المستجدات القضائية في الأردن، 2014 (1)


2015-04-29    |   

المستجدات القضائية في الأردن، 2014 (1)

نتناول في هذا التقرير أبرز ما دار حول القضاء في الاردن من احداث وتطورات خلال العام 2014 وما له صلة بذلك في الاعوام القليلة الماضية لضرورات ربط الأحداث ببعضها البعض. ولعل السمة الغالبة للتطور على الصعيد القضائي في الاردن هو التعديلات التشريعية التي طالت الجهاز القضائي الاردني بكل صوره سواء النظامي او الخاص او الشرعي كاستحقاق للتعديلات الدستورية عام 2011. وسنقسم هذا التقرير الى اربعة اقسام رئيسة وعلى النحو التالي: (1) التحركات الجماعية للقضاة في حال حصولها؛ (2) اصلاحات قضائية تنزيلا للتعديلات الدستورية و(3) وزارة العدل الحاضر الغائب في الاصلاحات القضائية و(4)نماذج من احكام وقرارت المحاكم الاردنية لعام 2014. بقي أن نشير أن هذا التقرير ينشر بالتعاون مع سفارة مملكة النروج في لبنان (المحرر).

القسم الأول: حراك القضاة
لم يكن حراك القضاة في الاردن لعام 2014 بمعزل عن حراكه في السنوات القليلة الماضية. فقد بدأت بوادر حراك قضائي منظم مع بدايات ثورات الربيع العربي التي سرعان ما امتدت للاردن مطلع عام 2011.[1]وترافق ذلك مع علاقة موتورة بين الجسم القضائي ووزارة العدل، فاعطى ذلك جرعة من الثقة للقضاة للاستمرار والضغط بشكل أكبر لتلبية مطالبهم المعنوية المتمثلة باستقلال حقيقي وتام للسلطة القضائية والقضاة بعيدا عن تدخلات وتأثيرات السلطة التنفيذية، وكذلك الحال مطالبهم المادية المتمثلة بمزايا خدماتية ومطالب معيشية.

وبدأ حراك القضاة في الاردن خلال تلك الفترة على شكل تجمعات ولقاءات لقضاة اغلبهم من الشباب حملوا على عاتقهم ايصال رسالة بمطالبهم الى الجهات المعنية. فشكلوا لجانا تسير وتنظم عملهم وجهودهم وتتابع مطالبهم. فقد عقد بتاريخ 12- 3- 2011 في قاعة المرحوم القاضي الى الوزني اجتماع[2] مهم جمع أكثر من (120) قاضيا برئيس المجلس القضائي رئيس محكمة التمييز راتب الوزني واثنين من اعضاء المجلس القضائي.وقد حددوا خلاله خمسة مطالب رئيسية تحت بندين مهمين هما (هموم ومطالب القضاة وعلاقة الرئيس بمرؤسيه، ومطالب تتعلق باستقلال القضاء).وقد تم اعلان هذه المطالب في بيانتلاه المدعي العام القاضي محمد عبد الرحمن العدوانوقد تمحورت حول:
 
أولا: تعديلات على قانون استقلال القضاء:

أ‌- تعديل المادة  16/ ب من قانون الاستقلال والتي تتحدث عن انهاء خدمات اي قاضٍ دون ابداء الاسباب.

ب‌- تعديل المادة  23/ أ من قانون الاستقلال والتي تعطي لرئيس المجلس القضائي صلاحية انتداب اي قاض لاي محكمة نظامية او يتولى احد الوظائف فيها.

ج- تعديل المادة 41 من قانون استقلال القضاء والتي تنص على ان يكون جهاز التفتيش القضائي تابعا لوزير العدل، مطالبين أن تتبع للمجلس القضائي.

د- تعديل المادة المتعلقة بشروط تعيين رئيس المجلس القضائي والتي تجيز لمن أمضى 20 عاما في القضاء أو المحاماة  ان يتولى رئاسة المجلس القضائي. وطالب القضاة ان يتم تعديل المادة بحيث يصبح الشرط المطلوب للتعيين في هذا المنصب مضاء 25 عاما في المحاماة  والقضاء من بينها 20 عاما في القضاء.

ثانيا: تعديل نظام التأمين الصحي بحيث يكون تأمينا شاملا يليق بكرامة القاضي.

ثالثا: تعميم المكرمه الملكيه السامية لابناء القضاة حين انتسابهم للجامعات الأردنية اسوة بابناء التربيه والتعليم والاجهزه العسكرية.

رابعا: انشاء نادٍ اجتماعي للقضاة يكون ملتقى دائما لهم حفظا لكرامتهم.

خامسا: وضع آلية للدورات الداخلية والخارجية ووضع آلية للقضاة باعطاء المحاضرات علما بأن جميع القضاة هم اهل خبرة في مجال القانون حيث أنه احيانا يقوم أعضاء مستجدون باعطاء المحاضرات.

وانتخب القضاة لجنة تنسيق بين القضاة والمجلس القضائي لمتابعة المطالب.وقد وعد الوزني  بتحقيق معظم المطالب التي ضمنوها المذكرة وبشكل خاص المادة 16، مؤكدا ان المجلس القضائي خاطب مجلس الأمة لتعديل هذه المادة بحيث تحاط عملية انهاء خدمات القاضي بكل الضمانات الممكنة.

وعلى اثر ذلك، تبنى المجلس القضائي في قرار صادر عنه في 17-3-2011 عددا من مطالب القضاة الخاصة بتعديل المادة 16 من قانون استقلال القضاء والغاء حق المجلس بانهاء خدمة القاضي ومطالب أخرى كشف عنها القرار الصادر عن المجلس.كما وجد المجلس انه من الضروري ان يكون جهاز التفتيش تابعا للمجلس القضائي وليس لوزير العدل بالرغم من ان تبعية جهاز التفتيش لوزير العدل هي تبعية رمزية وشكلية ولم تؤثر هذه التبعية على استقلال هذا الجهاز وعمله.كما تمنى المجلس ان تتوسع المكرمة الملكية السامية بالنسبة لابناء القضاة لتشمل جميع أبناء القضاة وعددهم عادة قليل. وأشار القرار أنه تم توزيع أراض على القضاة في السنوات السابقة بموجب مكرمة ملكية سامية وقد تم تعيين 3 دفعات من القضاة بعد ذلك ولم يتم توزيع قطع أراض عليهم، متمنيا تخصيص هؤلاء بأراضي في مواقع معقولة.وأشار القرار أنه أصبح من الضروري انشاء نادي اجتماعي للقضاة بعد ان اصبح عددهم يتجاوز 800 قاضيا لان في ذلك حفظ لكرامتهم وصون لعلاقاتهم الاجتماعية وذلك بان يتم اقامة بناء مستقل على ارض واسعة تملكها او تتملكها وزارة العدل[3].

ولم يكن هذا الاجتماع الاخير بل استمرت اللقاءات والمشاورات بين القضاة وظلت العلاقة بين مد وجزر بين القضاة والمجلس القضائي من جهة وبين القضاة والسلطة التنفيذية من جهة اخرى حول مطالب القضاة. وظلّ النقاش حول قانون استقلال القضاء يرواح مكانه طوال ثلاث سنوات الى أن رأى النور في الثلث الأخير من عام 2014 مع انقضاء المهلة الدستورية لاصدار التشريعات التي استدعتها التعديلات الدستورية عام 2011. الا ان اصدار هذا القانون قد سبقه حراك قضائي واسع للضغط بكل الاتجاهات للاستجابة لمطالب القضاة. فعلاوة على الاجتماعات الحاشدة للقضاء والتوجه للمجلس القضائي اتجه القضاة غير مرة للنواب لاقناعهم بعدالة مطالبهم وضرورتها لضمان وتعزيز استقلال القضاة والسلطة القضائية .
ومع قرب اقرار قانون استقلال القضاء الذي ارسلته الحكومة لمجلس النواب،عقد قضاة في قصر العدل بعمان في 15-4-2014 اجتماعا حاشدا ضم ما يقارب مائتي قاضياً من محاكم عمان.وعبر القضاة خلاله عن سخطهم واحتجاجهم على مشروع قانون استقلال القضاء الذي اعدته الحكومة وارسلته الى مجلس الامة مؤخرا. وقد ألقى عدد من القضاة كلمات بينوا فيها مطالب القانون واجمعوا أنه رغم بعض الايجابيات الواردة فيه الا أنه لا يلبي الحد الادنى من مطالب القضاة وطموحاتهم لاقامة سلطة قضائية مستقلة ومستقرة وظيفيا.وقد ترأس الاجتماع أقدم الحاضرين درجة وهو القاضي الاستئنافي حسان العمايرة.وقرر المجتمعون تشكيل لجنة من بينهم تكون مهمتها تدوين وجمع ملاحظات القضاة على مشروع القانون ومحاورة النواب والاعيان لتعديل النصوص بما يحقق الاستقلالية والامن الوظيفي والمعاشي لأعضاء السلطة القضائية, وستعقد لجنة المتابعة اجتماعات متتالية لمواصلة مهمتها.وتكونت اللجنة برئاسة القاضي حسان العمايرة وعضوية القضاة السادة والسيدات كل من: حسان المجالي، راتب الطعاني، نهار الغزو،بلال الساكت، مأمون الراميني، طارق الرشيد، نضال المومني، سلمان الهواوشه، رامي الطراونه، محمد العدوان، هناء أبو حمدية وايمان العزام.ومن جانب آخر قال محامون في قصر العدل أن مشروع قانون استقلال القضاء الذي أعدته الحكومة استفزّ القضاة وخيب أمالهم ودفعهم للتحرك الجماعي للمطالبة بحقوقهم وهو أمر غير معتاد في السلطة القضائية التي دأب أعضاؤها على المطالبة بحصانة القضاء واستقلاله المالي والاداري في الجلسات المغلقة بعيدا عن الاجتماعات الموسعة والاعلام وأضافوا أنه يبدو أن القضاة اقتنعوا أنه لم يعد السكوت مجديا فقرروا رفع صوتهم والتحرك في العلن[4] .وعلى اثر هذه التحركات والاجتماعات، تم تشكيل لجنة قضائية للنظر في مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة قبل عرضه على مجلس النواب واقراره. وقد اقترحت اللجنة القضائية المكلفة بدراسة مشروع قانون استقلال القضاءفي نهاية شهر ايار 2014[5] توسيع صلاحيات المجلس القضائي وزيادة امتيازات القضاة، على نحو أثار ردود فعل متباينة. ووصلت مقترحات اللجنة بخصوص مشروع قانون استقلال القضاء، الذي أسمته "قانون السلطة القضائية"، إلى مجلس النواب لدراستها ضمن المشروع الحكومي.

وأثار المشروع الحكومي احتجاجات القضاة، إثر نصه على المسؤولية المدنية للقاضي في حال "وقع منه غش في عمله أو تدليس أو خطأ مهني جسيم" تعويضاً مدنياً للمتضرر. فأوصت اللجنة القضائية في مقترحاتها بإلغاء هذا النص.

لكن التوصيات القضائية أثارت الجدل بدورها.فقد أفادت مصادر قانونية نيابية بأن بعضها مخالف لمواد دستورية، في حين اعتبر عاملون في السلك القضائي هذه المقترحات "ضرورية" لتكفل الحياة الكريمة لأعضاء السلطة القضائية وضمان استقلالهم. فقد تضمنت التوصيات أن تتم مراجعة رواتب القضاة مرة على الأقل كل خمس سنوات مع ربطها بنسبة التضخم السنوي.وأوصت اللجنة أيضاً بتخصيص منح وبعثات دراسية في الجامعات الرسمية لأبناء القضاة العاملين والمتقاعدين، فضلاً عن توصيتها بإصدار نظامي انتقال وسفر، وتأمين صحي خاصين بالقضاة.وأثارت توصية اللجنة بإعفاءات جمركية للقضاة، مساحة واسعة من النقاش والجدل في صفوف الحكومة والنواب المختصين. وقالت توصية اللجنة في هذا الخصوص إن "للقاضي الذي أمضى مدة ثلاث سنوات في الخدمة القضائية والقاضي المتقاعد اقتناء مركبة لاستعماله الشخصي، معفاة من الرسوم الجمركية والضريبة العامة على المبيعات والضريبة الخاصة ورسوم طوابع الواردات وأي رسوم أو ضرائب أخرى، على أن تحدد أسس وفئات الإعفاء وشروطه واستبدال المركبة، بنظام خاص يصدر لهذه الغاية". وبينما أوصت اللجنة بإضافة عقوبة "الحسم من الراتب" إلى العقوبات التأديبية، اقترحت صرف كافة المستحقات المالية للقاضي الذي تكف يده عن العمل.ونصت التوصيات على رفع اقتطاعات حساب القضاة إلى 20% من رسوم الدعاوى والطلبات والاجراءات القضائية أو التنفيذية، بدلاً من 7%، ورفع اقطاعات حساب أعوان القضاء إلى 30% من الغرامات المحكوم بها لصالح خزينة الدولة بدلاً من 20%. وطالبت اللجنة بزيادة أيام الإجازة السنوية للقضاة من 30 إلى 45 يوماً.

وحسب التوصيات، "تمنح الزيادة السنوية (للقاضي) حكماً" بدلاً من أن تمنح بقرار من رئيس المجلس القضائي.واقترحت اللجنة إلزامية ترفيع القاضي إلى درجة أعلى بمرور 3 سنوات على حلوله في درجته الحالية، وذلك بدلاً من أن يكون الترفيع غير جائز إلا بانقضاء السنوات الثلاث. ولفتت توصية اللجنة المتعلقة بالترفيع بـ"أثر رجعي" مع المستحقات نظر المتابعين، حيث قالت إنه إذا تعذر الترفيع الحتمي بعد 3 سنوات، يصار إلى ترفيع القاضي "بأثر رجعي على أن تصرف له كافة مستحقاته من تاريخ استحقاقه الدرجة". ويثير مبدأ "الأثر الرجعي" جدلاً دستورياً، حيث يؤكد خبراء دستوريون أن الأصل في التشريعات سريانها بأثر فوري، في حين أن الأثر الرجعي أمر يخالف الدستور. إلى ذلك، أوصت اللجنة بأن "يمارس المجلس (القضائي) صلاحيات مجلس الوزراء ويمارس (رئيس المجلس) صلاحيات رئيس الوزراء والوزير المختص في إصدار الأنظمة والتعليمات اللازمة لغايات تطبيق أحكام هذا القانون". ويؤكد قانونيون أنه لا يجوز لأي جهة تولي صلاحيات مجلس الوزراء المنصوص عليها في الدستور.

ونصت التوصيات على تخويل المجلس القضائي بإعداد التشريعات المتعلقة بالقضاء والنيابة العامة والمحامي العام المدني، وإلزام الحكومة بالأخذ برأيه بهذا الخصوص، وإرسال مقترحاته إلى البرلمان، دون تعديل عليها.كما اقترحت اللجنة النص على عدم ملاحقة القاضي عن أية شكوى جزائية، تتعلق أو لا تتعلق بطبيعة وظيفته، إلا بإذن من المجلس القضائي، في حين أن المشروع الحكومي ينص على ذلك بخصوص الشكاوى المتعلقة بوظيفة القاضي فحسب.
 



[1] انظر تقرير د.حمدي القبيلات  بعنوان " القضاء الاردني في زمن الحراك العربي 2011 – 2013 " منشور في المفكرة القانونية ، http://www.legal-agenda.com/reportsarticle.php?id=242&folder=reports&lang=ar
انشر المقال

متوفر خلال:

الأردن ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *