المساواة للعسكر في مباشرة الحقوق السياسية في مصر


2013-06-11    |   

المساواة للعسكر في مباشرة الحقوق السياسية في مصر

أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارها بشأن مشروع قانون مباشرة الحقوق السياسية الذي أقره مبدئيًا مجلس الشورى، ذلك لأن الدستور المصري ولأول مرة يوجب عرض مشروعات القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية وللانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية قبل إصدارها لتقرر مدى مطابقتها للدستور، ومن ثم لا تخضع مشروعات تلك القوانين للرقابة اللاحقة.
أن هذا القرار اشتمل على رد المحكمة الدستورية العليا على المواد المقترحة في قانون مباشرة الحقوق السياسية، إلا أننا نخصص هذا المقال لمسألة شائكة في الحياة السياسية المصرية، هي مدى أحقية ضباط وأفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة في مباشرة حقوقهم السياسية.
فقد ارتأت المحكمة بأن إعفاء هذه الفئة من مباشرة هذه الحقوق أمر مخالف للدستور وتحديدا للمادة (6) من الدستور ومفادها أن النظام السياسي يقوم "على مبادئ الديمقراطية والشورى والمواطنة التي تسوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات العامة"، والمادة (33) ومفادها أن "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك"، والمادة (55) ومفادها أن "مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاء، وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق".
أن هذه النصوص الدستورية مفادها –بحسب تفسير المحكمة- أن تحقيق السيادة للشعب، لا يتأتى إلا من خلال كفالة حق المواطنين جميعًا في انتخاب قادتهم وممثليهم في إدارة دفة الحكم، متى توافرت فيهم شروط الانتخاب، ويكون لكل مواطن حق إبداء الرأي في كافة الانتخابات والاستفتاءات، ومن ثم لا يجوز حرمان أي مواطن من ممارسة هذا الحق الدستوري إلا إذا حال بينه وبين ممارسته مبرر موضوعي (مؤقت أو دائم)، يرتد في أساسه إلي طبيعة حق الاقتراع وما يقتضيه من متطلبات –كبلوغ سن معينة تؤهله لتقدير اختياراته، وألا يكون مصابًا بعاهة ذهنية تفقده هذه القدرة، كما أن حق المواطنة يستلزم المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة، ولا يجوز تقيده أو الانتقاص منه إلا لمبرر موضوعي يتطلبه ولا يشكل في حد ذاته مخالفة دستورية، كما أن الدستور كفل للمواطنين الحق في العمل وتقلد الوظائف، ومن ثم يكون حرمان ضباط وأفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة من مباشرة حقوقهم السياسية طوال مدة خدمتهم بسبب أدائهم لهذه الوظائف، رغم أهليتهم لمباشرتها، ينطوي على انتقاص من السيادة الشعبية، وإهدار لمبدأ المواطنة الذي يفترض المساواة بين المواطنين كافة، كما أنه يؤدي إلى حرمان هذه الطائفة من المشاركة في الحياة العامة كواجب وطني.
وقد أثار هذا الحكم جدلًا واسعًا من جانب تيار الإسلام السياسي، باعتبار أن هذا القرار سيسمح لهذه الطائفة –تحديدًا القوات المسلحة- من التدخل في الحياة السياسية بالمخالفة للبند (8) من ديباجة الدستور التي تقرر أن "الدفاع عن الوطن شرف وواجب، وقواتنا المسلحة مؤسسة وطنية محترفة محايدة لا تتدخل في الشأن السياسي، وهي درع البلاد الواقي"، كما أن هذا الحق لم يكن مخولًا لهذه الطائفة في ظل دستور 1971، هذا بالإضافة إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى تأثير القوات المسلحة وهيئة الشرطة في العملية الانتخابية فضلًا عن أنه سوف يخل بتأمين سير العملية الانتخابية والتي تعد واجبًا من الواجبات المنوطة بهم.
وبالطبع في هذه الاعتراضات مبالغة كبيرة للأسباب الآتية: 
أولا:أن ما قرره البند (8) من ديباجة الدستور ليس من شأنه تقيد النص الدستوري –المادة 55- حيث أنه لا يرقى لمرتبة النص الدستوري. كما أن مباشرة أفراد القوات المسلحة لحقوقهم السياسية ليس له أدنى علاقة بالشأن السياسي المقصود من هذا البند، لأن المقصود بالشأن السياسي هنا له علاقة بالتدخل في السياسات العامة للدولة. وهو ما نلاحظه عندما نستطلع واجبات القوات المسلحة المنصوص عليها في الدستور، والتي تنحصر في حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها.
ثانيًا:أن الأصل في النصوص الدستورية أنها تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجًا متآلفًا متماسكًا، بما مفاده أن يكون لكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالًا لا يعزلها عن بعضها البعض، وإنما يقيم منها في مجموعها ذلك البنيان الذي يعكس ما ارتأته الإرادة الشعبية أقوم لدعم مصالحها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يجوز بالتالي أن تفسر النصوص الدستورية بما يبتعد عن الغاية النهائية المقصودة منها، ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة في الفراغ أو باعتبارها قيمًا مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعي.
ثالثًا:ليس صحيحا أن أفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة لم يكن لهم الحق في مباشرة حقوقهم السياسية في ظل دستور 1971، فقانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 لم يكن يحرم هذه الفئة من مباشرة حقوقهم السياسية إلى أن أدخل عليه تعديل بموجب القانون 76 لسنة 1976 لحسابات سياسية تتعلق بطبيعة المرحلة، لكن هذا التعديل كان خاطئا ومخالفًا للدستور، ولكن لم يعرض آنذاك أي طعن أمام المحكمة الدستورية،
كما أن هناك اختلافًا ما بين النص في دستور 1971 (62) والنص المقابل له في دستور 2012 (55)، فالأول منح السلطة التشريعية سلطة تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، ومن ثم منعت هذه الفئة من مباشرة هذا الحق. لكن الأمر مختلف في الدستور الساري حيث أن الفقرة الثانية منها قررت إلزاما على الدولة يتمثل في إدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين دون طلب، متى توافرت فيه صفة الناخب.
وبذلك يكون على الدولة إدراج أي مواطن مهما كانت وظيفته في تلك الكشوف، وبالتالي ليس من المنطقي أن يدرج اسم مواطن في الكشوف الانتخابية دون أن يكون له حق التصويت.
رابعًا:أن قانون مباشرة الحقوق السياسية لم يمنع القضاة وأعضاء النيابة وأعضاء الهيئات القضائية من التصويت في الانتخابات والاستفتاءات رغم انخراطهم في العملية الانتخابية، وأن واجباتهم أكبر بكثير من المكلف بها القوات المسلحة والشرطة والتي تقتصر فقط على التأمين، بحيث أن واجبات الهيئات والجهات القضائية تشتمل على الإشراف على العملية الانتخابية والفرز وإعلان النتائج وتحرير محاضر بالمخالفات الخ.  
هذا مع العلم أن دولا عدة لم تحرم العسكر من مباشرة الحقوق السياسية، من دون أن يكون هنالك أي اخلال بتأمين العملية الانتخابية. وخير دليل على ذلك، انتخابات مجالس المحافظات في العراق التي بدأت في شهر أبريل من العام الجاري والتي شهدت تصويتًا خاصًا للقوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية كمرحلة أولى تسبق عملية الاقتراع العامة لكافة المواطنين.
خلاصة القول، أن ما قررته المحكمة الدستورية العليا هو تصحيح لخطأ استمر سنوات عدة، وإقرار لمبدأ المساواة بين المواطنين من دون تمييز فيما بينهم، والذي أصبح في جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، والتي لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، بل يمتد مجال إعمالها إلى تلك التي يقررها القانون ويكون مصدرًا لها. فإن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي تتحدد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون.
كما أنها أكدت على أن النصوص القانونية التي ينظم بها المشرع موضوعًا محددًا لا يجوز أن تنفصل عن أهدافها، ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصودًا لذاته، بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها، وتعكس مشروعيتها إطاراً للمصلحة العامة التي أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، دستور وانتخابات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية