المحكمة العسكرية في قضية مظاهرة الـ” لو غراي”: التظاهر و”الشغب” خارج إختصاصي


2017-03-21    |   

المحكمة العسكرية في قضية مظاهرة الـ” لو غراي”: التظاهر و”الشغب” خارج إختصاصي

أعلنت المحكمة العسكرية اليوم بتاريخ 20/3/2017، عدم إختصاصها لمحاكمة المتظاهرين في قضية مظاهرة 8 تشرين الأول 2015. وقد شمل هذا القرار كل المتظاهرين لناحية إتهامهم بالقيام بأعمال الشغب وتخريب الأملاك الخاصة حيث سيتم إحالة القضية الى القضاء العدلي. بالمقابل أبقت المحكمة على إختصاصها لناحية "معاملة قوى الأمن بالشدة"، وهي تهمة موجهة لخمسة من بين الماثلين امامها دون رفاقهم. وقد أرجأت الجلسة في هذا المجال الى 24 نيسان 2017.

وكان قاضي التحقيق العسكري الأوّل رياض أبو غيدا قد أصدر قرار ظني في 11/11/2015 بالادعاء على خمسة عشر متظاهر ومتظاهرة بتهمة تشكيل مجموعات شغب ضمن الحراك المدني وعدم التفرق إلا بعد استعمال القوة (المادتين 346 و348 من قانون العقوبات) وإقدام خمسة منهم على معاملة عناصر قوى الأمن بالعنف والشدة ورشقهم بالحجارة (المادة 381 من قانون العقوبات) وتخريب ممتلكات الغير (المادة 733 من قانون العقوبات).

مجريات الجلسة

إذن، حضر المتظاهرون المدنيون أمام المحكمة العسكرية الدائمة للمرة الرابعة في قضية مظاهرة 8 تشرين الأوّل 2015 والمعروفة باسم "مظاهرة لو غراي". وقد عقدت الجلسة بغياب وكلاء الدفاع على خلفية إعلان نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس الإضراب عن حضور الجلسات إحتجاجاً على مشاريع قوانين الضرائب والغرامات. وكان المحامون قد تقدموا خلال الجلسة الفائتة بمذكرتي دفوع شكلية تتعلقان بعدم صلاحية المحكمة العسكرية بالنظر في القضية.

وكان رئيس المحكمة العميد حسين عبدالله قد إكتفى أولاً بإعلام المتظاهرين بتأجيل الجلسة، بسبب غياب وكلائهم.,وبعد أن سأل عبدالله الناشطين إذا ما كان أحد وكلائهم حاضراً ولو بصفة شخصية، أعلموه أنه تم منعهم من الدخول بهذها الصفة. فأبلغهم الموعد القادم من دون أي إشارة لصدور قرار يتعلق بالدفوع الشكلية المقدمة أمام المحكمة في الجلسة الفائتة. بالتالي كانت لتمر الجلسة من دون علم المدعى عليهم بمضمون القرار، لولا إعتراض النائب العام على عدم تلاوته. فعاد عبدالله وتلى مضمونه علناً.

اللافت خلال الجلسة أن جميع المدعى عليهم الحاضرون داخل القاعة، يعودون الى مقاعدهم بعد مثولهم أمام المحكمة ورغم إنتهاء سبب وجودهم في المحكمة، لينتظروا إنتهاء كل الجلسات حتى يتمكنوا من الخروج. لماذا؟ لأن الماثلين أمام العسكرية لا يملكون خيار العودة الى حياتهم اليومية بمجرد إنتهاء دورهم أمام المحكمة كما هي الحال أمام المحاكم العدلية. فهم محتجزون بأمر الواقع لحين انتهاء انعقاد جميع جلسات المحكمة.

توضح المحامية غيدة فرنجية أنه، خلافاً للإجراءات المتبعة أمام المحاكم الجزائية، يتم إبقاء المدعى عليهم بعد إنتهاء جلساتهم الى حين "طلب النشرة لهم". بالتالي، "غالباً ما تؤدي هذه الإجراءات الى تنازل المدعى عليهم عن حقوقهم مثل الحق بتقديم دفوع شكلية والحق بتمييز قرارات البت بالدفوع الشكلية أو حتى الحق بالإستمهال لأجل المرافعة بهدف تفادي زيادة عدد الجلسات أمام المحكمة العسكرية وتعطيلهم لعدة ساعات بسببها". بالنتيجة، "يؤدي ذلك الى اضعاف إمكانية المتقاضين بالتمتع بضمانات المحاكمة العادلة".

تشرح فرنجية أن هذا التعطيل الذي يطال حياة الأفراد عند محاكمتهم امام المحكمة العسكرية يؤدي عادةً الى إمتناعهم عن الدفع بعدم إختصاص المحكمة إختصاراً لعدد الجلسات وتسريعاً للمحاكمة. بالتالي فإن المفارقة في هذه القضية كانت في ذهاب المحامين نحو تقديم هذا الدفع، وقبول المدعى عليهم بتحمل نتائج ذلك من حضور إضافي امام المحكمة.

أهمية القرار

بنتيجة هذا القرار، ستتابع المحكمة العسكرية محاكمة خمسة من المدعى عليهم بتهمة معاملة قوى الأمن بالشدة، وهم: بيار حشاش، وارف سليمان، حسين إبراهيم، فايز ياسين ورامي محفوظ. فيما سيحال جميع المدعى عليهم للمحاكمة أمام القضاء العدلي بتهمتي الشغب وتخريب الأملاك. أما عن أهمية هذا القرار فتعتبر فرنجية أنه يفهم بإتجاهين، الاول يتعلق "بصلاحيات القضاء العسكري بمحاكمة المدنيين"، أما الثاني فهو مرتبط بـ"الحق بالتظاهر".  فهذه القضية "تظهر أن هناك توجه في الممارسة لتوسيع صلاحيات القضاء العسكري لمحاكمة المدنيين عما نص عليه القانون". وهو ما يثبته القرار "عندما أعلن عدم إختصاصه تطبيقاً للنص القانوني وليس إجتهاداً عليه". كذا يتضح وجود نيية لهذا التوسع بمجرد "مرور الإدعاء بمفوض الحكومة وقاضي التحقيق من دون أن يشير أي منهما الى ان الإتهامات المرتبطة بممارسة الحق بالتظاهر (الشغب وتخريب الأملاك) لا تدخل بأي شكل ضمن إختصاص المحكمة". أكثر من ذلك، يتضح هذا التوجه من خلال "توقيف حوالي الخمسين شخص إثر مظاهرة 8 تشرين الثاني 2015 والادعاء بحق 30 شخص من قبل مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومن ثم الظن بحق 15 شخص من قبل قاضي التحقيق العسكري الأوّل، في حين أن القانون يمنح صلاحية محاكمة خمسة منهم فقط للقضاء العسكري.

هذا التفاوت العددي، يؤدي الى تثبيت القول أنه تم "إستخدام القضاء العسكري في هذه المظاهرة تحديداً لتخويف الناس من التظاهر، حيث لعب هذا القضاء دوراً أساسياً بقمع المظاهرات، من خلال إخضاع المدنيين للملاحقة والتحقيق امامه في شؤون تتعلق مباشرة بحقوقهم المدنية (منها الحق بالتجمع والتظاهر والتعبير). وهنا تحديداً تظهر أهمية القرار لناحية "الحق بالتظاهر" بصفته حقاً مدنياً يخضع تقييده لرقابة القضاء العدلي حصراً.

"استكمال الحراك"

تجد سينتيا سليمان، وهي من المدعى عليهم في هذه القضية، في هذا القرار إنتصاراً للناشطين وللمحامين الذين يعملون منذ 2015 على هذه القضية".

وهو كذلك لأن "نحن لا يجب ان نحاكم أمام العسكرية كوننا مدنيين لا نتعامل مع عدو ولا متهمين بقضايا ارهاب….". لهذا السبب تعتبر سينتيا أيضاً أن "هذا القرار يجب أن يشمل باقي الشباب (الخمسة الذين إتهموا بمعاملة قوى الامن بالشدة)". بهذا الصدد تشير الناشطة الى إرتياحها "الى قيام المحامين بتقديم دفوع شكلية تتعلق باختصاص المحكمة. فهي تحمل "قناعة بعدم وجوب محاكمة المدنيين امام المحكمة العسكرية بالمطلق". تنتهي سليمان الى القول أن هذا القرار "هو إستكمال لما بدأناه في الحراك، وهو أظهر ان المحكمة العسكرية لا يمكن لها ان تحاكم المتظاهرين لممارستهم حقهم، فلم يعد من الممكن أن تهز لنا أو لاي متظاهر عصا المحكمة العسكرية من جديد".

تتفق سينتيا مع وارف سليمان، وهو الآخر من بين المدعى عليهم أيضاً، من إنزعاجهم من خضوعهم للسلوكيات العسكرية القائمة على الإنضباط الشديد والصارم خلال حضورهم الجلسات. "مش كل العالم مجبورة تمشي عالنظام العسكري" تقول سينتيا. أما وارف فيعبر عن إنزعاجه من "التفتيش عند المدخل، الأمنيات، حتى دخولنا الى الحمام (المرحاض) يكون بمرافقة عناصر… نعامل كأننا معتقلين فلا نستطيع ان نتحرك براحتنا وأن نتحرك كما نريد". يضيف : "أعامل كأنني عسكري وأنا بعمري ما كنت عسكري".  

بيان وكلاء الدفاع

وقد رحب المحامون المتوكلون عن الناشطين المدعى عليهم، في بيان صادر عنهم اليوم، بالقرار الصادر عن العسكرية. وإعتبروا أن من "شأنه ضمان الحق بالتقاضي الطبيعي والإلتزام بالصلاحيات التي منحها القانون للقضاء العسكري الاستثنائي". كذا شدد المحامون على أن المسؤولية الأولى للحد من التوسع في صلاحيات القضاء العسكري تقع على عاتق مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وقضاة التحقيق العسكريين، وهم من القضاة العدليين". وأكدوا متابعتهم بالدفاع عن المتظاهرين المدعى عليهم في هذه القضية سواء امام القضاء العدلي أو العسكري.

في ظل تعذر حصول المحامين على نسخة من القرار حتى اللحظة، تعاود المفكرة لاحقاً نشر القرار بالكامل على صفحتها. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، المرصد القضائي ، لبنان ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية