المراسلون الصحافيون وضعوا توصيات حمايتهم: من يستجيب؟


2023-11-17    |   

المراسلون الصحافيون وضعوا توصيات حمايتهم: من يستجيب؟
البطاقتان الصحافيتان للشهيد عصام عبدالله والجريحة كارمن جوخدار

فيما يضع الاحتلال الإسرائيلي استهداف الصحفيين في رأس أولوياته في حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقيّ في غزة، بينما يقف لبنان أمام حرب مشتعلة عند جبهته الجنوبية، غير محسوم مدى توسّعها من عدمه، فإن الوقت داهم اليوم لتكثيف الجهود لتأمين الحماية الفورية والقصوى للصحافيين في لبنان، والذين اغتيل من بينهم الشهيد عصام عبدالله، واستهدفوا ثلاث مرات على الأقل لغاية اليوم بنيران إسرائيلية مباشرة. يوم أمس الخميس، دُعي الصحافيون إلى جلسة حوارية في بيت بيروت حملت عنوان “الحرب في عيون المراسلين”.

وبحضور الصحافيين الجرحى إيلي براخيا وكارمن جوخدار، من قناة الجزيرة، وديلان كولينز من وكالة الصحافة الفرنسية، الذين نجوا من استهداف الفرق الإعلامية في علما الشعب، وأسرة الشهيد عصام عبدالله، الذي قضى في الاستهداف نفسه، جلس الصحفيون ووزير الإعلام في الجلسة التي نظمتها نقابة المصورين مع الوزارة. وانقسم الصحفيون بين من حضر في القاعة، وآخر سجّل مداخلات من الجبهة، بينما كان اسم الزميلة كريستينا عاصي الراقدة في المستشفى بجراحها التي لم تُشفَ بعد، حاضرا على لسان الناجين من زملائها.

الشهيد عصام قضى بصاروخ إسرائيليّ استهدف الصحافيّين في علما الشعب

الزملاء الجرحى: الاستهداف الإسرائيلي عمدي وعائدون إلى الميدان

حمل الزميل إيلي براخيا جراحه التي ما زالت قيد العلاج  ليشاركها مع الزملاء، حيث لم يتعافَ كتفه بالكامل، فيما فقد السمع في الأذن اليسرى، وبُترت جزئياً أصابع من يده اليمنى. برخيا قال: “نحن اليوم هنا معكم، فيما كريستينا في المستشفى تستكمل علاجها، أما عصام، فقد خسرناه، ونخسره كلّ يوم مع كل صباح جديد”. ولم تفته الإشارة إلى “الجنود المجهولين”، أُسر الصحافيين الذين هم جزء من المعركة، موجّهًا التحيّة لزوجته “وهي الجيش المجهول من الجنود”. فيما ابتسمت عمّة عصام، ليلى، بعد أن وجّه لها زملاء التحية لصلواتها لهم على الجبهة، هي التي راسلت إحدى الزميلات عند استهدافهم في يارون، موصية إياها بترداد “وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا”، كي تُعمى عيون الاحتلال عنها.

ليلى عبدالله عمّة عصام خلال جلسة بيت بيروت

وإيلي برخيا يحكى بعضًا من قصته، استعاد لحظات الاستهداف التي قال إنه يتفكّر فيها كلّ يوم، شهد على مهنيّة وحرفيّة زملائه والفريق الإعلاميّ الذي كان هو من ضمنه، باتّخاذهم كافّة تدابير التغطية الصحفيّة السليمة في أوقات الحروب، مؤكّدًا أن الاستهداف الإسرائيليّ كان متعمداً.  

وللزميلة كارمن جوخدار موقف: “انا عائدة إلى الميدان، وليس صاروخ إسرائيلي ما يقرر حرف مسار اخترته وأنا على علم بصعوباته وتحدياته”. تؤكد أن القصة لا تقف عند استهداف واحد، مذكرة بنجاة الصحافيين من استهدافهم بصاروخين إسرائيليّين في يارون في 13 تشرين الثاني الجاري، بعد شهر من جريمة علما الشعب، لتؤكّد أن جريمتي علما الشعب وبعدها يارون، سبقهما استهداف أوّل بصاروخ إسرائيلي نجا منه فريق الجزيرة يوم الإثنين 9 تشرين أول، خلال تواجد جوخدار وبرخيا ومهندس البث زين شمس الدين في قرية مروحين، لتؤكّد الاستهداف الممنهج للصحافيين في الجنوب، ووجوب وضع خطط وإجراءات تحسّن ظروف الزملاء وتغطيتهم، وتضع آلية لتقليص الأضرار بحال وقوع استهداف جديد.

الجرحى يشاركوننا توصياتهم

لخصت مداخلة الزميلة كارمن جوخدار أهم الخلاصات والتوصيات التي خرجت بها من الاستهداف، من أجل حماية الصحفيين على الجبهة الجنوبية، والمتمثلة ب (1) تشكيل وحدة تشمل كل الجهات المعنية للتواصل معها لحظة الاستهداف، تدير كل التداعيات ومع رقم ساخن أسوة برقم الطوارئ، (2) انخراط وزارة العدل في تعريف المسارات القضائية وتشكيل مرجعية للمتابعة في مسار التحقيقات الدولية خاصة أن استهداف الصحفيين هو جريمة حرب، (3) التأكيد على أن النقابات تضطلع بدور ضاغط وداعم ومساند للوصول إلى الحقيقة، لكن على الدولة اللبنانية دعم التحقيقات والسير بها نحو الأطر الدولية، (4) وأن يكون هناك ميثاق شرف ملزم للمؤسسات الإعلامية تضعه الوزارة يضمن تدريب الصحافيين الذين يغطون النزاعات.

ولجوخدار توصية خامسة، حيث أن حرية الإعلام مقدسة ولكن يجب ان يكون هناك مسؤولية تنطلق من أخلاقيات المهنة، إذ لا يجوز نشر أخبار استشهاد زملاء من دون التثبت، أو صور لزملاء مرميين على الأرض، وهذا مزعج لهم ولعائلاتهم.

بدوره الزميل برخيا استكمل في شهادته التأكيد على دور الدولة في دعم المسار القضائي والقانوني الدولي، مشددا على ضرورة أن ينشر الجيش اللبناني تقريره الفني، لدعم التحقيقات المستقلة التي تجريها عدد من المؤسسات والمنظمات. وشدد الزميل ديلان كولينز في مداخلة مقتضبة على دعم التحقيقات ومتابعة المسارات القانونية والقضائية كافة. وإذ قال وزير الإعلام زياد مكاري إن الدولة قامت بما عليها أمام الجهات الأممية والدولية، في إشارة إلى رسائل وزير الخارجية إلى مجلس الأمن التي تشكو جرائم إسرائيل، أكدت المحامية ديالا شحادة على وجود خيار جدي بمنح لبنان المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية للتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية المرتكبة على الأراضي اللبنانية.

الزميل إيلي برخيا متحدثا خلال ندوة بيت بيروت

وتتصف رسائل لبنان الموجهة إلى مجلس الأمن بأفق محدود ينتهي عند القرار السياسي لدى حكومات الدول الخمس دائمة العضوية، والمنحاز أكثرها تاريخيّا إلى إسرائيل، ضمن الرعاية الدولية التي تكتسبها جرائمها، فيما سلّطت المفكرة القانونيّة في موضوع سابق الضوء على أهم الطرق المتاحة لمحاسبة إسرائيل على جرائمها دوليًا.

الدعم المعرفيّ والماديّ للصحفيين واجب لا رفاهية

طرح بعض الصحافيين خلال الجلسة منح الجيش اللبناني أذونات للتغطية دون التثبت من المواقع الإلكترونية الصغيرة التي ترسل موظفيها مجرّدين من الحد الأدنى من الدعم اللوجستي والمادي والمعرفي، وهي مواقع مُسجّلة لدى المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، ضمن فوضى المواقع التي يعود الكلام عنها عند كلّ استحقاق جدّي، كما حصل حينما وُزعت بطاقات صحفية بشكل غير موثوق في زمن كورونا للالتفاف على تدابير الحجر الصحي وحظر التجول. وإذ أكدت المداخلات على وجوب تنظيم هذه المواقع حماية للعاملين فيها، أرجع الوزير مكاري هذا إلى “الفوضى التي نعيشها في لبنان في السلم ونعيشها في الحرب”، قائلًا إن ضبطها “يدخلنا بمشاكل صلاحيات قد يأخذها البعض إلى المس بحقوق الطوائف”!. ويشير مكاري هنا إلى التقاسم غير المعلن للصلاحيات في تنظيم قطاع الإعلام بين نقابة أصحاب الصحف ونقابة المحررين والمجلس الوطني للإعلام، إلى جانب رئاسة لجنة الإعلام في مجلس النواب، تحاصص طائفي، يلتمس من خلاله الوزير العذر، ويتهرب من مسؤولية الدولة في الخروج منه لاسيما في أوقات دقيقة مثل فترة الحرب، بينما يضع الصحفيون دمهم على أكفهم اليوم وهم يقومون بعملهم. 

وهذا الواقع لا تبتعد عنه الكثير من المؤسسات الإعلامية العريق منها والحديث، والمحترف والمبتدئ، حيث لم تؤمن التدريبات الكافية التي يحتاجها المراسل الحربي لمعظم المراسلين فيها. وذكرت الزميلة جوخدار أن معلومة كانت قد تعلمتها خلال إحدى الدورات التدريبية، هي باختصار أن “السيارات تشكل هدفا”، أنقذت حياتها، إذ ابتعدت عن سيارة الجزيرة يوم 13 تشرين الأول بعد أن اُستهدف الفريق بصاروخ أول وسقط عصام أرضًا، وقبل أن تستهدف السيارة بالصاروخ الثاني بالفعل. 

تردّد صدى إهمال المؤسسات لواجباتها في مداخلة نقيب المصورين علي علوش، التي كانت أقرب إلى الصرخة، حيث قال إنه لا يريد الغوص في “همجية الاحتلال الإسرائيلي ولا التضحيات التي نقدمها” كونها لا تحتاج إلى بيان، معتبرًا أن “أصعب ما في الأمر أن مؤسساتنا الإعلامية لا تقف إلى جانب الزملاء، ترسلهم من دون تأمين صحيّ حتى”. وأكّد علوش على ضرورة أن تمنح المؤسّسات عامليها حقوقهم من رواتب عادلة وتغطية صحيّة فعّالة وشاملة لاسيّما أمام الأخطار التي تفرضها عليهم مهامهم: “وكل مؤسسة إعلامية تخذل اليوم مراسليها وصحافييها هي تخذل الوطن وتساهم مع العدو في أن ننسحب كصحافيين ومصورين من الجنوب”، مؤكّدًا: “نحن محلنا فوق (على الجبهة) لكنّنا نريد دعمًا صادقًا وواضحًا من مؤسّساتنا”. 

وتسلّط مداخلة علّوش الواقع الصعب الذي يعيشه العاملون في قطاع الإعلام في لبنان، لاسيّما بعد الأزمة الاقتصاديّة التي انفجرت عام 2019، حيث تدنّت رواتبهم، وانهارت تقديمات صندوق الضمان الاجتماعيّ لهم، وجُرّدوا من كافّة أشكال الحماية الاجتماعيّة مع غياب أيّ جهد رسميّ لضمانها لهم، فيما التلفزيون الرسميّ للدولة يغطّي الجبهة اليوم، ونحن نعرف أنّ رواتب موظّفيه لا تتعدّى الحد الأدنى للأجور ولا تغطية صحيّة لهم.

ديلان كولينز من وكالة الصحافة الفرنسية خلال ندوة بيت بيروت

من صحافيي غزة إلى صحفيي لبنان: كونوا صوتنا، ونبشركم أننا مستمرون

مراسلو وصحافيو غزّة حضروا أيضاً، محاصرون بالنار، ويواجهون الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بأصواتهم، ليشاركوا صحافيي تجربتهم وشهاداتهم. 3 رسائل من غزة، استمعنا لها بخشوع. مراسلة الجزيرة مباشر غالية حمد رأت في زملائها في لبنان “امتداد وعمق لغزة، في وقت قلّ فيه الامتداد”، محملة إيّاهم أمانة الاستمرار في التغطية والنقل، فأنا اليوم قادرة على مخاطبتكم وغدًا قد لا أكون قادرة في ظل القطع الإسرائيلي للاتصالات والإنترنت عن القطاع. بدوره، هشام زقوت من الجزيرة أيضاً، شارك برسالة مصورة مع زملائه ظروف عمله في القطاع “حيث التغطية صعبة على الصعيد الشخصي والحياتي والإنساني، ونحن لا نستطيع توفير حتى الغذاء والماء لعائلاتنا كما كل سكان غزة “حيث إن لم تمت قصفًا، ستموت جوعًا وعطشًا”، موصيًا صحافيي لبنان بـ”إعلاء الصوت كي لا تبقى غزة وحيدة”. 

وأطلّ مراسل قناة الجزيرة وائل الدحدوح من فوق ركام القصف الإسرائيلي: “للبنان وإعلامييه في قلوبنا مكانة خاصة”، ليدخل في صلب الموضوع: “أكثر من 50 صحافيّا استشهدوا هنا، إلى جانب المصابين، واستهدفت عائلات وأسر عدد من الصحفيين، من بينهم بالتأكيد أسرتي. 12 شهيدًا من أقاربي، ومن بينهم زوجتي، إبني، إبنتي، وحفيدي”. عدّدهم وائل، وعلى وجهه جدّيّة المراسل الحربيّ، وفي عيونه حنان الأب والجد والزوج المفجوع، ليقول لنا: “أبشركم، بأن هذا الوجع، وهذا الألم، وهذا الجرح النازف، لن يثنينا عن مواصلة الطريق، لأنه ببساطة، رسالة إنسانية نبيلة، ولأنه ببساطة، واجب نقوم به بأعلى درجات المهنية”.

وإذ يستمر الصحافيون في لبنان بأداء مهامهم على الجبهة، ويتصل دمهم بدم زملائهم في قلب غزة، فإن على طريق العدالة لعصام عبدالله محطة أساسية، هي حماية زملائه، أخوة المهنة، محطة يقف فيها الإعلاميون اليوم، وهم مستمرون بتغطية الجبهة التي سقط عليها، واضعين مطالبهم، توصياتهم، حاجاتهم، وصرخاتهم، وهي إن غُلفت بشغف غير محدود، وضُبطت بحس مسؤولية عال، يبقى أنها ضرورية، طارئة، ولا تحتمل انتظارًا. وإذ أن جلسة بيت بيروت بدأت بسؤال من ميسرة الحوار الإعلامية زينة باسيل شمعون للوزير” كم تضع للمراسلين في الجنوب علامة من واحد إلى عشرة؟” ليجيب بتسعة من عشرة، “وكنت أتمنى لو أضع عشرة من عشرة لولا بعض الثغرات”. لعلّ السؤال والجواب لم يكنّا في المكان والزمان المناسبيّن، إذ أن مقياس تقييم عمل الصحافي هو مصداقيته ومهنيته وحريته حصرا، والأهم أن السؤال الأساسي يوجّهه الصحافيون اليوم لأنفسهم ويجيبون عنه، كم سنضع نحن من علامة للحكومة ووزرائها، في حمل قضايانا، وحمايتنا، وفي مساندة مسار تحقيق العدالة الذي بدأوه هم، والإفراج عن التقرير التقني الذي يدعمه حتما. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، إعلام ، تحقيقات ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية