبقى العبرة في تطبيق القانون (أيّ التحويل لحدود 10 آلاف دولار أميركيّ)، وفي تنفيذ المصارف القرارات القضائية.

 ترفع لجنة أولياء الطلّاب اللبنانيّين في الخارج الصوت عبر”المفكّرة” لتتحدث عن حالات طرد لأبنائهم من الجامعات، أو تهديد بالطرد في حال لم يسدّدوا الأقساط. طلّاب آخرون أصبحوا في لبنان يتابعون تعليمهم عن بعد لأنّهم غير قادرين على العيش في بلاد الاغتراب. إحدى الطالبات في الخارج أصبحت تعيشُ بـ80 يورو في الشهر فقط، وتحسب كلّ شيء تشتريه هناك على سعر صرف الدولار في السوق السوداء في لبنان، لتعرف كم يكلّف أهلها. وطالب آخر يتناول وجبة طعام واحدة في اليوم لتوفير المال. وانتقل طلّاب كثر من سكن منفرد إلى السكن مع مجموعة من الأشخاص لتخفيض قيمة الأجر. وساد التوتر يوميات الأهاليٍ الذين تبوء محاولاتهم تحويل أموال إلى أبنائهم بالفشل، الأموال نفسها التي ادّخروها حتّى يؤمّنوا لهم تعليما جيّداً في ظلّ غلاء أقساط الجامعات الخاصة في لبنان.

الأهالي “عم يغلوا” ولا وعود بحلّ قريب

يقول رئيس جمعيّة أهالي الطلّاب في الخارج ربيع كنج لـ”المفكّرة” إنّ شيئاً لم يتغيّر من قبل المصارف برغم القانون ومن ثم قرار حاكم مصرف لبنان: “في مصارف عم تقول ما وصلها التعميم، وفي مصارف عم تقول ما في آليّة للتطبيق”. ويضيف أنّ قبول بعض المصارف طلبات تحويل الأموال ليس إلّا هروباً إلى الأمام، من دون أيّ تطبيق لاحق، بخاصّة أنّ عدداً من النوّاب صرّح بأنّ القانون لا يمكن أن يطبّق. “لا وعود من المعنّيين” يقول كنج، وذلك في ظلّ تنصّل المصارف من الالتزام بالقانون 193 الذي لا يتضمن آليّة للتطبيق.

يصف كنج مجموعات الأهالي على “واتساب” والتي تضمّ حوالي 1000 عائلة أنّها “عم تغلي”، فالأهالي يمتعضون من الحال الرديء الذي وصلوا إليه وينوي عدد كبير منهم “حرق المصارف وتكسيرها” لكثرة ما يستفزّهم تعاطيها معهم، وحجزها لأموالهم “سرقة ع عينك يا تاجر”، كما تقول والدة الطالب في بلجيكا.

المصارف سبب توتّر الأهل وغضبهم الأوّل

تصف هذه السيدة لـ”المفكّرة” تجربتها مع 3 مصارف ترفض تحويل المال إلى ابنها في بلجيكا “حسيّت حدا فتح الباب عليك بالقوّة، وسرق مصريّاتك وما فيك حتى تعيّط عليه”. فمثلا لم يعطِ بنك بيبلوس موعدا للوالدة حتّى تطلب تحويل المال رغم محاولتها لأكثر من ثلاث مرات، والحجّة هذه المرّة كانت تسكير الفرع بسبب الكورونا. وفي إحدى المرّات، كان جواب موظّف البنك لها “ما تحكيني قبل شهر”. ورفض المصرف لاحقاً تطبيق التعميم وطلبوا منها أن تأتي بأموال “فرش” fresh money حتّى تستطيع تحويلها.

أصيبت هذه الوالدة بنوبة توتّر “صار عندي بانيك آتاك”، يوم رفض المصرف التعاون معها بعد محاولات عديدة وطلبات لا تنتهي من أجل القبول بطلب تحويل المال. جمّدت تعويض نهاية خدمتها في المصرف بعد 25 سنة من العمل حتّى تؤمّن تعليم ابنها وابنتها، واستدانت حتّى لا تصرف من ذلك التعويض “قام سرقولي مصريّاتي وديوني بقيت بالدولار”.  

والآن أصبحت هذه الأمّ مضطرة إلى دفع ما لا يقلّ عن 200 دولار حتّى تترجم الأوراق المطلوبة، بدون أدنى أمل بأن يحوّل المصرف المال بعد تقديم الأوراق (والتي تشمل ورقة تثبت حاجة ابنها لمبلغ يفوق 10 آلاف دولار، وورقة الإيجار في الخارج، وورقة تأمينه الصحّي”. تقول الوالدة أنّه في حال رفض المصرف تحويل المال لابنها سترفع دعوى قضائية. أما في حال رفض تنفيذ قرار القاضي فإنّها لن تتوانى عن حرق المصرف “بدي جيب غالون بنزين وإحرق البنك وخلّيهم يفوّتوني عالحبس، وما رح فوت إلّا مع حرامية المصارف لي سرقوا مصرياتنا”.

المصرف “مرتاح” والطلّاب المغتربون يعانون

خلال السنة الماضية، حوّل المصرف 10 آلاف دولار لابنة حنان الموسوي في إسبانيا، بالرغم من أنّ قسطها السنوي هو 12 ألف يورو إضافة إلى بدل إيجار منزل (850 يورو شهريّاً)، عدا عن المصاريف اليوميّة، وفقاً للموسوي. ولم يسمح من بعدها بتحويل الأموال بحجّة تخطّي الحدّ المسموح به وهو 10 آلاف دولار. ولعدم قدرتها على الحصول على أموال أهلها، اضطرت ابنة حنان أن تغيّر سكنها 4 مرّات وتعيش في منزل يسكنه عدد كبير من الأشخاص، ومنزل آخر يسكنه مسنّان يعانيان من وضع نفسيّ خاصّ، وذلك  لتوفير المال وسداده للجامعة حتّى لا يتم ترحّيلها من إسبانيا. واضطرت الطالبة نفسها إلى العيش بمصروف لا يتعدّى 80 يورو في الشهر، وكانت إذا اشترت “بيتزا” بـ3 يورو، تفكّر أنّها تكلّف أهلها 40 ألف ليرة لبنانيّة بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار إلى 8200، واضطرار عائلتها تحويل الأموال على هذا السعر. ولم تستطع الطالبة الموسوي أن تعمل في إسبانيا بسبب إقفال البلاد بعد انتشار فيروس كورونا.

لدى عائلة الموسوي ابن آخر يدرس الطبّ في أذربيجان. عاد الأخير إلى لبنان ليتابع دراسته عن بعد، لعدم قدرة أهله تحويل الأموال إلى ولدين يدرسان في الخارج. وبهذا يصبح مستقبل ولدي الموسوي مهدّدان بسبب تعسّف المصارف وحجزها على أموال المودعين. وكلّ ذلك يحصل في ظلّ عدم اكتراث المصارف للقوانين والتعاميم والقرارات الصادرة عن مجلس النواب ومصرف لبنان وحتّى تهديدات الأهل برفع دعاوى أمام القضاء. فمثلاً حين هدّد الوالد الموسوي برفع دعوى قضائيّة كان جواب المصرف “ارفع دعوى وين المشكلة” وكأنّ المصرف “مرتاح نفسيّاً” بحسب تعبير الموسوي.  

الطلّاب المغتربون يترقّبون مستقبلهم المهدّد

الطلّاب في الخارج يتابعون يوميّات أهاليهم مع المصارف ليعرفوا مصيرهم في جامعاتهم من عدمه. وصرّحت ممثلّة تكتّل الطلّاب اللبنانيّين المغتربين صوفي اللّحّام  أنّ التكتّل اضطر أن يوقف تحرّكاته أمام سفارات لبنان في الخارج في ظلّ جائحة كورونا، بخاصّة أنّ الاتّصالات مع النوّاب والمعنيّين للضغط على المصارف لتحويل أموالهم لم تصل إلى أيّ نتيجة. إلّا أنّ طلاب التكتّل لم يوقفوا نشاطهم الإعلاميّ الذي يستثمرونه للضغط لمتابعة موضوع الدولار الطالبيّ، خاصّة بعد إقرار القانون في مجلس النوّاب.

وبالنسبة لحال الطلّاب، تقول اللحّام إنّ عدداً كبير منهم ترك مكان سكنه وذهب ليعيش مع 5 طلّاب آخرين على الأقلّ من أجل توفير المال، وإنّ عدداً آخر ترك جامعاته وعاد إلى لبنان رغماً عنه، فيما أنذرت جامعات عدة طلّاباً آخرين، وأعطتهم مهلة محدّدة لتسديد القسط وإلّا سيلقون مصير الشابّ الذي طرد من جامعته قبل يومين، لا لعدم حوزته على المال، بل لعدم قدرته على نقل أمواله من لبنان، بسبب سطوة القطاع المصرفيّ عليها.

هل يكون اللجوء الجماعي إلى القضاء هو الحل؟

قرار القاضي مزهر ليس القرار القضائيّ الأوّل الذي يصدره القاضي نفسه، فقبل شهر تقريباً، أصدر قراراً يقضي بإجبار البنك اللبنانيّ الفرنسيّ في النبطية تحويل مبلغ 5000 دولار من حساب حسن رمّال إلى ابنه الذي يدرس في الخارج، على أن يدفع المصرف غرامة 50 مليون ليرة عن كلّ يوم تأخير. نفّذ المصرف القرار، ويقول رمّال لـ”المفكّرة”: “لم يكن المصرف ليحوّل المال لولا الضغوط جرّاء القرار القضائيّ”.

ويبقى التوجّه الجماعيّ نحو القضاء أحد الخيارات القليلة المتبقية التي يضعها أهالي الطلّاب في الخارج نصب أعينهم، علّ تنفيذ القرارات القضائيّة يصبح سابقة يبنى عليها. ويتعاون الأهالي مع لجنة المحامين للدفاع عن المودعين للبحث في هذا الموضوع، وفقاً للجنة الأهالي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، الحق في الصحة والتعليم ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، قرارات قضائية ، قضاء ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، محاكم جزائية ، محاكم مدنية ، مساواة ، مصارف ، مقالات ، ملكية خاصة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *