المحكمة العليا تبطل البيانات المالية لنقابة محامي بيروت: الشرعيّة تنتصر


2020-06-10    |   

المحكمة العليا تبطل البيانات المالية لنقابة محامي بيروت: الشرعيّة تنتصر

أصدرت الغرفة الثالثة في محكمة التمييز المؤلفة من الرئيسة سهير الحركة والمستشارين مارون أبو جودة ورلى أبو خاطر قراراً قضى برد التمييز المقدم من نقابة المحامين في بيروت برقم 5/2019 في الأساس وإبرام القرار المميّز برمّته. وقد انتهى القرار إلى إبطال المصادقة الحاصلة على البيان المالي للعام 2015 للنقابة لمخالفة القيّمين على إدارة الجمعية العامة موجب التأكد من توافر الأكثرية بدقة.

وفي تفاصيل الدعوى، كانت محكمة الإستئناف المدنية في بيروت الغرفة الرابعة قد أصدرت بتاريخ 27 آذار 2019 قراراً شكّل سابقة نقابية وذلك لدى النظر بالدعوى المقامة من المحامي مطانيوس عيد بوجه نقابة المحامين في بيروت. فقد أرسى القرار مبادئ قانونية تنّظم كيفية إنعقاد الجمعيات العامة في النقابات، إضافة إلى وضع معايير تحمي المنتسبين من أي ضررمكّرساً الحق بإمكانية الطعن بقرارات الجمعية العامة وحق المطالبة بالبطلان النسبي من قبل أي متضرر.

يجدر الذكر أن المحكمة الإبتدائية في بيروت كانت قد أصدرت حكماً بنفس المنحى بتاريخ 29 نيسان 2020 نتيجة الطعن المقدم من قبل مجموعة من المحامين  كان من ضمنهم النقيبان السابقان الراحل المحامي عصام كرم والمحامي ميشال خطار، وذلك طعناً بالبيان المالي للنقابة المصادق عليه بتاريخ 18 تشرين الثاني 2018.

وفيما أبرم قرار محكمة التمييز النقاط القانونية المثارة في القرار الاستئنافي كافة، فإنه أرسى مرتكزات عدة عالجها القرار المطعون فيه، ومن شأنها إلزام نقابة المحامين باحترام أصول انعقاد الجمعيات العمومية. وبالإمكان تعداد هذه النقاط على الشكل الآتي:

1- لا امتياز قضائي لنقابة المحامين في قضايا التصديق على حساباتها

أكدت المحكمة في قرارها على الإختصاص العام لمحكمة الدرجة الأولى للنظر في النزاع كونها المحكمة العادية ولها إختصاص عام في القضايا المدنية والتجارية سنداً لأحكام المادة 90 من قانون أصول المحاكمات المدنية، مؤكدة أن هذه الوجهة تراعي مبدأ التقاضي على درجتين وهو المبدأ الضامن لتحقيق العدالة. يُلحظ أن نقابة المحامين في بيروت كانت طالبت بإعتبار محكمة الدرجة الأولى غير مختصة كون الاختصاص عائداً في مثل هذه الدعاوى إلى محكمة الإستئناف المدنية الغرفة الناظرة بالقضايا النقابية (والتي يشارك فيها محاميان معينان من مجلس نقابة المحامين). وذلك أن موضوع الدعوى مرتبط بقضية مهنية ذات مفهوم خاص وضيّق، الأمر الذي يقتضي معه إعمال نص المادة 112 من قانون أصول المحاكمات المدنية. وبذلك، تكون محكمة التمييز قد حصرت مدى الإمتياز القضائي، مؤكدة أن إدارة الشؤون النقابية المالية لا يدخل ضمن هذا الإمتياز.

2- إلزام النقابة بوجوب التثبت من توافر شروط المشاركة في التصويت وتوافر الأكثرية

ميّز القرار بين النصاب القانوني quorum أي الحد الأدنى من الحضور المطلوب لانعقاد الجمعية العمومية وبين أغلبية الأصوات المطلوبةmajorite   لإقرار المقترحات الجاري التداول بشأنها. وقد قضى القرار في ضوء مراجعة محضر الجمعية العامة المنعقدة بتاريخ 15 تشرين الثاني 2015 أن عدم وضع قائمة بالمشاركين في التصويت وتعداد الأصوات بشكل دقيق يشّكل مخالفة لنص المادة 38 من قانون تنظيم مهنة المحاماة التي تفترض بأن تحصل القرارات على الأكثرية النسبية. وهذه الشروط موضوعة لحماية المصالح الخاصة لأعضاء النقابة ويترتب على مخالفتها البطلان النسبي الذي يجعل كل عضو من أعضاء النقابة صاحب صفة للمداعاة والمطالبة بإبطال مقررات الجمعية العامة المخالفة للقانون. وعليه، قضت بإبطال جزئي للمحضر الجمعية العامة في الشق المرتبط بالبيان المالي، والإبقاء على  نتائج الانتخابات صحيحة وقائمة.

وإزاء ادّعاء النقابة بأن عبء إثبات عدم توافر الأكثرية ملقى على عاتق الطرف الذي يطعن بمقررات النقابة، اعتبرت محكمة التمييز أن وجود محضر الجمعية العامة يسّهل عملية الإثبات أمام القضاء حول حقيقة قرار متخذ. وقد استخلصت من ذلك ضرورة تنظيم محضر تدّون فيه المداولات الحاصلة، رغم عدم وجود شروط شكلية يخضع لها تنظيم هذا المحضر. كما رأت أنه لا  بد من حصول تدقيق  للأعضاء الراغبين بالمشاركة من خلال رفع الأيدي ومعرفة مدى توافر شروط  المشاركة فيهم. يتبع ذلك، وجوب القيام بتعداد دقيق ومفصل للأصوات لمعرفة ما إذا كانت الأكثرية النسبية المنصوص عليها في المادة 38 من قانون تنظيم مهنة المحاماة قد تأمنت، وإن أي قول خلاف ذلك يكون متعارضاً مع المادة المذكورة.

وعليه، إعتبرت محمكة التمييز انه في ضوء عجز النقابة عن إبراز ما يثبت حصول تعداد للأعضاء الذين رفعوا أيديهم وعدم تأكدها من توافر شروط المشاركة، تكون محكمة الاستئناف -كمحكمة أساس- قد أصابت في تطبيق القانون ولم تقلب عبء الإثبات. وبالتالي، لم تخالف أحكام الفقرة الأولى من المادة 132 أ.م.م، إنما مارست دورها في إعمال سلطتها التقديرية للوقائع المطروحة أمامها بعد الإطلاع على كامل معطيات الملف وسائر الأدلة، مؤكدة أن الحقّ بالتقدير يخرج عن رقابة محكمة التمييز طالما أنه لم يكن مشوباً بعيب التشويه.

3- مخالفة الشروط الجوهرية يستوجب الإبطال

أخيرا، تعرضت المحكمة لحجة أخرى أثارتها النقابة ومفاجدها عدم جواز ترتيب البطلان لأن قانون تنظيم مهنة المحاماة هو قانون خاص لا يرتب هكذا نتيجة. وقد بررت النقابة هذا المطلب من خلال استنادها إلى المادة 59 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي حدّدت شروط إعلان بطلان الإجراءات القضائية لعيب في الشكل. فما كان من المحكمة إلا أن ذكرتها أن هذه المادة تنطبق على بطلان الإجراءات القضائية، ولا تتصل أبدا بالإجراءات المتعلقة بإجراءات نقابية.

كذلك، أكدت محكمة التمييز أن القرار المطعون فيه أحسن في إعتباره أن عدم مراعاة القواعد النظامية المتعلقة بطرق التصويت واجراءاتها يفضي إلى الحكم ببطلان مداولات الجمعية العامة والقرارات المتخذة فيها جزئياً كون هذا الأمر بحد ذاته يشكل مخالفة جوهرية توجب الإبطال. وأضافت المحكمة لهذه الناحية، أن الأعمال التي تتخذ الجمعية العامة قرارات بشأنها سنداً لجدول الأعمال المحدد في نص المادة 40 من قانون تنظيم مهنة المحاماة يترتب عليها نتائج ذات أهمية بالنسبة للمحامين والنقابة. وعليه، من البديهي ترتيب نتيجة الإبطال على مخالفتها، ولا يرد على ذلك عدم تضمين قانون تنظيم مهنة المحاماة صراحة البطلان كنتيجة. وعليه، فإن القواعد النظامية التي ترعى عملية التصويت وإجراءاتها هي إجراءات جوهرية لا بد من أن يكون هناك تبعات لعدم إحترامها.

4- ماذا بعد؟ الركون الى المرجع الأعلى للمحامين والمحاميات

يبقى ختاماً أن نشير إلى أهمية التداعيات المتأتية عن هذا القرار المبرم على مالية النقابة. ففي ضوء إبطال هذه المصادقة، تطرح تساؤلات حول قانونية الإنفاق الحاصل منذ العام 2015 وحتى 2019 ومشروعيته. وهذا القرار يشكل مدماكا أساسيا يمكن لمجلس النقابة الحالي الركون إليه من أجل إعادة تصويب القرارات التي أنهكت الصناديق المالية للنقابة سواء لجهة التنازل عن الكفالة المقدمة من شركة إدارة الملف الصحي والإستشفائي بقيمة عشرة ملايين دولار أميركي أو لجهة تحميل المحاميات والمحامين العجز الذي تفوق قيمته إثني عشرة مليون وسبعماية ألف دولار أميركي.

الأمر الثابت والأكيد أن الجمعية العامة غير العادية تشكل المخرج القانوني لمعالجة كل هذه الشوائب. ولا بد من إطلاع أعضائها على كافة المعطيات المالية بكل شفافية، بعد وضع البيانات المالية بتصرفها، وهي وحدها القادرة على إعادة تصويب المسار بإعتبارها المرجع الأعلى للمحامين والمحاميات.

وتبقى العيون شاخصة على ما سيتخذه مجلس النقابة الحالي من مقررات للتعاطي مع هذه الإشكالية القانونية الدقيقة، لا سيّما لجهة تحديد ماهية خياره بشأن الطعن في القرار الصادر بتاريخ 29 نيسان 2020 والذي يأتي منسجماً، بل ومتطابقاً في نقاط عديدة، مع الوجهة القانونية للقرار الحالي.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *