المحكمة الإدارية توقف أعمال لجنة فرز الترشحات لعضوية الهيئة المستقلة للانتخابات في تونس.. وتمضي في فرض استقلاليتها


2013-05-15    |   

المحكمة الإدارية توقف أعمال لجنة فرز الترشحات لعضوية الهيئة المستقلة للانتخابات في تونس.. وتمضي في فرض استقلاليتها

أصدرت المحكمة الإدارية بتونس يوم الثلاثاء 14 ماي 2013 قرارا استعجاليا يقضي بإيقاف أعمال لجنة فرز الترشحات لعضوية الهيئة المستقلة للانتخابات. أتى القرار على خلفية طعن قضائي تقدمت به إحدى المرشحات لعضوية الهيئة تم إقصاؤها من قبل اللجنة بدعوى انتمائها حزبيا لأحد الأحزاب السياسية  بما يفقدها الاستقلالية المطلوبة وهو أمر نفته الطاعنة. واستند قرار المحكمة الإدارية حسب تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام لمصادر من المحكمة الإدارية الى الاخلالات التي اعترت السلم التقييمي للمترشحين والذي أعدته رئاسة المجلس الوطني التأسيسي والى مخالفة الاجراءات في تحديد آجال الترشح والذي يتمثل أساسا في تمديد آجال قبول الترشحات دون سند اجرائي مطابق للقانون.
ورغم كونه قرارا استعجاليا لم يبت في أصل النزاع، يبقى القرار ذا دلالة هامة يستحق التوقف عنده لتبيان الصراع الذي تخوضه المحكمة لفرض استقلاليتها في مرحلة ما بعد الثورة لاعتبارين أولهما يتعلق بالجهة التي أصدرت القرار وثانيهما يتعلق بمؤسسة الهيئة المستقلة للانتخابات .
فقد تولت المحكمة الادارية فرض رقابتها القضائية على احدى لجان المجلس الوطني التأسيسي فأخضعت أعمالها لرقابة المشروعية. ويتعين التنبه لكون ذات المحكمة سبق لها بتاريخ سابق خلال نفس السنة أن ابطلت قرارا أصدرته رئاسة المجلس التأسيسي بزيادة أجور نواب المجلس. ويبدو فقه قضاء المحكمة الادارية في تعاطيها مع المجلس الوطني التأسيسي جريئا على اعتبار أن المحكمة فرضت من خلال قضائها في النزاعين اللذين عرضا عليها توجها يقطع مع التوجه لتوسيع مفهوم الأعمال السيادية  للسلطة التأسيسية الأصلية. 
كشف قرار المحكمة الادارية عن جرأة من قبلها في فرض حمايتها لمشروعية المقررات الادارية على اعتبار أن قرارها بايقاف أعمال لجنة الفرز يؤكد عزمها على فرض رقابتها القضائية على أعمال المجلس الوطني التأسيسي ذات الصبغة الادارية رغم أن رقابتها المذكورة تجد رفضا من أعضاء السلطة التشريعية الذين وان اذعنوا في تاريخ سابق لقراراتها فانهم لم يخفوا رفضهم لتدخلها في أعمالهم فدعوا الى تحصين سلطتهم من الرقابة القضائية بدعوى أنهم سلطة تاسيسية لا يجوز أدبيا اخضاعها لرقابة قضائية .
ذات جرأة المحكمة الادارية في صياغتها لحدود رقابتها على الأعمال الادارية دون التفات لاعتبارات السياسيين يكشف عنها القرار في موضوعه. فالمحكمة الادارية قررت ايقاف أعمال لجنة فرز الترشيحات للهيئة المستقلة للانتخابات ويؤدي قرارها عمليا الى تعطيل تشكل هذه الهيئة لحين الالتزام بما سيبينه حكمها في أصل النزاع من شروطها لاعادة استئناف لجنة الفرز لأعمالها في نطاق المشروعية.
ويكون القرار بهذا المنظور تحديا لاجماع الطيف السياسي الذي ينادي بضرورة التعجيل بارساء الهيئة المستقلة للانتخابات ليتم لاحقا تحديد رزنامة المواعيد الانتخابية بغاية انهاء حالة الاحتقان السياسي والاسراع بانهاء المرحلة الانتقالية.
قررت المحكمة الادارية تعليق أعمال لجنة الفرز دون التفات للاعتبارات السياسية ودون اهتمام بما قد ينسبه السياسيون لقضاتها من تهم تتضمن تحميلهم المسؤولية الأدبية عن تعطيل مسار الاصلاح السياسي و هو أمر تم فعليا بذات تاريخ صدور القرار، اذ صرح عضو المجلس الوطني التأسيسي  الطاهر هميلة لصحيفة الصباح نيوز أن المحكمة الادارية تتحمل وحدها مسؤولية تعطيل الانتخابات. وتكشف جرأة المحكمة وتجاوزها للاعتبارات السياسية في قضائها عن روح الاستقلالية التي تميزها ويذكر هنا أن ذات المحكمة سبق لها بتاريخ 11 نوفمبر 2011 أن تحدت ذات الاعتبارات السياسية بالغائها لقرار اللجنة المستقلة للانتخابات اسقاط قوائم حزب العريضة الشعبية التي فازت بمقاعد انتخابية.
تحدت المحكمة الادارية في قرار 11 نوفمبر 2011 الطبقة السياسية وانتصرت للقانون بعد أن صرحت بنجاح نواب عدتهم الطبقة السياسية جزءا من النظام السابق واستعملت سلطات هيئة الانتخابات لاقصائهم بدعوى عدم احترامهم لقانون التمويل الانتخابي دون دليل قانوني، وعاودت ذات المحكمة الكرة في مواجهة ذات الطبقة معتبرة أن الانتصار للقانون يتجاوز في تقديراتها الاعتبارات السياسية ولو كانت محل اجماع وطني.
تمكنت المحكمة الادارية بأحكام متواترة، يعد الحكم الذي صدر عنها بتاريخ 14 ماي 2013 أحدها، من تأكيد نزعتها لفرض استقلاليتها بما يؤكد أن المصداقية التي تمتعت بها قبل الثورة لم تتحقق الا بفضل ايمان قضاتها بضرورة الانتصار للقانون دون اعتبار للحسابات السياسية. قدرة المحكمة الادارية على فرض استقلاليتها في مختلف المراحل قد يعيد طرح السؤال حول استقلالية القضاء ان كانت فعلا رهينة توفر اطار قانوني يضمنها أم أنها ثقافة تسبق القانون ولاتتوقف دونه وان كانت تطلبه وتدافع عنه.

انشر المقال



متوفر من خلال:

تونس ، المرصد القضائي ، استقلال القضاء



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية