المراسيم الاشتراعية في العهد الشهابي: تعزيز منطق المؤسّسات وبناء الدولة الحديثة


2021-02-18    |   

المراسيم الاشتراعية في العهد الشهابي: تعزيز منطق المؤسّسات وبناء الدولة الحديثة
رسم رائد شرف

لقد أعادت الأزمة اللبنانية الراهنة إلى الواجهة تساؤلات مصيرية حول لبنان كنظام وككيان كانت رائجة أيام الحرب الأهلية 1975-1990 لكنها طويت – أقلّه في الحيّز العام – مع طيّ صفحة الحرب. وقد أدّى ذلك إلى شبه قطيعة معرفية مع الماضي بخاصّة عند جيل ما بعد الحرب، مما سلبه الحق والقدرة في فهم أعمق ونقدي للماضي. تطرح المفكرة القانونية – عبر سلسلة من المقالات – قضايا محورية في تكوين لبنان ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المئة عام الماضية من منظور فهم الماضي لاستشراف المستقبل. (المحرّر)

 

عرف لبنان خلال تاريخه الحديث ثلاث مراحل تشريعية بارزة اتّسمت بالتدخّل الكثيف للسّلطة المركزية من أجل تنظيم العلاقات القانونية ليس فقط بين الأفراد بل أيضاً بين هؤلاء والدولة.

كانت المرحلة الأولى قبل نشوء دولة لبنان بحدودها الرّاهنة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خلال حقبة التنظيمات في السّلطنة العثمانية، وهدفت إلى تبنّي تشريعات حديثة بغية إصلاح أجهزة الدولة وتطويرها على نسق النموذج الأوروبي، علماً أنّ بعض هذه التشريعات لا يزال نافذاً حتى اليوم ويعتبر جزءاً من البناء القانوني اللبناني.

المرحلة الثانية شملت فترة الانتداب الفرنسي منذ إعلان دولة لبنان الكبير في الأوّل من أيلول 1920 أصدر خلالها المفوّض السامي قرارات تتمتّع بالقوّة التشريعية، وقد أرست هذه القرارات الهيكلية الأساسية للنظام القانوني اللبناني في مختلف المجالات (الجنسية، الأحوال الشخصية، الأملاك العامة، التنظيم القضائي والإداري، التشريعات المالية…).

أمّا المرحلة الثالثة فهي التي أطلقها فؤاد شهاب بعد انتخابه في نهاية سنة 1958 عقب أشهر من النزاع الداخلي المسلّح وهي المرحلة التي سيتناولها البحث في مقالتنا هذه. ففي حين امتدّت المرحلة الأولى والثانية على فترة زمنية طويلة نلاحظ أنّ المرحلة الثالثة شهدت في سنة واحدة (1959) إصدار مجموعة كبيرة من النصوص التنظيمية التي ما زالت تعتبر حتى اليوم المدماك الذي بنيت عليه مؤسّسات الدولة اللبنانية الحديثة وأجهزتها الإدارية المتعدّدة.

من هذا المنطلق، سنعالج في فقرة أولى فلسفة هذه التشريعات وكيف شكّلت تجسيداً لرؤية فؤاد شهاب الإصلاحية ونظرته إلى طبيعة الدولة. ومن ثمّ نتناول في فقرة ثانية الوسيلة القانونية التي اتّبعت من أجل إقرار هذه التشريعات وإصدارها دفعة واحدة، كي نعالج في فقرة أخيرة أبرز هذه النصوص التنظيمية كي نكوّن قدر الإمكان، صورة عامّة عن روحيّتها ومدى مساهمتها في تعزيز منطق المؤسّسات. 

أوّلاً: ميثاق وطني اجتماعي

قام استقلال لبنان منذ 1943 على اتفاق عرف لاحقاً بالميثاق الوطني مفاده المحافظة على الكيان اللبناني في حدوده التي أعلنت سنة 1920 مقابل رفض التبعيّة لفرنسا من جهة، ورفض الانضمام إلى كيان سوري أو عربي أوسع من جهة أخرى. وقد انعكس التوافق على هذا البعد الخارجي للميثاق في تفاهم داخلي على شكل صيغة سياسية لتأمين مشاركة مختلف الطوائف في مؤسّسات الدولة المختلفة، علماً أنّ هذه الصيغة بدأت ملامحها تظهر تدريجياً خلال الانتداب الفرنسي ولم تتكّرس إلّا في فترة لاحقة للاستقلال وليس في سنة 1943 كما هو شائع.

تنبّه فؤاد شهاب إلى أنّ تأمين المشاركة السياسية للطوائف في مؤسّسات الدولة ليس كافياً لصون الوحدة الوطنية إذ لاحظ أنّ النزاع الذي نشب سنة 1958 لم يكن فقط مجرّد صراع سياسي حول التوجّهات الخارجية للرئيس كميل شمعون. فالأزمة الداخلية عكست أيضاً الفروقات الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق اللبنانية وبالتالي لا يمكن المحافظة على الاستقرار من دون التأكيد على المحتوى الاجتماعي للميثاق الوطني.

هذه كانت الإضافة الشهابية[1] لمفهوم الوحدة الوطنية التي ترى في العدالة الاجتماعية، وليس فقط المشاركة السياسية، المدخل السليم لتعزيز التلاقي بين اللبنانيين من خلال تنمية قيم المواطنة التي تصبح القاسم المشترك بين مختلف أبناء الشعب. فتخطّي الفروقات الاجتماعية ورفع الحرمان عن سكان الأطراف لا يمكن أن تقوم به إلّا الدولة، ما يؤدّي إلى استبدال منطق العطاء والخدمة الشخصية التي يمنحها الزعيم الزبائني لأتباعه بمنطق الحق الذي تضمنه الدولة للمواطن بغضّ النظر عن انتمائه السياسي أو الطائفي. فالمؤسّسات التي تعمل بشكل سليم تحرّر الفرد من تبعيّته للزعيم وتجعل منه مواطناً غير مرتهن في قراره السياسي لهذا الحزب أو ذاك.

وبالتالي قامت سياسية فؤاد شهاب الإصلاحية على ركيزة أساسية ألا وهي تصميم الدولة وعزمها على التدخّل في كافّة المجالات وقد تجلّى هذا الأمر في نقطتين:

  •       التدخّل التشريعي عبر إصدار نصوص تنظيمية من أجل بناء إدارة حديثة ورفد مؤسّسات الدولة بموظّفين ليس لديهم ولاء سياسي ويكون هاجسهم الدفاع عن الشأن العام.
  •       الإنماء الاجتماعي عبر إطلاق الدولة مشاريع اقتصادية وعمرانية من أجل الحدّ من الفروقات الاجتماعية الكبيرة بين بيروت وسائر المناطق. فالنموّ السكاني وازدياد الهجرة من الريف إلى المدن وتركّز النشاط الاقتصادي في العاصمة وضواحيها والتفاوت الكبير في المداخيل ومستوى الحياة بين اللبنانيين، كلّ تلك العوامل تفرض على الدولة التدخّل في الاقتصاد بغية توطيد الاستقرار الاجتماعي. وكان الرئيس شهاب قد كلّف مؤسّسة “ايرفد”[2] الفرنسية المتخصّصة في قضايا الإنماء الاجتماعي بإجراء مسح شامل للواقع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان عبر اتّباع منهجية علمية توفّر للدولة الأرقام والمعطيات الدقيقة التي تسمح لها بتبنّي سياسات عامّة هادفة وفعّالة. وقد نشرت بعثة “ايرفد” تقريرها في سبع مجلّدات بحيث أشار إلى أنّ 4% من اللبنانيين كانوا يحوزون على 32% من الدخل الوطني العام بينما يحصل 50% من اللبنانيين على 18% فقط من الدخل العام.

وقد انعكست هذه المشاريع الإصلاحية في ازدياد الإنفاق الحكومي بشكل ملحوظ، بحيث ارتفعت ميزانية الدولة من 200 مليون ليرة تقريباً في بداية عهد شهاب إلى أكثر من 500 مليون ليرة سنة 1964 من دون أن يؤدّي ذلك إلى تراكم الديون على الدولة أو زيادة في الضرائب على المواطنين، إذ استفادت خزينة الدولة من جوّ الاستقرار السياسي والوفر المتراكم في الموازنة العامّة منذ 1951 ما سمح بزيادة الإنفاق على المشاريع الإنشائية خلال هذه المرحلة.

وقد عبّر جورج نقّاش عن هذا التوجّه قائلاً إنّ أمام فؤاد شهاب بعد “أربعة أعوام لكي يجعل من هذه المجموعة العشائرية التي هي لبنان، دولة، ولكي يجعل منها أوّلاً دولة إنسانية، دولة اجتماعية (…) فهذا الأرستقراطي، هذا السيّد – الفلاح، يشعر شعوراً عميقاً بالتفاوت الاجتماعي الممسوخ الذي شيّد عليه ما نسمّيه بالوضع اللبناني: لقد وعى أنّ كل مشاريع الإصلاح الاجتماعي يقوم دونها جدار من المال، وأنّ طريقة تعبئة الجسم السياسي بكامله في لبنان منذ ثلاثين عاماً تقريباً تخضع لبلوتوقراطية صارمة لا تهون (…) أنّه (شهاب) يمثّل التفكير الاجتماعي الوحيد الذي دخل السراي”[3].

ثانياً: المراسيم الاشتراعية كوسيلة قانونية فضلى للإصلاح

المراسيم الاشتراعية هي نوع من الصلاحيات الاستثنائية، يقوم عبرها مجلس النوّاب بتفويض اختصاصه التشريعي في مواضيع محدّدة وضمن فترة زمنية محدودة إلى السّلطة التنفيذية، وذلك من خلال التصويت على قانون يجيز فيه لمجلس الوزراء إقرار مراسيم تدخل ضمن الحقل التشريعي. وقد عرف لبنان ظاهرة المراسيم الاشتراعية منذ 1929 عندما منح مجلس النوّاب حكومة إميل إده صلاحيات استثنائية لتنظيم إدارات الدولة، وقد تكرّر هذا الأمر أكثر من مرّة بعد الاستقلال، لا بل يمكن لنا أن نقول إنّ أهمّ التشريعات اللبنانية صدرت بموجب مراسيم اشتراعية. 

تكمن أهمّية المراسيم الاشتراعية في رمزيّتها السياسية كونها تؤدّي إلى تركيز السلطة في يد السّلطة التنفيذية (الرئاسة والحكومة مجتمعتان) عبر منحها الوسائل القانونية الضرورية من أجل تنفيذ مشروعها السياسي. فتوسيع صلاحيات الحكومة يعني أنّ هذه الأخيرة التزمت بتحقيق أهداف واضحة خلال مدّة معيّنة، وهي بالتالي تحتاج إلى اتّخاذ تدابير سريعة لديها مفاعيل فورية من دون المرور عبر مجلس النوّاب ما يتطلّب ليس فقط وقتاً أطول بل أيضاً مفاوضة الكتل النيابية المختلفة من أجل التوصّل إلى تسوية مقبولة من الجميع، الأمر الذي قد يفقد مشروع القانون جدواه.

وبالتالي، يؤدّي تركّز السّلطة هذا بيد الحكومة إلى ارتفاع في مسؤوليّتها ليس فقط أمام مجلس النواب بل أيضاً أمام الرأي العام الذي يصبح باستطاعته تحديد المسؤوليات بشكل واضح عبر الحكم على عمل الحكومة لناحية نجاحها أو فشلها في الوصول إلى الأهداف المنشودة. فوجود مركز واضح للقرار يعني القدرة على محاسبته من دون أن يتمكّن من التنصّل من تحمّل المسؤولية عبر التذرّع بعدم امتلاك الوسائل الضرورية للوفاء بوعوده، أو عبر إلقاء اللوم على الآخرين[4].

وقبل تشكيل الحكومة الرباعية[5] في 14 تشرين الأول 1958 التي عرفت بحكومة “الإنقاذ الوطني” وضع الرئيس شهاب مسودّة لخطة عمل الحكومة المقبلة بحيث نصّت في الشقّ المتعلّق بالسياسة الداخلية على ضرورة طلب سلطة المراسيم الاشتراعية وإلّا “حلّ مجلس النواب إذا لم يعط (الحكومة) سلطة الاشتراع في المواضيع التي يتضمّنها البيان الوزاري”[6].

وبالفعل تقدّمت الحكومة بمشروع قانون يطلب من مجلس النوّاب منحها سلطة إصدار المراسيم الاشتراعية لمدة ستة أشهر في مواضيع عدّة أبرزها التشريع المالي والاقتصادي والتنظيم الإداري والقضائي والأمن العام إضافة إلى الموازنة. وممّا جاء في الأسباب الموجبة لمشروع القانون التالي: “أنّ الحكومة جادّة في العمل على تنظيم أجهزة الدولة على أسس وقواعد تتّفق والواقع اللبناني وتماشي التطوّر الحديث (…) ومن أهم القضايا التي يجب على الحكومة أن تعيرها المزيد من العناية تعديل التشريع المالي في النظم الضرائبية بغية تحقيق العدالة عن طريق تحديد جديد للضرائب وتوزيعها، والاهتمام بالاقتصاد اللبناني بتعزيز نموّه وازدهاره، ومساعدة المزارعين والصناعيين والتجّار بواسطة تأمين تسليف كافٍ (…) وأوّل ما يرمي إليه التنظيم الإداري تحقيق اللامركزية على أوسع مدى وتبسيط وتسهيل المعاملات مما يساعد على تصريف الأمور بالسرعة المنشودة ويخفّف عن عاتق الأهلين مشقّة ونفقات الانتقال من منطقة إلى أخرى لملاحقة قضاياهم”.

وقد أقرّ مجلس النوّاب، بعد نقاش مستفيض، هذا القانون في 12 تشرين الثاني 1958 وأصدره رئيس الجمهورية في 12 كانون الأوّل 1958 [7]. وهكذا تمّ إنشاء هيئة مركزية للإصلاح الإداري بموجب المرسوم رقم 193 تاريخ 6/12/1958 الذي نصّ في مادته الأولى على تحديد مهام الهيئة في نقطتين: ” تقديم الاقتراحات في جميع المواضيع التي تشملها سلطة المراسيم الاشتراعية. إعادة تنظيم جميع إدارات الدولة بغية رفع مستواها وجعلها أداة صالحة لأداء المهمّة الموكلة إليها بصورة تنطبق إلى أقصى حد على حاجات البلاد”. وفي اليوم نفسه صدر المرسوم رقم 206 الذي عيّن أعضاء الهيئة بحيث تألّفت من 24 عضواً برئاسة ناظم عكاري أمين عام مجلس الوزراء.

صدرت المراسيم الاشتراعية عملاً بتوصيات هذه الهيئة وقد بلغ عددها 162 مرسوماً اشتراعياً أصدرها الرئيس شهاب تباعاً بين 15 كانون الأول 1958 و13 حزيران 1959. وكان القانون قد اشترط عرض المراسيم الاشتراعية على مجلس النوّاب خلال مهلة التفويض. فتمّت دعوة هذا الأخير إلى عقد استثنائي في 13 حزيران وقد أدرجت الحكومة جميع المراسيم الاشتراعية التي أصدرتها في جدول أعمال الدورة الاستثنائية. وبالفعل اجتمع المجلس في 23 حزيران 1959 وقرّر إحالة المراسيم الاشتراعية على اللجان النيابية لدراستها وتقديم اقتراحات التعديل في حال كان ذلك ضرورياً. وبالفعل سيعقد مجلس النوّاب خلال سنة 1959 أكثر من جلسة لمناقشة هذه المراسيم الاشتراعية وسيقرّ أحياناً قوانين تدخل تعديلات عليها في أجواء لا تخلو من الحدّة.

ثالثاً: أبرز المراسيم الاشتراعية في العهد الشهابي

تنوّعت أهداف المراسيم الاشتراعية التي أقرّتها حكومة الرئيس كرامي إذ لم تكن كلّها إصلاحية، بل يمكن لنا أن نقول إنّ غالبيّتها اتّسمت بطابعها الإجرائي، أي ضرورة اتّخاذ تدابير من أجل تأمين استمرارية عمل مرافق الدولة كفتح اعتمادات استثنائية أو تمديد مهل دفع بعض الرسوم وذلك بسبب الظروف الاستثنائية التي رافقت نهاية ولاية الرئيس شمعون كالمرسوم الاشتراعي رقم 11 تاريخ 28/1/1959 والذي يخصّص مبلغ مليون ليرة لبنانية كمساعدات لعائلات ضحايا حوادث 1958.

فئة ثانية من هذه المراسيم الاشتراعية كانت تهدف إلى معالجة التداعيات الأمنية التي نجمت عن الاقتتال الداخلي وذلك عبر التشدّد في قمع الجرائم الواقعة على حرّية الأفراد من خلال رفع عقوبة الخطف كي تصبح الأشغال الشاقّة المؤقّتة وتعديل قانون الأسلحة والذخائر عبر نقل صلاحية إعطاء رخص حيازة السلاح من وزارة الداخلية إلى قيادة الجيش[8]. لكنّ بعض هذه المراسيم الاشتراعية الإجرائية كانت تشي بالتوجّهات المستقبلية للعهد الجديد كالمرسوم الاشتراعي رقم 25 تاريخ 27 شباط 1959 والذي خصّص مبلغ 200.000 ليرة كنفقات سرّية للمكتب الثاني (أي مخابرات الجيش اليوم).

لا شك أنّ الفئة الثالثة من المراسيم الاشتراعية التي صدرت دفعة واحدة في 12 حزيران 1959 هي الأهم كونها ما زالت تشكّل العمود الفقري للإدارة اللبنانية حتى اليوم. فقد وقّع الرئيس شهاب في هذا النهار 63 مرسوماً اشتراعياً لعلّ أبرزها تنظيم الإدارة العامّة (رقم 111)، ونظام الموظفين (رقم 112)، وإنشاء مجلس الخدمة المدنية (رقم 114) والتفتيش المركزي (رقم 115)، والتنظيم الإداري (رقم 116)، وتنظيم ديوان المحاسبة (رقم 118) ومجلس شورى الدولة (119) وإنشاء مصلحة الإنعاش الاجتماعي (رقم 155).

نصّت المادة الثالثة من المرسوم الذي أنشأ الهيئة المركزية للإصلاح على التوجّهات العامّة التي ينبغي اعتمادها في المراسيم الاشتراعية وذلك من خلال تحديد مهام كلّ موظّف وكلّ وحدة إدارية من أجل تأمين الانسجام بين مختلف هذه الوحدات والقضاء على تضارب الصلاحيات وتشابكها. كذلك لا بدّ من توسيع صلاحيات الرؤساء المسؤولين مباشرة عن العمل مع ضرورة إعفاء كبار الموظّفين من أعباء الأوراق والمعاملات والشكليّات. وفي السياق نفسه يجب أن يتمّ تبسيط الأساليب الإدارية وتوحيدها مع اعتماد لامركزية واسعة تساعد على إتمام المعاملة في أقرب محلّ ممكن من مركز إقامة المواطن.

يتطلّب تحقيق هذه الأهداف إيجاد رقابة دائمة من الرئيس على المرؤوس في جميع أطوار التنفيذ وذلك من خلال جعل ممثل الحكومة في كل منطقة إدارية مسؤولاً عن حسن سير الأعمال من دون التعرّض للناحية الفنية من العمل. من هنا ضرورة “تعزيز التفتيش في جميع الإدارات العامّة، وتوجيه عمله ليس فقط نحو البحث عن المخالفة ومعاقبة مرتكبها، بل أيضاً نحو تحسين سير العمل”.

وفي النهاية تشير المادة الثالثة إلى أنّ هذه الإصلاحات تتطلّب “إبعاد المداخلات السياسية أو أيّ ضغط آخر عن الموظفين” عبر إيجاد هيئة مستقلّة تدعى “مجلس الخدمة المدنية” تعنى بجميع شؤون الموظفين وتراقب بشكل دائم سير الإدارة بغية اقتراح ما يؤول إلى تحسينه.  

لا شكّ أنّ إنشاء مجلس الخدمة المدنية كان الأكثر تعبيراً عن روحيّة الإصلاح. فقط أناط المرسوم الاشتراعي رقم 114 بالمجلس المذكور صلاحيات حاسمة لجهة تعيين الموظّفين وترقيتهم ونقلهم وتأديبهم وفقاً لمعايير شفّافة تضمن الكفاءة وتبعدهم عن التدخّلات السياسية والتنفيعات الزبائنية ما جعل من مجلس الخدمة المدنية الضامن لاستقلالية الإدارة. وقد أثار هذا الأمر جدلاً واسعاً في البرلمان إذ اعتبر بعض النوّاب أنّ الأحكام التي ترعى عمل هذا المجلس تخالف الدستور كونها تنتقص من صلاحيات الوزير إذ تفرض عليه في مواضع كثيرة، الحصول على موافقة مجلس الخدمة المدنية في كل ما يتعلّق بالموظّفين[9].

من هذا المنطلق، استبدل المرسوم الاشتراعي رقم 112 (نظام الموظفين) الامتحان بالمباراة للتعيين في الوظيفة العامّة، على أن يتمّ ذلك بإشراف من مجلس الخدمة المدنية. فقد اعتبر النائب جوزف شادر أنّ “الامتحان كان مع الأسف الشديد سبباً لتعيين المحاسيب بدلاً من الأكفّاء وذلك لأنّه كان باستطاعة الحكومة أن تعيّن مثلاً العاشر من بين الناجحين وتهمل شأن الذي يأتي الأوّل في الامتحان في حين أنّ القاعدة في المباراة هي تعيين الأوّل ثمّ الثاني مع مراعاة الطائفية”[10].

الأمر نفسه ينسحب على هيئة التفتيش المركزي التي منحت صلاحيات منفصلة عن الوزراء، وذلك بغية وضع حدٍّ لما كان سائداً من قبل، عبر تولّي مفتّشين يخضعون مباشرة للوزير مراقبة عمل الإدارة نفسها التي يرأسها الوزير. وهذا ما ينسجم تماماً مع فلسفة الإصلاحات التي هدفت إلى فصل الإدارة قدر الإمكان عن السياسة ومنحها الاستقلالية الضرورية كي تصبح مؤسّسة تتّسم بالاستمرارية بغضّ النظر عن التقلّبات في مراكز السّلطة.

وفي السياق نفسه، منعت المادة 15 من نظام الموظّفين أن يشتغل الموظّف بالأمور السياسية أو أن ينضمّ إلى الأحزاب السياسية لكن مع صدور القانون رقم 144 تاريخ 6/5/1992 تمّ إلغاء هذا المنع واستبداله بضرورة تخلّي الموظّف في حال انتمائه إلى حزب سياسي، عن أيّة مهمّة أو مسؤولية في هذا الحزب، الأمر الذي يمكن تفسيره من خلال الظروف التي كانت سائدة بعد الحرب وقيام الزعماء بإدخال عناصر المليشيات التابعة لهم إلى إدارات الدولة.

كذلك جاء نظام الموظفين خالياً من “الوضع بالتصرّف”، هذه الصلاحية التي تسمح للسلطة السياسية بإعفاء الموظفين غير المرضي عنهم من مهامهم ووضعهم بتصرّف الوزير التابعين له. لكن في سنة 1972 تمّ تعديل نظام الموظفين عبر قانون موضوع موضع التنفيذ بموجب المرسوم رقم 3169 تاريخ 29/4/1972 بحيث بات بإمكان وضع موظفي الفئة الأولى بالتصرّف وذلك بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء ما يؤدّي إلى تقوية صلاحيات السّلطة السياسية على حساب الإدارة.

لم تقتصر التشريعات الإصلاحية على المراسيم الاشتراعية ونصوصها التنظيمية التي صدرت سنة 1959 بل استمرّت طيلة عهد فؤاد شهاب ولعلّ أهمّها إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي وضع قانونه موضع التنفيذ بموجب المرسوم رقم 13955 تاريخ 26 أيلول 1963 بعدما تقاعس مجلس النوّاب عن إقراره لشهور طويلة ما يؤكّد التوجّه الاجتماعي لرؤية شهاب الإصلاحية ومحوريّة دور الدولة في تأمين العدالة للفئات الأكثر تهميشاً وهشاشة.

لقد نجح فؤاد شهاب في إصلاحه الإداري لكن تجربته السياسية تحتمل التأويل كونها كانت قائمة على استرضاء الزعماء لا سيّما أولئك الذين شاركوا في أحداث 1958 عبر تبنّي قانون انتخابي يضمن حضورهم في مجلس النوّاب، ومن خلال تأمين مشاركتهم الدائمة في الحكومات التي تعاقبت في عهده، وأيضاً عبر توزيع المكاسب عليهم من خلال مراعاتهم في التعيينات الإدارية ظنّاً منه أنّها الوسيلة الأمثل للحفاظ على الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية، ليتبيّن لاحقاً أنّ هذا الاستقرار لم يكن إلّا مؤقتاً.

في مطلق الأحوال تظلّ الشهابية تجربة رائدة تثبت أنّ فعالية الدولة تحتاج إلى وجود مركز واضح للقرار بحيث تكون السّلطة التي يتمتّع بها الحاكم نتيجة للمسؤولية التي تقع على عاتقه. فعندما يتنصّل من يوجد في سدّة الحكم من تحمّل المسؤولية بذريعة عدم قدرته على اتّخاذ القرار، تفقد الدولة شرعيتها وتصبح مجرّد طرف بين مجموعة متعدّدة من الأطراف المتنازعة. 

 

 

[1]  الشهابية مصطلح أطلقه الصحافي جورج نقاش وشرحه بشكل مسهب في محاضرة له ألقيت على منبر “الندوة اللبنانية” بتاريخ 14 تشرين الثاني 1960. 

[2] Institut de recherche et de formation éducation et développement  (IRFED).

 

[3]  جورج نقاش، الشهابية، منشورات “الندوة اللبنانية”، 1960، ص. 26. 

لمراجعة النسخة الفرنسية الرجاء زيارة الرابط التالي (ص. 13): https://www.fouadchehab.org/wp-content/themes/fouadchehabfoundation/assets/viewer/web/viewer.html?file=https://www.fouadchehab.org/wp-content/uploads/doc/bk/naccache-fr.pdf 

[4]  من هنا نفهم لماذا ازدادت المطالبة اليوم بمنح الحكومة صلاحيات استثنائية كون النظام السياسي اللبناني بعد 1990 يمنع وجود مركز واضح للقرار ما يؤدّي إلى تشظّي المسؤولية عبر إلقاء التّهم المتبادلة بين زعماء الطوائف. وهكذا، يصبح من المستحيل تحميل أيّ طرف المسؤولية بشكل واضح ما يفقد الشعب قدرته على المحاسبة.   

[5]  تألّفت الحكومة من أبرز زعماء أحداث 1958 برئاسة رشيد كرامي وعضوية ريمون اده وبيار الجميل وحسين العويني.

[6]  نقولا ناصيف، جمهورية فؤاد شهاب، دار النهار، بيروت، 2008، ص. 266.

[7]  أي في نهاية مهلة الشهر التي تفرضها المادة 57 من الدستور على رئيس الجمهورية من أجل إصدار القوانين وذلك بغية كسب الوقت.

[8]  لا بد من تسجيل هذه المفارقة بأنّ تشديد العقوبات لم يمنع مجلس النوّاب من إقرار قانون عفو عام (صدر في 24/12/1958) يشمل عدداً كبيراً من الجرائم التي ارتكبت خلال النزاع المسلّح. وقد تمّ اعتماد الحلّ نفسه بعد الحرب الأهلية مع صدور قانون العفو العام الشهير رقم 84 تاريخ 26/8/1991.

[9]  راجع محضر جلسة 29 حزيران 1959. هذا مع العلم أنّ المادة 97 من نظام الموظّفين جعلت من مجلس الوزراء المرجع النهائي للبت في أيّ خلاف بين الوزارات ومجلس الخدمة المدنية.

[10]  محضر جلسة 22 كانون الأول 1959. نشير هنا إلى أنّ المادة 96 من نظام الموظّفين نصّت على التالي: “تراعى في تعيين الموظفين أحكام المادة 95 من الدستور” أي تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظيفة العامة. وفي عهد شهاب سيتمّ تفسير المادة 95 من الدستور بما يفيد تأمين المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في الوظائف العامّة ما سيؤدّي إلى ارتفاع عدد الموظفين المسلمين بعد فترة طويلة احتلّ خلالها المسيحيون أغلبية وظائف الإدارة. إنّ المناصفة بهذا الشكل تطرح مشكلة مهمّة تتعلّق بخلق وظائف إضافية لا مبرّر لها سوى احترام الاعتبارات الطائفية، كما تؤدّي إلى إمكانية عودة المصالح الزبائنية للزعماء عبر تحويل الوظيفة المخصّصة لطائفة معيّنة إلى موقع نفوذ للسياسي الذي يدّعي الدفاع عن مصالح هذه الطائفة. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مرسوم ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *