المحكمة الإدارية العليا المصرية: الإضراب حق للعاملين المدنيين بالدولة


2015-12-28    |   

المحكمة الإدارية العليا المصرية: الإضراب حق للعاملين المدنيين بالدولة

بعد حكمها المثير للجدل الصادر في 18-4-2015، والتي اعتبرت فيه أن الاضراب جريمة استنادا إلى الشريعة الاسلامية، أصدرت المحكمة الادارية العليا حكماً في 26-7-2015 تقر فيه حق الاضراب باعتباره حقاً دستورياً، وقد نشرت المحكمة حيثيات حكمها مؤخرا. وقد أيدت المحكمة في هذا الحكم حكماً صادراً من المحكمة التأديبية بالاسماعيلية بإلغاء قرار صادر ضد موظفة في محكمة استئناف الاسماعيلية بمجازاتها لمشاركتها في اضراب تم تنظيمه للمطالبة بمعاملتهم ماليا مثل باقي العاملين في المحاكم الأخرى.

ويستدعي هذا الحكم ملاحظتيين، نناقشهما ادناه.

 
حق الاضراب حق دستوري لكل الموظفين دون تفرقة

بخلاف حكمها الصادر في 18-4-2014، والذي اعتبرت فيه المحكمة أن حق الاضراب يستند الى العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اعتبرت المحكمة في حكمها الأخير أن الاضراب حق دستوري. فقد اعتبرت المحكمة أن الإضراب السلمي "لم يعد منحة بل صار من الحقوق الدستورية المكفولة لكل فئات العمال بغض النظر عن الجهة التي يعملون بها أي سواء بالقطاع الحكومي أو العام أو الخاص"، وذلك استناداً إلى دستوري 2012 و2014.

ونلاحظ هنا أن المحكمة لم تفرق بين الموظف العام وموظف القطاع الخاص عكس حكمها السابق الذي اعتبرت فيه أن اضراب الموظف العام هو نوع من التمرد على السلطة، وأن من واجابته إبداء ولائه للدولة والنظام القائم و"عدم مهاجمة نظام الدولة وفلسفتها الاجتماعية"، وذلك حتى في الجلسات الخاصة[1]. ولكن المحكمة تخلت في هذا الحكم عن هذه النظرة التقليدية للموظف العام معتبرة أن حقّ الإضراب مكفول لكل الموظفين على حدّ سواء، بل أن المحكمة التأديبية بالاسماعيلية، والتي أيدت المحكمة العليا حكمها، اعتبرت أن الاضراب الذي تمّ "لم يمثل أي خروج عن القانون".    
 
 
غياب القوانين المنظمة للحق لا يؤدي الى تعطيله

"وسواء نشط المشرع أم لم ينشط لتنظيم هذا الحق على النحو الذي يستحقه شعب قام بثورتين-ثورة الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو- فان استعمال العمال لهذا الحق جلباً لحقوقهم دون اضرار بالمرافق العامة، انما هو استعمال مشروع لحق ثابت دستورياً ولا يستوجب عقاباً، اذ انه متى قرر الشارع حقاً اقتضى ذلك حتماً اباحة الوسيلة الى استعماله، اذ يصدم المنطق أن يقرر الشارع حقاً ثم يعاقب على الأفعال التي يستعمل بها، فيكون معنى ذلك تجريد الحق من كل قيمة وعصفاً به كلية وتحريماً ومصادرة كاملة للحق ذاته." هكذا اكدت المحكمة الادارية العليا على حق الاضراب سواء وُجدت القوانين المنظمة له، او لم توجد.

ففي حين ينظم قانون العمل تطبيق حق الاضراب لموظفي القطاع الخاص، فان قانون الخدمة المدنية لا يتطرق لهذا الأمر، وهو ما اعتبرته المحكمة لا يؤدي الى تعطيل ممارسة حق الاضراب، بل اعتبرت ان تعطيله صادم للمنطق بعدما أقره الدستور حقاً لكل المواطنين. بل اعتبرت أن دور المشرع هو في إباحة الوسيلة التي تجيز حق الاضراب وليس أن يعطل تطبيقه أو يعاقب على الأفعال المتمثلة في ممارسة المواطنين لهذا الحق.  

وكانت المحكمة التأديبية بالاسماعيلية، التي أيدت المحكمة العليا حكمها، أقرت ضوابط قضائية لممارسة حق الاضراب بالنسبة للعاملين المدنيين بالدولة، بسبب غياب الضوابط التشريعية. وقد عددت المحكمة هذه الضوابط: بأن يكون الاضراب معلناً وباخطار سابق الى جهة الادارة مشترطة أن يكون الإضراب بعد استنفاذ جهد معقول في التفاوض. كما اشترطت أن يكون الاضراب مؤقتاً ولمدة معلنة سلفاً، بالاضافة الى ضرورة أن يستهدف الاضراب الصالح العام[2] دون أن يكون القصد منه تعطيل العمل أو الاضرار بالمتعاملين معه، معتبرة أن ذلك الأمر يخضع لتقدير القضاء. كما اشترطت المحكمة أن يكون الاضراب جزئيا، كما حظرت اضراب العاملين في الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة مثل الصحة والأمن والدفاع.

وبذلك، لعبت المحكمة دورها الإجتهادي، ووضعت خطوطاً عريضة يمكن للمشرع الرجوع اليها في حال وضع تشريع لتنظيم إضراب العاملين المدنيين بالدولة.

وبتأييد المحكمة الادارية العليا لهذا الحكم، دون أي تعليق منها على هذه المعايير، نستشف أن المحكمة تقر هذه الضوابط لاضراب العاملين المدنيين بالدولة. كما أكدت على ضرورة أن يكون استعمال حق الإضراب يهدف الى جلب حقوق هؤلاء العاملين، وألا يسبب أي اضرار بالمرافق العامة.

 
الخلاصة

بهذا الحكم، تكون المحكمة الإدارية العليا قد أسست لفقه جديد بخصوص إضراب العاملين المدنيين بالدولة، يستند الى الدستور وليس الى الإتفاقية الدولية. كما أن هذا الحكم يحث البرلمان المصري الذي سيباشر عمله بعد فترة وجيزة بمراجعة قانون الخدمة المدنية وتنظيم حق الاضراب للعاملين المدنيين بالدولة.



[1] راجع منة عمر، "الاضراب جريمة بأمر من المحكمة الادارية العليا المصرية"، نشر على الموقع الالكتروني لمجلة المفكرة القانونية بتاريخ 4-6-2015.
[2] عرفت المحكمة قصدها بالصالح العام في هذا المقطع بأن "تكون غايته ايصال الشكوى أو مطالب عامة الى السلطات العليا لبحثها والى الرأي العام لاعلامه". 
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، حقوق العمال والنقابات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية