المساجين السياسيّون في تونس تحت أعين كاميرات المراقبة


2023-06-23    |   

المساجين السياسيّون في تونس تحت أعين كاميرات المراقبة

لا تشكّل المحاكمات السياسيّة الحاليّة في تونس فقط مؤشرا خطيرا على التوجه الاستبدادي ودليلا على انتفاء شروط المحاكمة العادلة، بل هي أيضا نموذج لتناول حقوق السّجناء في تونس. إذ لا يتعلّق الأمر فقط بالحقّ في الحرية وفي قرينة البراءة، التي انتفت تماما عملا بمقولة “إذا ثبتت براءتهم سيطلق سراحهم”، وإنما أيضا بحقوقهم كسجناء، المنتهكة حسب هيئة الدفاع، كالحقّ في حماية المراسلات والحقّ في الزيارة المباشرة وغيرها.

خروقات سمحتْ بتسليط الضوء على عتمة السجون التونسية وظروف نزلائها لكونها حظيت بالتغطية الإعلامية اللازمة والمتابعة الشعبية التي تلحق عادة قضايا الرأي العامّ. إلاّ أنّ هاته التغطية الهادفة لرفع الخروقات وحماية حقوق المساجين السياسيين، جعلت البعض يتساءل عما إذا كانوا أعلى درجة من بقية السجناء، كي يحظوا بمعاملة مميّزة، أم أنّهم على العكس “أكثر خطرا”، أو ربّما أقلّ استحقاقا للتعاطف الشعبي، بما يجعل خرق حقوقهم أمرا مقبولا مجتمعيا؟ هل أنّ وجود بعض الخروقات في قضايا سابقة لم يتمّ الخوض فيها على مستوى واسع يجعل من انتهاكات حقوق الإنسان أمرا مقبولا ويجب أن لا نحتج ضدّه؟ في هذا المقال، سنتناول تحديدًا حقّ المساجين في الخصوصيّة، بعد وضع إدارة سجن المرناقيّة كاميرات مراقبة للغرف التي يحتجز فيها المساجين السياسيون، وما أثاره ذلك من جدل قانوني وسياسي بعد إصدار الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية رأيها في الموضوع، وتوضيحها شروط وضع الكاميرات في السجون.

العقوبة السجنيّة وحماية الحياة الخاصّة: هل يمكن مصالحة المتضادّات؟

“لا أحد يعرف حقًا أمة حتى يكون داخل أحد سجونها. يجب ألا يتم الحكم على الأمة من خلال معاملتها لأعلى مواطنيها، لكن على معاملتها لأقلّ مواطنيها.” نيلسون مانديلا.

يمكن لأوّل وهلة استغراب إمكانية المصالحة بين العقوبة السجنيّة والتي تسلب الفرد حقّه الأساسي في الحريّة والحديث عن حقّه في حماية حياته الخاصّة. إلاّ أنّ هاته المصالحة أصبحت حقا وضرورة منذ أن بدأنا نتداول مسألة “أنسنة” المؤسسات السجنية. فلئن كانت جدران السجون تحدّ من حريّة الإنسان، فهي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسلبه حقوقه الإنسانية الأساسية. في الواقع، لم يتعرّض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 صراحة لحقوق السجناء، رغم تعريجه على بعض الحقوق التي تخصّهم على غرار الحق في محاكمة عادلة وقرينة البراءة. إلاّ أنّ القانون الدولي لم ينفكّ عن التطوّر. فقد انعقد سنة 1955 مؤتمر الأمم المتحدة الأوّل حول منع الجريمة ومعاملة المجرمين، وانبثقت عنه القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء والتي تمّ توسيعها وتحسينها  لاحقا لتتبناها سنة 2015 الجمعية العامّة للأمم المتحدة، وتعرف تحت إسم “قواعد نيلسون مانديلا” تكريما له.

انضاف للترسانة القانونية بعض الحقوق الأخرى المضمونة للسجناء على غرار البنود 2 و7 و17 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، المتعلقة بمنع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والتي تحظر الاحتجاز الطويل والمعاملة المهينة وأيّ تدخل “تعسفي أو غير قانوني” في الحياة الخاصة للفرد.
في الواقع، تُعدّ مراقبة الفيديو للمحتجزين على مدار 24 ساعة ممارسة غير متوافقة مع هذه الموادّ إلى جانب مخالفتها القواعد الدنيا النموذجية للأمم المتحدة لمعاملة السجناء وخرق التوصية العامة رقم 21 من لجنة حقوق الإنسان، والتي تؤكد أن احترام كرامة الأشخاص الخاضعين للحبس يجب أن يكون مضمونًا “بنفس الطريقة التي توفر فيها للأشخاص الحرية”، وأن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بجميع الحقوق المذكورة في الاتفاقية، باستثناء الحق في الحرية.

المساجين السياسيون في أعين الكاميرات

أثناء زيارتها لمنوبيها جوهر بن مبارك وعصام الشابي وخيام التركي، اكتشفت هيئة الدفاع يوم 18 مارس الفارط، ممثلة في شخص المحامي سمير ديلو أنه تمّ تركيز كاميرات مراقبة في غرف الموقوفين السياسيين. ولدى الاستفسار حول ذلك، أكّدت إدارة سجن المرناقية أنّ الكاميرات وُضعت بعد استشارة الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية وفي احترام تامّ للإطار القانوني الوحيد الذي يقوم بتأطير اللجوء إلى وسائل الحماية البصرية وهو القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية.

ادعاء فنّدته هيئة المعطيات الشخصية [1] من خلال الاستجابة لمطلب إبداء رأي قانوني قدمته هيئة الدفاع، مؤكّدة أنّها أسندت ترخيصا في تركيز الكاميرات بسجن المرناقية بمقتضى القرار عدد 16/02-1223 بتاريخ 27 جانفي 2016 والذي رخّص “استعمال 716 وسيلة مراقبة بصرية بسجن المرناقية ما عدا غرف النوم والسجن الانفرادي الذي لا يجب فيها التسجيل والاكتفاء بالبث الحيني”، في حين أنّ تركيز الكاميرات في غرف المساجين السياسيين حديث العهد -مارس 2023- ويكون تبعا لذلك غير مشمول بالترخيص. لم تقتصر الهيئة على تقديم الحلّ القانوني في هذه الوضعية، والمتمثّل في إزالة سجن المرناقية لوسائل المراقبة وطلب ترخيص في الغرض من هيئة المعطيات الشخصية. بل تجاوزتْه للتّذكير بأنّ هذا الإجراء استثنائي ولا يمكن اللجوء إليه إلاّ عند توفر شرطيْن وهما تحجير التسجيل من جهة والحالة الصحّية للشخص المعني الذي يجب أن يكون يعاني من “أمراض عصبية أو نفسية” من جهة أخرى. يجب إذا على إدارة السجن أن تُثبت المرض النفسي أو العصبي للأشخاص المعنيين، بما يؤكد الغاية الرامية لحمايتهم. وهي وضعية نفتها هيئة الدفاع عن الأشخاص المعنيين مما يجعل اللجوء إلى هذه الوسائل مخالفًا لمقتضيات القرار المذكور.  

وقد أسّست الهيئة رأيها على الفصل 76 من القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية الذي يسند لها مهامّ “…تحديد الضمانات الضرورية والتدابير الملائمة لحماية المعطيات الشخصية(…)، إبداء الرأي في جميع المسائل ذات العلاقة بأحكام هذا القانون، إعداد قواعد سلوكية في المجال …”. واعتبرت أنّ معالجة المعطيات الشخصية لا يمكن أن تقع إلا في إطار الشفافية والأمانة واحترام كرامة الإنسان و”في إطار احترام الذات البشرية والحياة الخاصة والحريات العامة”[1]. كما أشارت الى أنّ الفصل 55 من “دستور 2022″، الذي يحدد ضوابط القيود التي توضع على الحقوق والحرّيات الدستوريّة،  وهي أن تتمّ “بمقتضى قانون ولضرورة تقتضيها نظام ديمقراطيّ وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العامّ أو الدّفاع الوطنيّ أو الصّحة العموميّة”، من دون أن “تمسّ هذه القيود بجوهر الحقـــوق والحرّيات المضمونة بهذا الدّستور” وبشرط أن تكون  “مبرّرة بأهدافها، متناسبة مع دواعيها”.

ليست هاته المرّة الأولى التي يتمّ فيها تركيز كاميرات مراقبة في غرف المساجين، حيث تمّ تركيزها بغرفة نبيل القروي إبّان قبوعه بالسجن خلال الحملة الانتخابية وكذلك في وضعيّة شفيق جرّاية.

يكتسي هذا الرأي أهميّة قصوى حيث يكرّس الحقّ في الحياة الخاصّة داخل السجون وتتمسّك الهيئة من خلاله بإنفاذ التشريعات الجاري بها العمل من دون الخوف من الإدلاء برأي قد لا يعجب السلطة القائمة، خصوصا وأنّ الرأي يتعلّق بحقوق معارضين لها.

إنّ انتهاك حقوق المساجين السياسيين لم يتوقف، حسب هيئة الدفاع، عند حدّ الكاميرات بل تجاوزه ليشمل استعمال المحجوز، من خلال التفطّن إلى استعمال هاتف السجينة السياسية شيماء عيسى وهو ما وصفته هيئة الدفاع بـ”التصرّفات المريبة التي تكشف عن نيّة التلاعب بالمحجوز” لتعكير وضعيتها القانونية، وذلك على خلفيّة دعوة العديد من النشطاء للانضمام اإى مجموعة تحت اسم “مجموعة التفكير”، رغم أنّ هاتفها كان قد حُجز منذ الاحتفاظ بها. تكرّرت الممارسات ذاتها مع راشد الغنوشي بعد إيقافه، حيث أكّدت هيئة الدفاع عنه على أنّها تلقت إشعارا بتفعيل شريحتين في هاتفه من جهة غير معلومة في حين أنّ هاتفه محجوز.

الكاميرات في السجون: جدليّة الحماية والمراقبة

مراقبة السجناء داخل السجون ليس بالموضوع الجديد سواء في بلدان المنطقة العربية أو في بلدان أخرى أكثر التزاما بحقوق مواطنيها. تختلف الحجج المبررة لتفعيل كاميرات المراقبة في السجون من دولة إلى أخرى. حيث يقدّم أحيانا على أنّه وسيلة لحماية السجناء من اعتداءات أعوان الحراسة، فتقطع الصورة الشكّ باليقين في حال وقوع اعتداء أو خصومة بين سجين وأمني. شهادة الصورة يصعب تكذيبها. إلاّ أنّ هذا التمشي على نجاعته في عديد من الحالات لا يمنع أن يتمّ الاعتداء على السجناء في الزوايا المظلمة للكاميرات ناهيك عن كونه يحدّ من سلطة التقصي والبحث في وقوع الفعل من عدمه مما يجعل الاعتداء ينتفي بانتفاء ما يوثقه وهو توجّه خطير جدّا في المادة الجزائية، فلو تمّ تنزيله مثلا على قضايا الاعتداء الجنسي والتي تقع بدورها في فضاءات خاصّة لا تصلها عيون الكاميرا فيمكن القول بأنّ عدم وجود فيديو يثبت الاغتصاب مثلا ينفي وجود الاغتصاب أصلا.

في بعض الدّول الأخرى على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، تقدّم الكاميرات كوسيلة لحماية السجناء من أنفسهم فيتمّ تصويرهم بصفة متواصلة حماية لهم من إقدامهم على الانتحار باعتباره السبب الأوّل للموت في سجون الدول المذكورة، على مدى سنوات متواصلة. وتجد هذه الحجة معارضة شرسة من المنظمات الحقوقية. ففي أوت 2022، أصدرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بيانا شجبت من خلاله قيام اليابان بالمراقبة المستمرة بالفيديو للمحكومين بالإعدام، معتبرة أن ذلك يمثل خرقا خطيرا لحقوق الإنسان. حيث رصد مركز الدفاع عن حقوق المسجونين إبقاء المحكوم عليهم بالإعدام في مركز احتجاز طوكيو في العزلة داخل غرفة مجهزة بكاميرات مراقبة فيديو على مدار الساعة من دون وجود أي أدنى حاجز أمام الكاميرات.

كما أنّ هذه الممارسات دارجة في مصر، حيث نشر مرصد الشهاب لحقوق الإنسان في 4 مارس 2023، رسالة مسرّبة لأحد نزلاء سجن البدر ينقل من خلالها ردّ إدارة السجن لمّا طلب منها فتح الباب لنقل أحد المرضى للعلاج. ردّت إدارة السجن  باشتراط رفع الأغطية عن الكاميرات، التي وضعها السجناء احتجاجا على المعاملة السيئة والمراقبة المستمرة التي يتعرضون لها. فما كان من إدارة السجن إلاّ مقايضة حياة السجين المريض بالكاميرات.

كذلك في فرنسا، تمّ وضع صلاح عبد السلام، وهو الوحيد من منفذي الهجمة الارهابية بالباتكلان في 13 نوفمبر 2015 الذي بقي على قيد الحياة، في السجن تحت المراقبة المستمرة على مدار الساعة  بالكاميرات، وذلك لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، بقرار من وزير العدل، باعتباره يندرج ضمن خانة السجناء الذين “بفرارهم أو انتحارهم يؤثرون على النظام العامّ”. اعترض محامي صلاح عبد السلام حينها على هذا القرار معتبرا أنّه يضرب الحقّ في الحياة الخاصّة ولا يرتكز على أساس قانوني صلب، إلاّ أنّ قضيته جوبهت بالرفض. لاحقا تمّ إصدار قانون في الغرض، أسّس عليه محامي صلاح عبد السلام قضية ثانية ضدّ الدولة الفرنسية التي اتخذت قرار المراقبة بالفيديو المستمرة من دون أن يتوفر لها أيّ أساس قانوني وحكم لفائدة هذا الأخير بتعويض من الدولة الفرنسية قدره 500 أورو.

خلال الانتقال الديمقراطي، وتحديدا خلال مسار العدالة الانتقالية المغدور، شاهد التونسيون باهتمام شهادات ضحايا يد الديكتاتورية التي طالت الجميع، من دون أي تمييز جندري أو طبقي أو أيديولوجي. سمعنا جميعنا الفظاعات التي حصلت في سجون الديكتاتور حينها وكيف استعملت أجهزة الدولة للتشفي من المناضلين والمناضلات وعائلاتهم وكلّ من عنّت له نفسه المطالبة بأبسط حقوقه الأساسية: الحرية والديمقراطية والكرامة الانسانيّة. أقدم حينها الضحايا، بشجاعة، على كشف الحقائق، علّنا نصارح ونحاسب ونصالح ونجبر الضرر ولا نكرر العودة لنفس الممارسات. سقف آمال يبدو اليوم عاليا وبعيد المنال ويبدو أنّ الدرس لم يُفهم بعد ما دام بعضنا يصرّ على شرعنة انتهاك الحقوق الإنسانية بحجّة اختلاف التوجهات السياسيّة.


[1]حسب الفصل 1 و 9 من قانون حماية المعطيات الشخصيّة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، الحق في الحياة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية