المصارف المركزية بين الإستقلالية والمحاسبة الديمقراطية


2020-06-16    |   

المصارف المركزية بين الإستقلالية والمحاسبة الديمقراطية

توسّط مصرفُ لبنان مشهدَ الإنهيار المالي الذي استولى على البلاد على مدى الأشهر الماضية. وفي خضمِ تبادُل الاتهامات بين حاكمية المصرف وجهاتٍ سياسية واجتماعية متعددة حول مكامن المسؤوليةِ عن حالة الإنهيار هذه، تبلورتْ ظاهرتان أمستا من ثوابت النقاش الدائر في هذا المجال. أولاً، تمسُّك حاكم المصرف باستقلاليته المفترضة ورفض ما وصفه بالتدخّل السياسي غير المشروع في صلاحياته الحصرية. وثانياً، الغياب الكامل للشفافية في ممارسات المصرف، حيث باتت قراراته وحساباته مغلّفة بالسرية، حتى إزاء السلطتين التشريعية والتنفيذية. وعليه، اعتُبرت الخطة الإقتصادية الحكومية التي تسربت مسودتها الأولى في بدايات نيسان إنجازاً بارزا لمجرد كونها أول اعترافٍ رسمي بحجم الخسائر المحقَقَة على مدى السنوات الماضية، حسب تعليق الصحفي الاقتصادي محمد زبيب في ذلك الحين.

وكانت "المفكرة" قد تناولت من قبل في سلسلةِ مقالاتٍ تفاصيلَ إشكالياتٍ عدة متعلقة بممارسات المصرف، وهيكليته، وصلاحياته القانونية، ومدى مسؤوليته عن الأزمة الراهنة.[1][2][3] سنحاول هنا أن نضع النقاشَ القائم حول مصرف لبنان في إطارٍ تاريخي ومقارن كي نتمكن من تقييمِ الادّعاءات والاتهامات التي باتت تتقاذفها الأطراف المعنية. فهذه الادّعاءات تستدعي العودةَ إلى المبادئ الأولية التي تحكم ممارسات المصارف المركزية، وتطوّرِها التاريخي في البلدان المختلفة، والعلاقةِ بين استقلاليتها المؤسساتية من جهة، ومطالب المحاسبة الديمقراطية من جهة أخرى. وتناولُنا لهذه المبادئ وسياقها التاريخي يظهر لنا مكامنَ الخلل في البنية السياسية-المالية في لبنان ومعالمَ الإصلاح الضروري. ونهدف في نهاية المطاف إلى تبيان النقاط الآتية:

  • أولا، أنّ استقلالية المصارف المركزية لا بدّ من أن تقابلها آليات رقابية لضمان الشفافية والمحاسبة الديمقراطية،

  • ثانياً، أنّ تحديدَ نطاق صلاحيات المصارف المركزية إنما هو قرارٌ سياسيٌ مقرونٌ بتداعيات اجتماعية وسياسية واسعة، كما نرى عند تناولنا لتجارب المصارف المركزية الغربية والإشكاليات التي ترتبت على بعض ممارساتها،

  • وثالثاً، أنّ ظروفنا السياسية والإقتصادية المستجدة تستدعي إعادة النظر في موضوع تفويض المصارف المركزية ودورها بالعملية السياسية.

 

استقلالية المصارف المركزية: السياق التاريخي

شهدتْ المصارفُ المركزية تحوّلاتٍ واسعة على مدى العقود الماضية، تبعا للتحوّلات الحاصلة في دولها. فقد تأسس بعضها كشركات خاصة مع امتيازات حكومية قبل أن يتم تأميمها فيما بعد، حيث تمتعتْ بدرجاتٍ متفاوتة من حرية القرار حسب الظروف السياسية والإقتصادية القائمة في المراحل المختلفة.

إلا أن مبدأ الاستقلالية المؤسساتية للمصارف المركزية – بمعناه الحديث – نشأ في الإقتصادات المتقدمة في سبعينيات القرن الماضي، في خِضم الظاهرة التي سُميت بالركود التضخمي (stagflation). فقد عانَتْ هذه الإقتصادات من معدّل بطالة مرتفع إلى جانب تضخم اقتصادي خرج عن سيطرة السلطات الحكومية. وقدمت هذه الظاهرة لُغزاً مُحيّراً للدوائر الاقتصادية، إذ لطالما اعتبرتْ هذه الدوائر– بناءً على النظريات الأرثوذكسية السائدة في ذلك الحين – أن ثمة رابطا بين تخفيض نسبة البطالة وزيادة التضخم، أي أنه بوسع السلطات أن تقومَ بتحفيز الطلب الإجمالي في الاقتصاد من خلال الإنفاق الحكومي وخفض الفوائد وتوسُّع الكتلة النقدية – بما يؤدي بدوره إلى انخفاضِ معدّل البطالة – لكن على حساب تسارع تضخمِ الأسعار، والعكس كذلك. بصيغة أخرى، كان مفترضاً أنه توجد علاقة مضادة بين البطالة والتضخم، ما أدى إلى ارتباكٍ كاسح عندما ارتفع الإثنان سوياً ولم تستطع السلطات أن تسيطر على أيٍ منهما.

ووفق الرواية السائدة، برزَ إجماعٌ فيما بعد أنّ هذه العلاقة المضادة المفترضة بين التضخم والبطالة لم تكن دائمة، بل ارتهنت بوجود ثقةٍ عامة في مصداقية السلطات الاقتصادية لجهة إلتزامها بالسيطرة على إرتفاع الأسعار. مع مرور الوقت، برز شعورٌ عامّ بأن السّلطات غالبا ما تخلّ بهذا الإلتزام بفعل الحوافز السياسية-الإنتخابية لتخفيض البطالة في المدى القريب، ولو أدى الأمر إلى تسارع التضخم على المدى الأبعد. وقد استتبع هذا الأمر تثبيت توقّعٍ شبه دائم لدى العمّال والشركات بأن ارتفاع الأسعار سوف يستمر بالرغم عن تصريحات المسؤولين، ما دفعهم إلى إدراج هذا التوقّع في مفاوضاتهم على الأجور وفي تحديدهم للأسعار. مع ترسيخ هذا التوقّع، تلاشت العلاقة المفترضة بين البطالة والتضخم.[4]

رأت النُخَب الاقتصادية آنذاك أن الحل الأفضل لظاهرة الركود التضخمي يكمن في فصل السياسات النقدية الساعية إلى ضمان استقرار الأسعار عن القرارات والحسابات السياسية العابرة، كي تستعيد التزاماتُ السيطرةِ على التضخمِ مصداقيتَها وتعودُ بالتالي العلاقة المضادة المعهودة بين الظاهرتين. وتجسّدَ هذا الفصلُ في عزل الصلاحيات النقدية عن الخيار السياسي، أي في وضع ضمانات قانونية لاستقلالية المصارف المركزية في تحديد الفوائد المركزية والتحكم بالكتلة النقدية. وبالفعل، استطاعت السلطات الاقتصادية من خلال هذه الآليات وغيرها أن تسيطر في أوائل الثمانينيات على التضخُم المتصاعد بلا هوادة.

لكنْ تزامنت هذه السيطرة مع صعود النهج النيو-ليبرالي في ظل حكومات ريغن وثاتشر التسلطية. وقد استتبع هذا الأمر ثمناً اجتماعياً واقتصادياً باهظاً، وقع في غالبِه على عاتق العمّال والطبقات المهمشة. فقد أدت السياسات الاقتصادية والمالية المتّبعة إلى تجذّر البطالةِ والعمل غير المستقر (precarious employment)، وإضعافِ النقابات العمالية، وارتفاعٍ مدهش في التفاوت الاجتماعي الذي أمسى اليوم في قلب الأزمات العالمية المتعددة.

 

ما بين الاستقلالية والتفويض الديمقراطي

لم تأتِ استقلاليةُ المصارف المركزية إلا مرهونة بتفويضٍ قانوني دقيق لتحديد نطاق صلاحياتها وإخضاعها للرقابة الديمقراطية الشرعية، تفادياً لبروزِ سلطةٍ سياسيةٍ رابعة خارجة عن سيادة المواطنين. فالاستقلاليةُ والمحاسبةُ وَجهانِ لعملةٍ واحدة، كما تؤكد الورقةُ التي نشرها صندوق النقد الدولي تحت عنوان "الشفافية والمحاسبة والاستقلالية في المصارف المركزية".[5]

ويلحظ أنّ الشفافيةَ عنصرٌ أساسيٌ في ضمان محاسبة المصارف المركزية في وصفِها مؤسساتٍ عامةٍ تخضع لرقابة المشرِّع والمواطنين على حدٍّ سواء، بل إنها – أي الشفافية – بمثابة الجسرِ بين الإستقلالية والمحاسبة الديمقراطية. ومن أهم آليات الشفافية السائدة الآتية:

  • نشرُ مَحاضِر جلسات لجان المصرف

  • خضوعُ مسؤولي المصرف لأسئلة المشرِّعين المنتَخَبين

  • نشرُ تقاريرٍ تقنية مفصَّلة حول قراراته وتحليلاته

  • نشر حساباته علنياً بشكل منتظم

  • عقد اجتماعات منتظمة مع وزراء المال

  • عقد مؤتمرات صحفية مفتوحة

 

إلا أنّ الشفافيةَ وحدها ليست كافية لضمان تماشي الاستقلالية المؤسساتية مع مبادئ الشرعية الديمقراطية، بل يجب أن يكون تفويض المصرف المركزي ذاته خاضعا للعملية السياسية على المدى الأبعد، بمعنى أنه يجب تحديد نطاق صلاحياته ومسؤولياته بوضوح في تشريعاتٍ عامة. ويجب كذلك تحديد أهدافه الأساسية (كاستقرار الأسعار ضمن حدود محدّدة) إما في التشريعات ذاتها وإما في إرشاداتٍ حكومية منتظمة، كي تتماهى هذه الأهداف مع الأولويات الديمقراطية المتغيرة والرقابة المتجددة. وبناءً على هذه الأسس التشريعية، يحق للمصرف أن يتّبع السياسات الذي يراها ملائمة لتحقيق هذه الأهداف.

 

الإطار القانوني لبنك إنكلترا نموذجاً

يُعتبر بنكُ إنكلترا النموذجَ الأول والأهم للمصارف المركزية الحديثة، كونه تأسس في عام 1694 كي يكون بمثابة بنك الدولةِ الإنكليزية آنذاك. وحاز المصرف على استقلاليته المؤسساتية في العام 1997، حيث بات محكوماً بقانون بنك إنكلترا لعام 1998، الذي تعدّل تكراراً منذ إقراره.[6]

ويحددُ هذا القانون أنّ هدفَ البنك الأساسي في مجال السياسة النقدية هو الحفاظ على استقرار الأسعار، بينما هدفه الثانوي هو دعم سياسات الحكومةِ الاقتصادية – بما في ذلك أهدافها المتعلقة بالبطالة والنمو – شريطة ألا تتعارض هذه مع هدف استقرار الأسعار الذي له الأولوية. ويفرضُ القانونُ على وزارةِ المالية أن تقدّمَ سنوياً للبنكِ تعريفاً لمفهوم "استقرار الأسعار" كي يلتزم البنك بهذا التعريف، بالإضافة إلى مُلخّصٍ لسياسات الحكومة الاقتصادية. واعتبرتْ الحكومةُ في رسائلها المنتظمة للبنك على مدى السنين الأخيرة أن "استقرار الأسعار" يُعرّف على أنه تضخّم في الأسعار بمعدّل 2% سنوياً. ووفقاً لهذا القانون، على لجنة السياسة النقدية في البنك (Monetary Policy Committee) أن تعقد ثمانيةَ اجتماعاتٍ في كل عامٍ لتحديدِ سياساتها النقدية الساعية لتحقيق هذين الهدفين، اتّكالاً على الآليات والصلاحيات التي أُنيطت بالبنك وفق القانون ذاته. وبالتوازي مع إعلانها للقرارات المتّخذة، على اللجنة أن تنشر محاضرَ اجتماعاتها، والتحليلات والبيانات التي ارتكزت عليها، وأن تعقد مؤتمراً صحفياً كي تبرّر وتفسّر سياساتها وتُفسح مجالاً لأسئلة الصحفيين. ويخضع أعضاء اللجنة كذلك لرقابة اللجنة المالية في مجلس النواب، إذ من مسؤولياتهم الأساسية تقديمُ تقاريرٍ منتظمة للجنة، والحضور أمامها للخضوع لأسئلة أعضائها المنتَخبين. بالمقابل، لا يحق للحكومة أو لأعضاء مجلس النواب أن يتدخلوا في قرارات اللجنة المتعلقة بالسياسة النقدية. ويتضمن القانون ضمانات قاطعة لاستقلالية أعضاء لجنة السياسة النقدية في اتخاذ القرارات اللازمة في هذا المجال.

وبعد أزمة 2008-2009 المالية، تم تعديل قانون بنك إنكلترا ليتم إنشاء لجنة الاستقرار المالي (Financial Policy Committee)، وأنيطَ بها مسؤوليات وصلاحيات متعلقة بالحفاظ على استقرار القطاع المصرفي ككل من خلال تحديد المخاطر البنيوية (systemic risks) في القطاع المصرفي والتصدي لها – تفاديا لحدوث انهيارٍ شبيهٍ بانهيار عام 2008. ووُضع إطار قانوني موازٍ للإطار القائم في مجال السياسة النقدية ليحكم نشاطات ومسؤوليات هذه اللجنة.

يتبين جلياً من النبذة المبسّطة التي تقدمت أن قانون بنك إنكلترا، كما في حال معظم المصارف المركزية الحديثة، يهدف إلى تحقيقِ توازنٍ ما بين الإستقلالية المؤسساتية من جهة ومطالب المحاسبة الديمقراطية من جهة أخرى، حيث تؤدي آلياتُ الشفافية والرقابة التشريعية دورَ الجسر بين هذين الهدفين.

بالمقابل، رأينا مؤخراً في لبنان أنّ حاكمية المصرف المركزي تُطلق شعاراتٍ رنّانة حول استقلاليتها وحريتها المطلقة في تحديد السياسات النقدية، من دون أن تخضع للحد الأدنى من متطلبات الشفافية والمحاسبة والرقابة الديمقراطية الشرعية. بل على العكس تماماً، أصبح المصرف جزءاً لا يتجزأ من تركيبة الأوليغارشية الحاكمة بتواطئها مع جمعية المصارف والزعامات الطائفية والسفارات الأجنبية.

 

نحو مرحلة جديدة في علاقة المصارف المركزية مع العملية السياسة؟

لكنْ حتى هذا التوازن المُفترَض الذي أشرنا إليه في صدد استعراضنا للمعايير الدولية ونموذج بنك إنكلترا يجب ألا نعتبره مثالياً، وقد لا يتطابق مع الحالة الإقتصادية العالمية ومستجِدّاتها على مدى السنين الأخيرة. فمن المؤكد أنّ عالمَ ما بعد أزمة 2008 ليس كما قبله، وكأنّ ذلك التحوّل لم يكن كافياً، أتت أزمة الكورونا مؤخراً لتحلّل المزيد من البديهيّات والمسلَّمات الاقتصادية والسياسية السائدة ولتبدّل تصوّراتنا الجماعية للمستقبل بشكل غير مسبوق.

لم يعد الركود التضخمي المعضلةَ الأساسية التي يواجهها المسؤولون الإقتصاديون اليوم. بل على العكس تماماً، تحوّلت المخاوف الإقتصادية من مخاطر التضخم المتصاعد الذي عصف بالعالم في سبعينيات القرن الماضي إلى مخاطر الإنكماش المالي وانحسار الأسعار (deflation)، وضُعف الطلب الإجمالي، وعدم الإستقرار البنيوي (structural instability) في الأسواق المالية.

وترتّبَ على هذا التحولِ تحولٌ ثانٍ في نشاطات المصارف المركزية التي بالمجمل لم تعد معنية بالتضييق على السياسات المالية والإقتصادية التوسعية بل باتت اللاعب الأهم في تحفيز الطلب الإجمالي وضمان استقرار القطاعات المالية. وانعكس هذا التحوّل بدوره في ترسانة هذه المصارف التي أقدمت في خضم هذه الأزمات على سياسات جريئة جديدة وأطلقت آليات مستجدّة في محاولةٍ للتكيّف مع الظروف الاقتصادية المتغيَّرة. ومن أبرز هذه الآليات برامج شراء الأصول من أموال جديدة على مستوى غير مسبوق (Quantitative Easing)، والإقبال على الفوائد السلبية (Negative Interest Rates)، وإنشاء خطوط السيولة المبادلة (Credit Swap Lines) لتبادل العملات بين المصارف المركزية (وتحديداً في حالة الإحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة الذي مدّ العديد من نظرائه في أوروبا وغيرها مليارات الدولارات لتفادي الإنهيار المالي في اقتصاداتها التي راكمت ديوناً مقوّمة بالدولار من دون أن يكون لها الإحتياطات اللازمة).

والأرجح أن هذه الآليات البراغماتية المستجدّة أنقذت الإقتصاد العالمي من هاوية الهبوط الحرّ في أزمة 2008، خصوصاً في ظل تردّد بعض الحكومات في اتّخاذ السياسات الجريئة اللازمة لتفادي الإنهيار الصاعق. وقد حصل هذا الأمر رغم أن طبيعة عمل المصارف المركزية وصلاحياتها المحدودة قيّدت قدرتها على التحكم بتوزيع الخسائر المحققة – الأمر الذي يقع بطبيعة الحال على عاتق الحكومات والسلطات السياسية الخاضعة للعملية الديمقراطية – مما أدى إلى اتهامات مشروعة بأن الرد السياسي-الاقتصادي أتى وِفق معادلة "خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر".

لكنْ، وكما يشير آدم توز، الأستاذ البارز في التاريخ الاقتصادي في جامعة كولمبيا في نيويورك، هذه التحوّلات في أنشطة المصارف المركزية – التي أتت وليدة الأزمات وحالات طوارئ معمّمة – إنما هي مقرونة بتداعيات واسعة النطاق مما بدّل مكانة هذه المؤسسات في التركيبة السياسية-الاقتصادية السائدة وأحدث نقاشاً سياسياً لافتاً حول مسؤوليات ومهام المصارف المركزية.[7] نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض عناوين هذه التداعيات – والنقاشات التي أبرزتها – كي نطرح تساؤلاً حول ضرورة إعادة النظر في المعادلة الموروثة من مرحلة الركود التضخمي، سواءً في الاقتصادات الكبرى أو في لبنان الذي لم يعرف يوماً الشفافيةَ أصلاً.

أولاً، طرحتْ مشاريع شراء الأصول التي أقبلت عليها المصارف المركزية منذ عام 2008 عدة إشكالياتْ حول عواقبها السياسية والاجتماعية المحتملة على عدة أصعدة. فارتكزت هذه البرامج إجمالاً على شراء سندات خزينة الدولة (ولو في السوق الثانوي)، مما له تداعيات على قدرة الدولة على الإقتراض وبالتالي على خياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وأدّى إلى اتهامات من قِبل بعض المحافظين والنيو-ليبراليين مفادها أن المصارف المركزية قامت فعلياً بالتمويل المباشر للحكومات على عكس الأصول المحافِظة الأرثوذكسية (monetary financing).  

وبالتوازي، قد يكون لهذه البرامج تداعيات واسعة على صعيد التفاوت الاجتماعي، إذ يجادل البعض بأنها عمّقت الهوّة الاقتصادية بين طبقة أصحاب رؤوس الأموال وطبقة العمّال، لأنها ترتكز على ارتفاع أسعار الأصول المالية بهدف تخفيض الفوائد وتحفيز الطلب الإجمالي، الأمر الذي يُعتبر بمثابة دعمٍ مصطنعٍ لقيمة هذه الأصول وبالتالي لثروات أصحاب رؤوس الأموال، دون أن يوازيها أيُ ارتفاع ملحوظ في الأجور. ونستشف هنا بعض نِقاط التشابه مع "الهندسات المالية" في لبنان، التي راكمت أرباحا طائلة لدى أصحاب المصارف ورؤوس الأموال والآن يبدو أن ثمنها سوف يقع على عاتق عامة الشعب من خلال السياسات التقشفية وتأميم الخسائر.

وصلَ النقاشُ الدائر في هذا المجال ذروتَه مؤخراً مع صدور حكم للمحكمة الدستورية الألمانية التي رأت أن برنامج البنك المركزي الأوروبي لشراء الأصول تجاوز صلاحياته في تحديد السياسة النقدية ليدخل البنكُ مجالَ السياسةِ الاقتصادية الذي يُفترض أن تقع ضمن صلاحيات السلطات السياسية الحصرية.[8] وبالرغم من أن تمييزَ المحكمةِ بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية إنما هو مصطنع وأتى تلبيةً لهواجس المحافظين الألمان – إذ يعتمد مفعول آليات السياسة النقدية على تفاعُلها مع الاقتصاد المنتِج وبالتالي مع السياسة الاقتصادية – إلا أن الحكمَ لفت الأنظار إلى توسّع نطاق أنشطة المصارف المركزية في الآونة الأخيرة وضرورة إعادة النظر بتفويضها ومكانها بالعملية الديمقراطية، كما يؤكد توز. أحدثَ حكمُ المحكمة الألمانية أزمةً دستورية في نظام الإتحاد الأوروبي، إذ اعتُبر هجوماً على صلاحيات المحكمة الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي، لكنه قد يشكل رغم ذلك منعطفاً هامّاً في تطوّر هذه التركيبة الدستورية، من خلال دفع السلطات الوطنية إلى إيجاد حلول سياسية للأزمة الأوروبية، بدل التهرّب من المسؤولية وإلقاء العبء الأكبر على عاتق البنك المركزي الذي يفتقد الصلاحيات والإمكانات اللازمة للتصدي الفعّال لهذه الأزمة القائمة منذ سنين.

ثانياً، برز في السنوات الأخيرة طابعٌ جيو-سياسي واضح في ممارسات المصارف المركزية، وخصوصاً في حالة الإحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي. وتقدِّمُ مسألة خطوط السيولة المبادلة خيرَ دليل على ذلك، إذ وجد الاحتياطي نفسه في عام 2008 ومجدداً في ظل أزمة الكورونا في موضع مقرر مصائر دولٍ وقارات بأكملها في عالمنا المدولر. باتت الديون المقوّمة بالدولار من أركان الإقتصاد العالمي، بحيث أصبحت قدرةُ دولةٍ ما للحصول على السيولة بالدولار من أهم عوامل النجاح في التصدي الفعّال للأزمات المالية. وهذا بدوره يطرح سؤالاً أساسياً ألا وهو: إلى من تُمدّ خطوط السيولة هذه؟ وهذا السؤال سياسيٌ بامتياز، إذ لا يتوهم أحد بأن روسيا والصين مثلا قد يحق لهما أن تستفيدا مباشرة من هكذا خطوط، بل عليهما أن تكوّما احتياطات ضخمة بالعملات الأجنبية، على عكس حال بنك إنكلترا والبنك المركزي الأوروبي. ومن نافل القول إن لبنان لن يرى شيئاً من هذه الخطوط، بل عليه التوجه نحو صندوق النقد الدولي (أو ربما دول الشرق الكبرى) إنْ أراد الحصول على العملة الصعبة. تحملُ تجربةُ المجرِ دلالةً واضحة في هذا المجال، حيث قرر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في العام 2008 ألا يمدّ البنك المركزي الهنغاري بالدولارات عن طريق هذه الخطوط، مما أدى إلى تعميق أزمتها الاقتصادية وساهم في نهاية المطاف – حسب تأويلات البعض – في إيجاد بيئة خصبة لصعود فيكتور أوربان وانزلاق البلاد التدريجي للديكتاتورية شبه الفاشية.[9] وعاد الموضوع ذاته للصحف مؤخرا عندما تطرق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موضوع خطوط السيولة المبادلة في مكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي، دونما جدوى حتى الآن. لا بد من التساؤل هنا إذا ما كانت هذه السلطة فعلاً خاضعة لقرارات تكنوقراطية تُتّخذ في مصارف مركزية منعزلة عن التخبطات الجيوسياسية العالمية.

 

خاتمة

تزامنت أزمةُ مصرف لبنان مع بروز تحوّلات واسعة في أنشطة المصارف المركزية في العالم ككل في ظل الأزمات المالية المتعاقبة. وتطرح هذه التحوّلات أسئلة ملّحة حول مكانة المصارف المركزية في التركيبة الدستورية الحديثة وتفويضها الديمقراطي.

لم نعُدْ في عالم الركود التضخمي الذي ساد في السبعينيات، واختلّ التوازن المؤسساتي الموروث من تلك المرحلة في ظروفنا المستجدّة. يجب بالتالي أن نعيد النظر في المعادلة الموروثة والعلاقة بين السلطات السياسية والمصارف المركزية. لا بدّ في هذا السياق من الإصرار على الشفافية التامة والمحاسبة الفعّالة لممارسات المصارف المركزية مقابل منحها الإستقلالية في صياغة السياسة النقدية. لكنْ يجب كذلك أن تستعيد السلطات السياسية دورَها في وضع السياسات الاقتصادية للتصدي للأزمات المتراكمة، بدلَ التهرُّب من مسؤولياتها وقذفِها على المصارف المركزية التي لا تمتلك الصلاحيات اللازمة ولا الشرعية الديمقراطية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة.

انقرضَ عصرُ "السياسة التكنوقراطية" والاتّكال على "الخبراء" لاتخاذ القرارات بعيداً عن الخيارات السياسية "الصعبة". في عالمنا المتحوَّل والمتحوِّل، لا بد من إعادة إحياء الديمقراطية الحيوية القائمة على المنافسة بين برامجَ ورؤًى سياسيّةٍ مختلفة، وتصوّراتٍ متضاربة لمستقبلنا الجماعي وبنيتنا الاقتصادية والاجتماعية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أميركا الشمالية ، أوروبا ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *