المسألة الدينية في الدستور التونسي الجديد


2014-02-24    |   

المسألة الدينية في الدستور التونسي الجديد

مثلت علاقة الدين الاسلامي بالدولة وتشريعاتها ومؤسساتها مصدرا لتجاذب سياسي وعقائدي أثر في المشهد السياسي التونسي طوال المدة الزمنية التي استغرقتها صياغة دستور الجمهورية. اذ انقسمت الساحة السياسية بين أنصار تيار الاسلام السياسي الذين كانوا يطالبون بايلاء الشريعة الاسلامية مكانة مميزة بالدستور وأنصار التيار العلماني الذين يدفعون في اتجاه الفصل الكامل بين الدولة والدين ويعتبرون ذلك شرطا لازما لبناء الدولة المدنية.

وكان لصراع هذين التيارين بعد توافقاتهما اللاحقة أثره في احكام الدستور التونسي التي تطرقت للمسألة الدينية في علاقتها بالدولة. اذ تمكنت الاغلبية النيابية بالمجلس الوطني التأسيسي المحسوبة على التيار الاسلامي من ترك بصمات لطروحاتها في احكام الدستور ضمنت مكانة للدين في الدستور فيما نجحت الأقلية التي ترفع شعار الدولة المدنية في فرض قيد على تدخل الدين في الدولة. ويعد توافق التيارين في صياغة تصور للمسالة الدينية في علاقتها بالدولة مسالة تستدعي النظر فيها لبيان خصوصيات المنجز وأثره في تصور علاقة الدولة بالدين.

نص الفصل الاول من الدستور على أن الاسلام دين الدولة فيما نص الفصل الثاني منه على ان "تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون" وأتى بخاتمة الفصل الاول والثاني انهما من الفصول التي لا تقبل التعديل. ويستفاد من تحصين الفصلين عن كل تعديل دستوري انهما يشكلان ركيزة اساسية لتصور الدستور "للدولة التي يؤسس لها وتقوم "على نظام ديمقراطي تشاركي في إطار دولة مدنية" استلهمت مقوماتها "في سياق التمسك بتعاليم الاسلام ومقاصده المتسمة بالانفتاح والاعتدال وبالقيم ومبادئ حقوق الانسان الكونية"[1].

ويعد نص الفصل الاول من الدستور الذي اعتبر الاسلام دين الدولة اول الفصول التي تم التوافق في شانها عند بداية اشغال صياغة الدستور. فلقد توصلت الاطراف السياسية لاتفاق بينها يقضي بان تتم المحافظة على الفصل الاول من دستور الجمهورية الاولى لتجنب الانقسام حول هوية الدولة خصوصا وان الفصل المذكور بات يعد في نظر الدارسين نموذجا توفيقيا لتصور علاقة للدولة بالدين: فيقطع تماما مع فكرة الدولة التيوقراطية من دون أن يقطع كل علاقة للدين بالدولة كما في الدولة العلمانية. وفيما ان التصريح بكون دين الدولة هو الاسلام قد أثار اعتراضات طيف من دارسي القانون على اعتبار أن الدولة شخص اعتباري لا عقيدة له والدين عقيدة يفترض أن تنسب للشعب لا للدولة، الا أن المدلول الاصطلاحي لمقولة دين الدولة الذي يعد من المفاهيم المتداولة في الدساتير المقارنة يفرض تجاوز الاعتراض للبحث في آثار التصريح بالإسلام كدين للدولة.

اسلام الدولة وسطي المنهج
بينت توطئة الدستور والتي عدها الفصل 145 منه جزءا لا يتجزأ منه أن اسلام الدولة وسطي المنهج على اعتبار أن الشعب التونسي كما اتى بها "يتمسك بمقاصد وتعاليم الاسلام بشكل يقوم على الانفتاح والاعتدال". كما جاء في الفصل السادس من الدستور ان الدولة راعية للدين. ويستخلص من الربط بين تعريف خصوصيات دين الدولة ومسؤولية الدولة التي تتمثل في رعاية الدين ان الدستور يحمّل الدولة مسؤوليات متعددة الابعاد في علاقتها بدينها الرسمي، ويعد الحفاظ على الشريعة التي تتميز بالاعتدال وتحث على أعمال الاجتهاد بحثا عن مقاصد الشارع اول مسؤولية تتحمل الدولة واجب القيام بها.

ويكون بالتالي من آثار اعتبار الاسلام دين الدولة تحميل هذه الأخيرة مسؤولية رعاية خطاب ديني يقوم على نبذ المغالاة ويشجع أعمال العقل في البحث عن مقاصد المشرع. ويستدعي اضطلاع الدولة بمسؤولية الحفاظ على الدين في تصوره الدستوري ان تمتد ولاية المؤسسة الرسمية لتشمل كافة المؤسسات التي تشارك في صناعة الخطاب الديني بداية من المؤسسات التربوية وانتهاء بمحلات العبادة لغاية "نشر قيم الاعتدال والتسامح". ويؤدي اعتبار الدين الاسلامي مشتركا وطنيا وإلزام الدولة برعايته وتوفير الموارد اللازمة لذلك من المال العام الى فرض إلزام المؤسسة الرسمية بتحييد الخطاب الديني بدور العبادة عن التوظيف الحزبي والدعاية السياسية كما أكد على ذلك الفصل السادس من الدستور في فقرته الثانية. وتستدعي حماية دين الدولة وفق التصور الدستوري حماية المقدسات ومنع أي اعتداء عليها من جهة والتصدي للأفكار المغالية في التعصب التي قد يؤدي انتشارها الى المس من ثوابت النهج المعتدل من جهة أخرى. وفي هذا الاتجاه، أكد الدستور في هذا السياق على ان "الدولة تلتزم بحماية المقدسات كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها".

ولم يتعرض الدستور الى مسألة علاقة الشريعة الاسلامية بقوانين الدولة. ويبدو أن الالتزام بمدنية الدولة من جهة كما نص عليها الفصل الثاني من الدستور والالتزام بفكرة ان الشريعة في مقاصدها تعد من المصادر المادية للقوانين كجزء من احكامه، كانت الدافع لمنع التنصيص على الشريعة بشكل قد يؤدي للالتباس في الالتزام بتأسيس نظام ديموقراطي يقوم على المواطنة. ويعد تجاوز السلطة التأسيسية التونسية التي تتكون غالبية اعضائها من نواب ينتمون لحزب حركة النهضة ذات التوجه الاسلامي لإشكالية علاقة الشريعة بالقانون تجسيدا عمليا لفكرة أن الالتزام بتعاليم الاسلام لا يؤدي للتشدد وإنما يقوم على البحث عن مقاصد الشريعة في انفتاحها ويدل ذلك على تطور لخطاب اصولي في اتجاه انهاء فكرة الصراع بين مدنية الدولة والفكر السياسي الاسلامي.

حرية المعتقد والضمير: ارث هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات
كما تؤكد احكام الدستور التونسي في تعاطيها مع المعتقد على التوجه الحداثي لتصور علاقة بين دولة لها دين رسمي ترعاه وحقوق الانسان ذات الصلة بالمسالة الدينية. اذ نص الفصل السادس من الدستور على" ان الدولة تكفل حرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية". ويؤكد النص الدستوري على حرية المعتقد مع ما يستدعيه ذلك من الاعتراف للجماعات الدينية بممارسة شعائرها دون قيود عليها. ويؤدي الاعتراف بحرية المعتقد الى الاعتراف للأفراد بحقهم في اعتناق العقيدة التي يدينون بها او في عدم الاعتقاد.

ويبدو تدعيم الالتزام الدستور بحماية حرية المعتقد بالتزام مكمل يتعلق بحماية حرية الضمير من أهم ما حمله الدستور من مكتسبات في اتجاه الالتزام بالمواثيق الدولية التي تحمي حقوق الانسان. اذ يؤدي التكريس الدستوري "لحرية الضمير" الى تكريس حق الفرد في الاستقلالية عن الوعي الجمعي في تصوراته التي تتعلق بالوجود والحياة سواء كانت ذات بعد عقائدي او فكري دون قيد في ذلك الا ما تعلق بالممارسة التي قد تؤدي للمس بالمقدسات او النظام العام. ويخشى ان يؤدي التوسع في مفهوم المس بالمقدسات الى الحد فعليا من حرية الضمير والمعتقد غير ان الدستور الذي اوكل للقضاء مسؤولية حماية الحريات العامة يبدو انه ترك للسلطة القضائية مسؤولية الموازنة بين الحق والضابط.

ويكشف النظر في تاريخ الحركة الوطنية التونسية التي قاومت منظومة الدولة الاستبدادية ان تكريس حرية المعتقد والضمير يعد تتويجا لتعهدات الاطراف السياسية ببناء دولة ديموقراطية. فالتوافق حول ضرورة التزام الدولة الديموقراطية بحماية حرية المعتقد والضمير يعود فعليا الى سنة 2005 التي نجحت خلالها القوى المعارضة التي تمثل مختلف الاحزاب السياسية المناهضة للنظام الاستبدادي في التوحد في تحرك مشترك (هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات) أثمر صياغة ورقات عمل تذيب اختلافاتها الايديولوجية وكان من أهمها "الاعلان المشترك حول حرية المعتقد والضمير".

ويعد هذا البيان محاولة للقطع مع "رواسب ما زالت تؤثر في التشريعات الجارية وفي الممارسات التي تحكم علاقة الدولة بالمواطنين". كما أنه شكل مسعى لصياغة خطاب حول الدين على اساس أن "صيانة حرّية الاعتقاد والذود عنها لا يتعارضان مع ما يحتلّه الإسلام من منزلة خاصّة في تكوين الشخصية الحضارية المميزة للشعب التونسي، لذلك فإن تنزيل المبادئ الكونية لحقوق الانسان وأحكام الاتفاقيات الدولية المتعلّقة بحرية الضمير والمعتقد، يتمّ في تفاعل خلاّق مع الرّصيد الثقافي العربي الإسلامي للشعب التونسي ويعدّ هذا التفاعل عاملا من عوامل إصلاح المجتمع والانتقال به إلى مجتمع حديث يقوم على الحريّة ونبذ كل أنواع الوصاية أو الضّغط أو الإكراه".

نجحت مكونات هيئة 18 أكتوبر التي تعد من وجهة التوزيع السياسي لأعضاء المجلس الوطني التأسيسي الأغلبية المطلقة للنواب في تجسيد تعهداتها التي التزمت بها اثناء مكافحتها للنظام الاستبدادي بعد ان تسلمت السلطة. وتحقق نجاحها رغم ما برز من تردد من بعض أطرافها في الموضوع بمناسبة النقاشات حول الدستور. وكان من نتيجة الايفاء بالالتزام أن تميزت أحكام الدستور بتقديمها لطرح متكامل في تناول علاقة الدين بالدولة في المجتمع العربي الاسلامي قد يتجاوز في رسائله الإطار المحلي التونسي ليكون موضوعا لتصور مقاربات تقطع مع ما هو موروث من اطروحات في المجال. غير ان بعض احكام الدستور التونسي كانت في تفاصيلها مترددة في الالتزام بحرية المعتقد والضمير ومنها مثلا اشتراط ان يكون دين رئيس الجمهورية الاسلام. وهذا الأمر يطرح السؤال حول المقصود من ذلك: فهل هو يعني أن يكون مسلما بحكم انتمائه الطائفي أم يجب النظر في عقيدته وممارساته للتأكد من اسلامه؟

كما أن نص القسم الذي يؤديه اعضاء الحكومة ومجلس نواب الشعب والذي يقوم على القسم بالله يؤكد بدوره تمييزا يحرم من مارس حرية المعتقد من اداء قسم يعكس التزامه الفكري والعقائدي. ويتبين من أحكام الدستور أن اعتبار الاسلام دين للدولة يقصد به ما أتى بتوطئة الدستور من تنصيص صريح على كون الاسلام كمعتقد وثقافة هو من مكونات الشخصية الوطنية التونسية، "يتمسك الشعب التونسي بمقاصده وتعاليمه بشكل يقوم على الانفتاح والاعتدال. كما ان اسلام الدولة عنصر محدد في الانتماء الحضاري لتونس على اعتبار انها جزء من العالم الاسلامي.

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

 


[1]توطئة الدستور
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية